إن الفهم الشامل لأبعاد الواجبات الكفائية تقف في وجه الأطماع الاستعمارية بصورة قوية حيث إن الواجبات الكفائية ما شرعت إلا لحفظ المصالح العامة للأمة، والاستعمار يريد أن يمتص خيرات البلاد ويحول المواطنين إلى عبيد يكونون في خدمة السيادة الاستعمارية ويحمون مصالحها، يقول الأستاذ منير شفيق تعليقا على السياسات الاقتصادية للدول الرأسمالية: (في الواقع يمكن القول إن سياسة الحظر التكنولوجي أصبحت جزءا من الإستراتيجية الدولية للبلدان الرأسمالية الصناعية المتقدمة تستخدمها للابتزاز السياسي والاقتصادي، كما تستخدمها لإبقاء حالة التخلف في البلدان النامية والعمل على إعادة هيمنتها عليها) . [27]
وبما أن حيوية الدين وعلاقته الوثيقة بالحياة العامة وتنظيمها، تحرك الناس نحو مقاومة الاستعمار بكل صوره وأشكاله، عمد الاستعمار عن طريق الوسائل والأدوات التي يمتلكها إلى صرف التوجهات والاهتمامات عن المصالح العامة إلى الأمور الخاصة والاهتمامات الشخصية والمصالح الفردية، كما عمل على إغراء بعض القيادات بمميزات ودفوعات شخصية مقابل تنازله عن تبني المصالح العامة والدفاع عنها، وقد ساهم الاستعمار في تكوين جماعات تحرم التصدي للاعتداءات الاستعمارية.
ضرورة تجديد ممارسة الواجبات الكفائية
إن عملية النهوض في العالم الإسلامي من الواقع المرير لا تكون إلا بإحياء الواجبات الكفائية وأبعادها في عقليتنا الدينية، وتفعيلها في حياتنا العملية، وهي عملية تبدأ من تصحيح الفهم وتفقه المقاصد واستحضارها، وأن تصبح الواجبات الكفائية - وهي المصالح العامة ومقتضيات النهوض والخروج من أزمة التخلف- جاذبة لتديننا وتقربنا إلى الله عز وجل، فتكون مقتضيات التنمية الشاملة، والتنمية المستدامة، وانتهاج الفعاليات التقدمية في مجالات الحياة المتعددة عبادة يؤجر بها الإنسان المسلم ويعمر بها البلد والوطن، فيجتمع الدين مع الدنيا، ويكون التدين عامل الرقي والتقدم وليس عامل التخلف - كما يروجه المغرضون أو الجاهلون بكنه الدين وحقيقته- وبذلك نترك الانعزالية في التدين، والفهم القاصر لأبعاد الواجبات الكفائية التي تضمن التنمية المستدامة للطاقات والقدرات.
النتائج والدلالات
إن الشارع قد أعطى أهمية كبرى للواجبات الكفائية حيث لم يكلف شخصا بعينه بالقيام بها، بل علق التكليف بالأمة جميعا لتكون هي المسئولة عن قيامها، وتكون آثمة عند التقصير فيها.
إن مقصود الشارع من الواجبات الكفائية حماية المصالح العامة للأمة من جلب مصلحة ودرء مفسدة، وإن التقصير في الواجبات الكفائية يؤدي إلى ضياع المصالح العامة التي تضر بالمسئوليات المجتمعية للأمة الوسط الشاهدة على الناس، والتي تقوم بعملية البلاغ للناس ونصرة الحق وردع الظالم وتبني حقوق الإنسان بصفته إنسانا، وتشجيع صرف الطاقات في التنمية والإعمار.
إن الواجبات الكفائية في القراءة الدينية المعاصرة قد انحصر بُعدها عن القضايا المصيرية للأمة واقتصرت على قضايا المصير الفردي من كفن وجنازة، الأمر الذي يقتضي الوقوف والمراجعة والتصحيح.
عدم الاهتمام بالواجبات الكفائية في مجال العلوم الكونية أدى إلى تأخرنا في مجال الصناعة والتقانة والاقتصاد، وفوت علينا فرص التسخير التي كان يمكن استخدامها لأغراض الدفاع ومقاصد الردع ورفاهية الإنسان، نحن تأخرنا والآخرون تقدموا في هذه المجالات واحتكروا المعرفة التي هي سر القوة، ولم يسمحوا بنقلها إلا في الحدود الهامشية الضيقة واستغلوها لقهر وإذلال الشعوب بما فيهم المسلمون، وهكذا أوتينا من قِبَل التقصير في الواجبات الكفائية التي لم نحسن الفهم والاهتمام بأولويتها.
الاهتمام بالعلوم الإدارية والاقتصادية فهي لم تصل إلى درجة الكفاية حتى تسهم في حل مشكلات الأمة الاقتصادية والإدارية، ومؤسساتنا التعليمية تخرج من كليات الاقتصاد والإدارة من يحسن حفظ المعلومات وقراءتها وِردا، دون القدرة على الإبداع والتجديد حتى نخرج من نفق الفقر وسوء الإدارة، وذلك بالاستفادة القصوى من إمكانياتنا المالية وقدراتنا البشرية.
قد ساد الفهم لدى كثير من عقلياتنا الدينية بأن المسئولية عن الواجبات الكفائية تنتهي بمجرد تحمل شخص أو فئة لها، دون أن يشعر بمسئولية المتابعة التي تتمثل في حمل القادر أو المتعين عليه الواجب الكفائي، وأن يصل أداؤه للواجب الكفائي إلى درجة الكفاية، وهذا الفهم أدى إلى أن تقصر هممنا عن إنشاء وإحداث مؤسسات الرصد والمراقبة ثم الاحتساب والنقد المجتمعي كامتداد لمسئوليات الواجبات الكفائية.
إن أزمة الفكر وأدوات الاستعمار كانا وراء قصور الفهم عن الواجبات الكفائية وانحصارها عن مجالات الحياة العامة، وعناصرهما قد خدمت هذا الغرض، وليس بالضرورة اتفاقهم في الوسائل والغايات، والكثيرون قد أضروا بمصالح الأمة وهم يحسنون النية والقصد في ذلك.
لا بد من المراجعة للفكر وفهم الأبعاد الحقيقية للواجبات الكفائية وعلاقتها بالنهوض والتقدم والشهود الحضاري وأداء الدور الرسالي، ويكون الاهتمام بها تدينا، وإنزالها إلى الواقع من أفضل القربات عند الله عز وجل في هذا العصر؛ لأنه يكون سببا في إخراج الأمة عن الحالة المأساوية التي لا تحسد عليها.
اقرأ أيضا:
فروض الكفاية في المجتمع الإسلامي المعاصر
العمل الأهلي: رؤية إسلامية
الواجبات العينية والكفائية
** باحث أفغاني، دكتوراه في الفقه المقارن، يعمل حاليا بالجامعة الأسمرية للعلوم الإسلامية بمدينة زليتين، ليبيا.
[1] مختار الصحاح 1/295
[2] انظر: محمد بن محمد (505هـ) المستصفى في أصول الفقه، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الأولى 1413هـ بتحقيق محمد بن عبد السلام عبد الكافي 1/23، وعلي بن عبد الكافي السبكي (756هـ) وتاج الدين عبد الوهاب بن عبد الكافي السبكي (771هـ) الإبهاج في شرح المنهاج، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1404هـ تحقيق جماعة من العلماء 1/60 ومحمد بن عمر بن الحسين الرازي (606هـ) المحصول في علم الأصول، جامعة محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، الطبعة الأولى 1400هـ تحقيق طه جابر العلواني 1/177، وعبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (620هـ) روضة الناظر وجنة المناظر، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض الطبعة الثانية 1399هـ تحقيق عبد العزيز عبد الرحمن السعيد، وعبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني ت 478هـ، البرهان في أصول الفقه،حققه عبد العظيم محمود الديب، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة، 1997م، 1/214.
[3] يقصد المؤلف بذلك الحنفية حيث يقسم الحنفية الأفعال التي طلبها الشارع على سبيل الحتم والإلزام إلى ما ثبت بدليل قطعي يسمى فرضا وإلى ما ثبت بدليل ظني ويسمى واجبا.
[4] محمد بن محمد (505هـ) المصدر السابق 1/24، ومحمد بن علي بن محمد الشوكاني (1250هـ) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى 1412هـ 1/24.
[5] شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي، أنوار البروق في أنواء الفروق، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1/116.