الأمن القومي لا يتعين على وجه التحديد في الأمن العسكري فحسب، المتمثل في القدرة على الدفاع عن النفس وعن الوطن والمقدسات، بل يمتد كذلك ليشمل الأمن الغذائي المتمثل في تحقيق الاكتفاء الذاتي من أنواع الغذاء الأساسية، كما يمتد إلى الأمن الاقتصادي المتمثل في القدرة على الإنتاج ومقاومة الغزو الاقتصادي، ويمتد كذلك إلى الأمن الفكري المتمثل في القدرة على مقاومة الغزو الفكري، ويمتد أخيرا إلى القدرة على التطور في كل هذه المجالات السابقة محافظا على هذه القدرات ومنميا لها. [24]
فالأمن القومي بهذا المعنى هو المصالح العامة المتعلقة بمستقبل الأمة واستقلالها وتفوقها، تلك المصالح التي أمر الشارع بالتصدي لها وهي كما بينا سابقا واجبات كفائية يجب أداؤها إلى درجة اكتفاء الأمة في حاجتها لها، وإلا فإنها تكون قد قصرت في واجب ديني عظيم الأثر على مستقبلهم.
من أسباب الفهم القاصر للواجبات الكفائية
للقصور في الفهم والقصور عن التفعيل لأبعاد الواجبات الكفائية أسباب عدة، منها ما يرجع إلى أزمة الفكر والفهم والتدين، ومنها ما يرجع إلى أزمة الواقع الاستبدادي في أوضاعنا الإدارية والسياسية ومقتضياتها من غياب الشفافية وغياب مؤسسات المجتمع المدني الحقيقية الساعية للقيام بالواجبات الكفائية في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بإقامة مؤسسات الضبط والمساءلة والمراقبة والنصح، والساعية كذلك إلى تمكين الأمة من اختيار القوي الأمين ليأخذ بمقدراتها ويوجهها لصالحها، ويخطط لمستقبلها ويتفانى في ذلك.
ومنها ما يرجع للخارج المنهمك في الشهوات والملذات على حساب الشعوب الأخرى، والذي يخطط لبقاء سيطرته على الشعوب الضعيفة - مدى الزمان - دون رحمة ونظرة إشفاق.
وفيما يأتي توضيح لهذه الثلاثة:
أولا: أزمة الفكر والفهم والتدين:
إن أول ما يبدو هنا حين ننظر إلى القرنين الأخيرين، هو الضباب الشديد المحيط بحقيقة الإسلام في نفوس المسلمين، والبعد المتزايد عن هذه الحقيقة في الحياة الواقعية، أي أنه فساد في التصور والسلوك، فكثير من المفاهيم الإسلامية فسد وانحرف في حس الأجيال المتأخرة ولم يعد شيء منها يشبه أصله الذي كان عليه يوم أن نزل هذا الدين من عند الله.
فمفهوم لا إله إلا الله - مثلا - الذي يشكل أساس الإسلام كله وأكبر أركانه، تحول إلى كلمة تقال باللسان لا علاقة لها بالواقع ولا مقتضى لها في حياة المسلمين أكثر من أن ينطق بها بضع مرات في كل نهار، فضلا عما أحاط بالعقيدة من خرافة وبدع.
ومفهوم العبادة الواسع قد انحصر في شعائر التعبد التي أصابتها العزلة الكاملة عن واقع الحياة، كأنها شيء ليس لها مقتضى في الحياة الدنيا ولا تأثير!.
ومفهوم القضاء والقدر الذي كان في صورته الصحيحة قوة دافعة رافعة، صار في صورته السلبية قوة مخذلة مثبطة عن العمل والنشاط والحركة والأخذ بالأسباب.
وأما ربط الحياة الدنيا بالحياة الآخرة، الذي يجعل الدنيا مزرعة الآخرة فقد تحول إلى فصل كامل بين الدنيا والآخرة، فأهملت عمارة الأرض (التنمية) حين أهملت الدنيا من أجل الآخرة، ونسي الناس موقف النبي صلى الله عليه وسلم من عمارة الأرض والترغيب فيها والحرص عليها وأمر المسلم بها حتى لو لم تتحقق له منها الفائدة المادية في الدنيا، إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر) [25] . وفضلا عن ذلك كله فقد خلت حياة الناس من الروح وأصبحت الحياة كلها تقاليد موروثة أكثر مما هي عبادة واعية لله، أو منهج مترابط يحكم الحياة. [26]
فالعقلية المسلمة قد أصيبت بقصر الفهم لأبعاد مقتضيات الاستخلاف على الأرض، وقصرت كذلك عن الفهم والاعتناء بالسنن الكونية المتعلقة بالنهوض والسقوط للحضارات، والتي لأجل التأكيد عليها جاءت القصص القرآنية التي تتضاعف آياتها في القرآن الكريم عن آيات الأحكام التي استنبط منها هذا الكم الهائل من التراث الفقهي، وأغلب هذه الأحكام هي المتعلقة بالواجبات العينية، وأما الفقه المتعلق بمقتضيات النهوض والسقوط للحضارات فإن حمايته يكون بالواجبات الكفائية التي شرعت لأجل الحفاظ على خيرية الأمة ووسطيتها وشهودها وأداء دورها الراشد والمرشد وسط الأمم، وبقي هذا الجانب من الفقه مهملا ولم ينل اهتماما من العقليات الدينية والإسلامية، وقد اتكلت الأجيال اللاحقة على جهود السابقين.
لقد نال التراث الفقهي قدرا كبيرا من التقديس حيث البيئة العلمية في أغلب الأحيان كانت - ولا تزال - لا تسمح للاستدراك على السابقين، الأمر الذي أدى إلى تهميش الفقه بالسنن الكونية في العقلية المسلمة، وعدم التشجيع لعلوم الحياة والاستفادة من التجارب البشرية وأخذها والاستفادة منها لأهداف النهوض والتنمية والتقدم، والاستفادة منها في أغراض الدفاع والردع والتخويف.
وكانت نتيجة ذلك، العجز عن الاستفادة والسير وفق مقتضيات دار الأسباب للوصول إلى الأهداف، وتمثيل الأمة الوسط وشهودها في مجريات الأحداث وصناعة مستقبلها، كما جاء العجز في عدم قدرتنا على الاستفادة من الكائنات والطاقات المسخرة، ولكنها مستعصية إلا على من تعلم مقدمات ومعارف التسخير والاستغلال لهذه الطاقات.
قد تقدم الآخرون في هذه المجالات واستفادوا من الإمكانات والطاقات الموجودة في الكون، التي مكنتهم من التفوق الذي جاء بعد تناسقهم مع مقتضيات السنن الكونية، وقد استغلوا هذا التفوق للبطش والتنكيل بنا، وسلب إمكاناتنا وهدر طاقاتنا، والتخطيط لإبقائنا في دائرة الخدم لأهدافهم ومصالحهم، وفي النتيجة فقدنا توازن التدافع بين الحق والباطل، وبدأ التفكير في التعامل مع الواقع بناء على فقه الضعف مع كثرتنا وكثرة عتادنا الذي لا نملك حق استعماله إلا ضد شعوبنا.
وعلى الرغم من ذلك كله، فإن هذه الأزمة الفكرية أصبحت تتلاشى وسط حركة الإصلاح النيرة في العالم الإسلامي، ولكن الأمة الآن مكبلة والله المستعان، ولكن العزائم وسط النشء لا تؤمن باليأس ولا تعرف إلا الجهد والسعي والتعرف على سنن التقدم والنجاة، وهذا ما يبشرنا بأن المستقبل للعدالة والحق، وأن الظلم والطغيان لا مستقبل له، وإن ظهرت قوته أمام البشر، وهذا ما أكده التاريخ في حياة البشر وسنة الله عز وجل في الكون.
ثانيا: سيادة الاستبداد الفردي:
إن الاستبداد قد ساهم بشكل كبير في تهميش المسئوليات المجتمعية، والاستبداد دائما يعرقل محاولات الإصلاح السياسي، كما أنه يسعى من خلال المؤسسة الدينية الخاضعة له إلى أن يشجع التدين الفردي، ويحذر من التدين الحامل على التدخل في الشأن العام، ويشجع من خلال علماء السلطان إبعاد الاحتساب عن الشأن العام وتوجيه عمليات الاحتساب نحو الخروق والعصيان الفردي، ونحن في واقعنا نرى أمثلة غير قليلة تؤيد ذلك، كما أن السلطة المستبدة تخالف النقد والنصح ووجود مؤسساتها الضابطة.
ولذلك فإن وجود الاستبداد يؤدي ويشجع التدين الفردي وعدم التدخل في شؤون السلطان المستبد، وبذلك تنحسر الواجبات الكفائية عن الواقع ممارسة وتفعيلا، أو ينحسر فهمها عن القضايا المصيرية للأمة، إلى قضايا المصير الفردي من دفن وكفن وجنازة.. بسبب علماء السلطان، وما يسعى السلطان من خلالهم إلى تكريس السلطنة وتوجيه العقلية المتدينة نحو الطاعة المطلقة له.
ثالثا: الغزو الفكري لخدمة الاستعمار: