فهرس الكتاب

الصفحة 2580 من 3028

فقد ألفت كتب كثيرة في تاريخ العالم، أو تاريخ الحضارة الإنسانية، فكان مؤلفوها الغربيون، يختزلون تاريخ الإسلام والمسلمين، اختزالًا يوحي بقيمته ومكانته في نفوسهم، بل يوحي بانحراف منهجهم، وسوء قصدهم، ويكفي مثالًا على ذلك الكتاب الذي كتبه (هـ . ج . ويلز) باسم (معالم تاريخ الإنسانية) وترجمه إلى العربية عبد العزيز توفيق جاويد، وطبعته لجنة التأليف والترجمة والنشر بمصر، ولا تجد في الكتاب إلا تاريخ الجاهليات، والوثنيات، أما تاريخ الإسلام وأثره في (معالم تاريخ الإنسانية) فلم يذكره إلا بفصل من 53 صفحة.

والسر في ذلك أنهم دائما يكتبون التاريخ من مركز الدائرة الأوروبية، أي ينظرون من زاوية أوروبية، وبعيون أوروبية، فتاريخ العالم هو تاريخ الغرب وأما ما سوى الغرب، فهو لا يذكر إلا بمقدار ما يتصل بالغرب، أو يتأثر به، أو يأخذ عنه، فما سوى الغرب نقاط متناثرة حول صلب التاريخ وعموده.

ثانيًا: المنهج من حيث استكمال شروطه، والالتزام بقواعده:

ومع أننا نتحدث عن كتابات الغربيين في التاريخ، إلا أننا سنرى أن ما سنقوله هنا ينطبق على مناهجهم في الدراسات الاستشراقية بصفة عامة، في التاريخ وغيره، كالدراسات الأدبية والدراسات حول القرآن، وحول السنة وكل ما تخطه أيديهم مما يتصل بالإسلام والعربية.

ولأننا جعلنا كتاباتهم في التاريخ موضوعنا، سنقصر أمثلتنا على الكتابات التاريخية وحدها، لنكون ملتزمين بموضوعنا. . إن شاء الله . .

ونستطيع أن نوجز هذه الملامح والسمات المنهجية وإن شئت قلت: المآخذ المنهجية على النحو الآتي:

أ - الخضوع للأهواء وعدم التجرد

للبحثشرط المنهج الأول، وأساسه، التجرد من الأهواء، وعدم الوقوع تحت سلطانها، فلا يميل الهوى بالباحث لإثبات ما يوافق هواه، ونفي ما عداه فما بالنا بمن يحدد الغرض أولًا، والنتيجة مسبقًا، ثم يبدأ في البحث عما يؤيدها، والتنقيب عما يثبتها، فهذا ليس علمًا، وليس بحثًا، مهما كانت صورته، ومهما كان شكله، وهذا هو ما يعمله المستشرقون، فهم (يعينون لهم غاية، ويقررون في أنفسهم تحقيق تلك الغاية بكل طريق، ثم يقومون لها بجمع معلومات - من كل رطب ويابس - ليس لها علاقة بالموضوع، سواء من كتب الديانة والتاريخ، أو الأدب أو الشعر، أو الرواية، والقصص، أو المجون والفكاهة، وإن كانت هذه المواد تافهة لا قيمة لها، ويقدمونها بعد التمويه بكل جراءة، ويبنون عليها نظرية، لا يكون لها وجود إلا في نفوسهم وأذهانهم(العلامة أبو الحسن الندوي، الإسلام والمستشرقون:19، المجمع الإسلامي العلمي، ندوة العلماء، لكنو، الهند، 1402هـ - 1982م) .

وما ذكرناه في هذا البحث آنفًا عن أهداف المستشرقين وغاياتهم، يشير إلى هذه الآفة، فالمستشرق يبدأ بحثه وأمامه غاية حددها، ونتيجة وصل إليها مقدمًا، ثم يحاول أن يثبتها بعد ذلك، ومن هنا يكون دأبه، واستقصاؤه الذي يأخذ بأبصار بعضهم، وهو في الواقع يدأب، ويشقى ويكد لينحِّي ما يهدم فكرته ويكذب رأيه، ويخفي ويطمس ويتجاهل كل ما يسوقه إلى نتيجة غير التي حددها سلفًا، ومن هنا تأتي أبحاثهم عليها مسحة العناء والاستقصاء، ولكنه عناء الالتواء، واستقصاء من يجمع من لا شيء شيئًا، ويصنع من الهباء بناء ويبني من الغبار صرحًا.

يقول أستاذنا محمود شاكر، عن هذا الخطر، والخلل المنهجي:

(وأما الأهواء، فهي الداء المبير والشر المستطير، والفساد الأكبر، إن هو ألم بأي عمل إلمامة خفيفة الدبيب ، بله الوطء المتثاقل، أحاله إلى عمل مستقذر منبوذ كريه، حتى ولو جاءك هذا العمل في أحسن ثيابه، وحليه وعطوره، وأتمها زينة، من دقة استيعاب وتمحيص، ومهارة، وحذق وذكاء) . (44)

هذا الداء المبير، والخطر الوبيل، حذر منه علماؤنا الأقدمون، منذ أكثر من ألف عام، حيث وضعوا قواعد المنهج، وحددوا أركانه وشروطه، فتردد في كتبهم، ونبهوا عليه في كثير من مؤلفاتهم، وخصوا هذه القواعد بكتب ورسائل خاصة فمن قبل ألف عام قرأت الدنيا للحسن بن الهيثم المتوفى سنة 430 هـ 1038م، فيما وضعه من قواعد المنهج قوله في كتابه (المناظر) ..

(ونجعل غرضنا في جميع ما نستقرئه ونتصفحه استعمال العدل، لا اتباع الهوى، ونتحرى، في سائر ما نميزه، وننتقده طلب الحق، لا الميل مع الآراء، فلعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذي به يثلج(45) الصدر، ونصل بالتدريج والتلطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين، ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف، وينحسم بها مواد الشبهات). (46)

هكذا، استعمال العدل والبعد عن الهوى، وطلب الحق، وعدم الميل مع الآراء، شرط للوصول إلى اليقين والحقيقة!! فهل كان المستشرقون يبغون اليقين ويريدون الحقيقة؟؟.

ب - عجز المستشرق عن تمثل الثقافة واللغة

إذا كان من شروط المنهج البراءة من الأهواء، كما ذكرنا آنفًا، فإن من شروطه أيضًا إدراك اللغة والإحاطة بأسرارها، أسرار اللغة التي يبحث الباحث في آدابها وعلومها، وفنونها، وكذلك إدراك (الثقافة) والإحاطة بسرها، (ثقافة) الأمة التي يريد أن يبحث في تاريخها، وعقائدها، وعمرانها، وحضارتها، وعقائدها ودينها.

وذلك لازم للمستشرق وغير المستشرق،"هذه الشروط لا يختلف في شأنها أحد قط في كل ثقافة، وفي كل أمة، فإذا كان لا يعد كاتبًا أو باحثًا أو عالمًا من أبناء اللغة، وأبناء الثقافة أنفسهم، إلا من اجتمعت له هذه الشروط فإذا عري منها لم يكن أهلًا للنزول في ميدان (المنهج) فإذا فعل، فهو متكلم لا أكثر، ثم لا يلتفت إلى قوله، ولا يعتد به عند أهل البحث والعلم والكتابة."

والمستشرق فتى أعجمي ناشئ، في لسان أمته وتعليم بلاده، ومغروس في آدابها وثقافتها. . ثم يشدو طرفًا من علوم العربية وآدابها، يأخذها من أعجمي مثله، ثم يخرج على الناس بعد ذلك (مستشرقًا) ، يفتي في اللسان العربي، والتاريخ العربي، . . . . غاية ما يمكن أن يحوزه (مستشرق) في عشرين أو ثلاثين سنة. . أن يكون عارفا معرفة ما بهذه (اللغة) وأحسن أحواله عندئذ أن يكون بمنزلة طالب عربي، في الرابعة عشرة من عمره، بل هو أقل منه على الأرجح، أي هو في طبقة العوام الذين لا يعتد بقولهم أحد في ميدان (المنهج) .. على أن اللغة نفسها هي وعاء (الثقافة) فهما متداخلتان، فمحال أن يكون محيطًا أيضًا بثقافتها إحاطة تؤهله للتمكن من (اللغة) فمن أين يكون (المستشرق) مؤهلًا لنزول هذا الميدان؟. .

وإذا كان أمر (اللغة) شديدًا لا يسمح بدخول المستشرق تحت هذا الشرط اللازم للقلة التي تنزل ميدان (المنهج) و (ما قبل المنهج) فإن شرط (الثقافة أشد وأعتى، لأن الثقافة سر من الأسرار الملثمة في كل أمة من الأمم، وفي كل جيل من البشر، وهي في أصلها الراسخ البعيد الغور، معارف كثيرة لا تحصى، متنوعة أبلغ التنوع، لا يكاد يحاط بها، مطلوبة في كل مجتمع إنساني، للإيمان بها أولًا من طريق العقل والقلب، ثم للعمل بها، حتى تذوب في بنيان الإنسان، وتجري منه مجرى الدم، لا يكاد يحس به، ثم للانتماء إليها بعقله وقلبه، انتماء يحفظه ويحفظها من التفكك والانهيار، وهذه القيود الثلاثة:(الإيمان) و (العمل) و (الانتماء) هي أعمدة (الثقافة) وأركانها التي لا يكون لها وجود ظاهر محقق إلا بها، وإلا انتقض بنيان (الثقافة) وصارت مجرد معلومات ومعارف وأقوال مطروحة في الطريق متفككة لا يجمع بينها جامع، ولا يقوم لها تماسك، ولا ترابط ولا تشابك. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت