فهرس الكتاب

الصفحة 1226 من 3028

ولقد عرف الأعداء أهمية الجهاد وخطره عليهم، فبذلوا قصارى جهدهم وعملوا ليلًا ونهارًا لإضعاف روح الجهاد في نفوس المسلمين وقلوبهم، فأبعدوا أهل الإسلام عن كل طريق جادّ، ونفخوا في القوميات الإقليمية والنعرات الجاهلية، وقطعوا حبال الأخوة الجامعة، وحاربوا الجهاد والمجاهدين بتهمة التطرّف والمتطرفين حينًا، وباسم الأصولية والأصوليين حينًا آخر، ثم باسم الإرهاب والإرهابيين كما هو الحال اليوم.

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

معاشر الإخوة في الله، إن المحن والبلايا وإن كرهتها النفوس إلا أنها تكشف عما في القلوب وتظهر مكنون الصدور، بها ينتفي الزيف والرياء، وتنكشف الحقيقة بكل جلاء. إنها محك لا يخطئ وميزان لا يظلم، والرخاء في ذلك كالشدة، والمؤمن الصادق ثابت في السراء والضراء. ولقد يظن الإنسان في نفسه قبل البلاء القدرة والشجاعة، ويحسب فيها التجرد والنزاهة، ويتوقع منها البعد عن الشح والحرص، فإذا نزلت النازلة ووقعت الواقعة واشتبكت الجيوش وحمي الوطيس تبين من بكى ممن تباكى، وأدرك المرء أنه كان بحاجة إلى تمحيص ومراجعة، وأن من الخير له أن يعتبر ويتعظ ويستدرك قبل أن يكون عبرة ويقع ضحيةً.

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أيها المسلمون، إن الناظر فيما أصاب المسلمين من ابتلاء هذه الأيام يرى اختلافًا كثيرًا في مواقف الناس واتجاهاتهم، من صابر ثابت ومن جَزِع خائف، هذا موقن بنصر الله، وذاك شاكّ في وعد الله. ومن أسف أن كثيرًا منهم ومع أنهم يعيشون في غنى وسعة ويتقلبون في أمن وأمان ورخاء إلا أنهم أصبحوا يعيشون قلقًا وهمًّا، ويجدون في أنفسهم خوفًا وفَرَقًا، مما يخبئه لهم المستقبل القادم على ضوء الأوضاع الراهنة، وما كان هذا الخوف والفزع ليحدث بهذه الصورة المزرية التي جعلت كثيرًا منهم تختل عنده الموازين والتصورات، فيصدق الكذَبَة ويكذّب الصادقين، ويخوّن الأمناء ويأتمن الخائنين، بل ويقوّي صلته بالخلق وينقطع عن الخالق، أقول: ما كان هذا ليحدث لولا ضعف العقيدة في النفوس، واهتزاز بناء التوكل في القلوب، والغفلة عن سنن الله في نصر أوليائه وخذلان أعدائه.

أيها الإخوة، لقد مر بالمسلمين في تاريخهم الطويل أزمات وأزمات، وحلّت بهم بلايا ونكبات، سقطت دول وقامت دويلات، ونشبت نزاعات وخلافات، سقطت مقدّسات في أيدي الأعداء، وابتلي مجاهدون وعلماء، وسقط كثير من الشهداء، فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران:146] . إن مظاهر الضعف والهزائم التي أصابتهم لم تورث في نفوسهم شكًّا في عقيدتهم، ولم تدفعهم إلى التطلع إلى ما عند أعدائهم، إنهم لم يعتقدوا الحق إلا في دين الله، لم يهنوا ولم يستكينوا حتى في حال الهزائم العسكرية؛ لأنهم علموا أن ما يحل من هزائم وما يقع من نكبات ما هو إلا من سنن الله في الابتلاء والتمحيص، ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:4] ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران:141] .

أما في الواقع المعاصر ـ أيها الإخوة ـ فقد عرف العدو سر القوة ومصدر العزة، فعمل عمله في الغزو الفكري على كل الأصعدة، وكرّسَ جهده في قَلْب المفاهيم وإفساد التصورات بشتى الطرق، فاختلفت الحال واختلّ الميزان، فوُجِد في المسلمين من يشك في صلاحية الإسلام عقيدة وشريعة، ظهر فيهم من يوالي أعداء الله وأعداء رسوله الموالاة الممنوعة، وخرج من يعتقد الخير في غير دين الله، ووُجِد من ينشد السعادة في غير حكم رسول الله؛ ذلك لأن أكثرهم اليوم صار إمّعة مقلدًا، يتلقّى ثقافته من جرائد مخدوعة ومجلات مشبوهة، ويستقي معلوماته من قنوات مغرضة وإذاعات مبغضة، قدوته كُتّاب مأجورون وصحفيون مفلسون، إن أحبوا حمدوا ومدحوا، وإن أبغضوا ذموا وقدحوا، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون، مصادرهم وكالات أنباء يهودية ماسونية، ومعتمدهم على أخرى نصرانية صليبية، يدسون السم في العسل، ويكتمون الحق وهم يعلمون.

أيها المسلمون، إن التخلي عن هذا الدين أو التشكك فيه والتخلف عن ركب محمد ، إنه لخسارة ما بعدها خسارة، وإن خذلان المسلمين المستضعفين المظلومين وعدم نصرهم ولو بالدعاء لهم وتوضيح قضاياهم على حقيقتها، إنه لقاصمة ما بعدها قاصمة. إنه ـ وربّي ـ التلاشي والاضمحلال، ومن ثم الهلاك والفناء. إن الحياة الحقيقية ليست صورة اللحم والدم، ولا هي امتلاء العضلات قوة وفتوة، وإن القوة العظمى والأمان الحقيقي ليسا في العيش في ذُرَى البشر وحماهم مهما كانت قوتهم وأسلحتهم. إن الحياة والقوة في تقوية الصلة بالله، وإن العزة التي لا تُضَام والمَنَعة التي لا تُرام إنما هي في السير على نور من الله والاستجابة لندائه: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [آل عمران:193] . لقد خرج الدعاة الفاتحون من أسلافنا العظماء مُرَقَّعِي القمص مَخْصُوفِي النعال، فحكموا العالم بحسن سيرتهم وصدق سريرتهم، صدقوا الله فصدقهم، ونصروه فنصرهم، وأحيوا دينه وشرعه وسنة نبيه فأحيا قلوبهم ونوّر بصائرهم، لقد شع نور الإيمان في جنباتهم، فميزوا به الخير من الشر، وعرفوا به النفع من الضر، وفرقوا بين المعروف والمنكر، ميزوا الصديق فوالوه، وتبينوا العدو فنابذوه.

أما المقطوعون عن الله في هذا الزمان فإن نظرتهم لم تتجاوز الحياة الدنيئة بمتعها، وتطلعهم لم يتعد حدود مآربهم الشخصية، تمسكوا بالقشور والماديات، واستغرقوا في الشهوات والملذات، فملؤوا الدنيا ظلمًا وجورًا، وأترعوها فسادًا وخلاعة. وإن التقدم الملموس في مجال التقنيات والآليات والعلوم التجريبية لم يغن عن عالم اليوم شيئًا، فالعالم يموج بفلسفات الشرق الملحد والغرب الكافر، إيمانًا بالماديات البحتة، وإنكارًا للحقائق الغيبية، واطراحًا للقيم العالية، ونبذًا للأخلاق النبيلة. تَقَاتُل على المصالح الخاصة والأنانيات المستحكمة، وصراع على مقدرات الشعوب وثرواتها، حروب تتفجر وأمراض تتنوع، والإنسانية تزداد كآبة وتحسّرًا. شحّت الموارد، ونزعت البركات، فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، ويسعون في الأرض فسادًا، والله لا يحب المفسدين.

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أيها المسلمون، إن علة العلل في عالم اليوم هي ما ران على القلوب من الرضا بالحياة الدنيا والاطمئنان بها، والغفلة عن آيات الله وسننه. إن نفوس كثير من المسلمين اليوم نفوس صغيرة ذليلة، فقدت طعم العزة ولذة الانتصار، وإن أفئدتهم أفئدة غافلة لاهية، نسيت ربها وخالقها، وتناست وعده، واستخفت بوعيده، استصغروا أنفسهم، واستعظموا أعداءهم، وتناسوا إيمانهم وجنود ربهم، وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ [المدثر:31] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت