فهرس الكتاب

الصفحة 1227 من 3028

إن الناشئة في كثير من بلاد المسلمين اليوم يُذَادون عن كتاب الله ذَوْدًا، ويصرفون عن سنة نبيهم وهدي سلفهم، دينهم تُعَكَّرُ منابعه، وتاريخهم تُشَوَّهُ مصادره، يُبعَد علماؤهم ويحاربون، ويُقرّب أعداؤهم ويسالمون. إن الرقيب ليلمح أجسامًا تتحرك في مآرب الدنيا، وطغامًا كثيرًا من الكبار والصغار، نسوا الله فأنساهم أنفسهم، غفلوا عما خلقوا من أجله، واشتغلوا بما لا ينفعهم الاشتغال به، جهلوا ما تنفعهم معرفته، وعرفوا ما يضرهم العلم به، خلت قلوبهم من ماء حياتها ومادة غذائها، فامتلأت هواءً، وأُتْرِعَت غُثَاءً، فرغت أو كادت تفرغ من محبة الله والأنس بطاعته، وشحنت بالغفلة وكراهية الموت.

وإذا أردت على ذلك دليلًا وبرهانًا فانظر إلى ما يشغل الناس اليوم به أنفسهم، وفيم يقضون أوقات فراغهم، وعلام يجتمعون، وفيم يتناقشون، وما الهمّ الذي يتَلَجْلَجُ في صدر كل واحد منهم. إنك ستجد عقولًا خِواءً، وأفئدة هواءً، وسترى فتيانًا يضحكون ولا يبكون، ينطلقون إلى المنتديات يلعبون، ويتجمعون في أماكن اللهو يعبثون، ستُلْفِي أجسامًا وقوى تستغل في غير ما خلقت له، سهرها على لعب الورق، وتفكيرها في كيفية الفوز فيه، راحتها وأنسها الدشوش والقنوات، ولذتها استماع الأغاني والمزامير، ولاؤها في المنتخب والنادي، وهمّها ظهور نصره أو أفول هلاله، اتفاق على التشجيع واتحاد على حب الرياضة، متابعات واهتمامات، ولقاءات وتحليلات، ثغور وفنيات، وجرائد رياضية وصفحات، وهنا مقالات هجومية وهناك ردود دفاعية، مناوشات وسباب، ولوم وعتاب، وكأنما يخطط القوم لغزو اليهود وتحرير فلسطين، أو يعدون لنصر المظلومين على الظالمين، وحينما تقرأ وصف مباراة وتحليلها فكأنما توصف لك معركة حربية شرسة، وكأنما ينعت لك قواد عظماء فاتحون، منتصر رابح ومهزوم خاسر، وهذا مدرب قدير وذاك قائد فذ، وهذه خطة هجومية وتلك دفاعية، إلى آخر ما هنالك من إفك وكذب، في سلسلة من تزويق الكلام وزخرفة القول والتلاعب بعقول الرعاع والطغام.

وإذا كان الأمر كذلك ـ أيها الإخوة ـ فإن المسلمين اليوم أحوج ما يكونون إلى ما يرد عليهم اعتزازهم بإيمانهم وثقتهم بأنفسهم ورجاءهم في مستقبل مشرق تكون كلمة الله فيه هي العليا ودينه هو الظاهر. يجب على المسلمين أن يستشعروا مسؤوليتهم وريادتهم، وأن عليهم دعوة هذه القطعان الضالة إلى الدين القويم وهدايتهم إلى الصراط المستقيم.

إن الأمة تكون عزيزة حين تربي أبناءها على خلق الشجاعة وصرامة العزم، وحين تعوّدهم علو الهمة وبعد النظرة، تكون عزيزة حين تلد أبطالًا وتعدّ أجيالًا وتبذل جهودًا لا تعرف حدودًا، لا يقعد بها بخل ولا يلهيها غنى. لا يصنع التاريخ ـ أيها الإخوة ـ إلا الرجال الأعزّة، أهل الحق والإيمان والعقيدة، وأصحاب المبادئ السامية والأهداف النبيلة، المتمسكون بدينهم وقيمهم وأخلاقهم.

ولتعلموا ـ رحمكم الله ـ أن العزة والأمن والرخاء باقية لأهل الإيمان والحق ما استقاموا على النهج وأصلحوا نفوسهم؛ ذلك أن العزة لا تجتمع مع السفاسف والدنايا، والأمن لا يتفق مع الجرأة على انتهاك حرمات الله وتعدي حدوده، والرخاء لا يكون مع البعد عن الله ومعاداة رسوله وأوليائه.

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أيها المسلمون، إن حقًّا على أمة الإسلام أن تجدّ لا أن تلعب، وأن تبكي لا أن تضحك، كيف اللعب والأقصى في يد اليهود؟! وإلى متى الهزل ومسرى رسول الله تدنسه القرود؟! وعلام الضحك ونحن في مؤخرة الركب؟! نسام كما تسام البهائم، ونخدر بالألعاب كما يفعل بالأطفال. إننا نحن المسلمين قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله. هكذا أعلنها الفاروق على ملأ هم خيرة الخلق بعد الرسل، وهكذا نقولها اليوم وفي كل يوم، وسيبقى التاريخ يرددها ويكررها ما بقيت للكرامة عين تطرف وقلب يرجف، وستظل نبراسًا يضيء للأجيال طريقهم نحو المجد والقيادة.

أما ما تزعمه وسائل الإعلام المأجورة من بطولات رياضية وزعامات فنية فذلك هو عين الخداع للأمة ولشبابها، وذلك والله هو تخدير العقول والعواطف، وجعلها تنفق طاقتها في غير ما خلقت له، بل هو ـ ورب الكعبة ـ تنفيذ مخططات الصهاينة اليهود، لإبعاد المسلمين عن مصدر عزتهم ومنبع كرامتهم، وإقصائهم عن سر تفوقهم وسبب تغلبهم الذي ما كاد المسلمون يبتعدون عنه ويتخلون عن منهجه حتى انزووا في بقعة ضيقة ومساحة صغيرة، وعاشوا على هامش العالم بعد أن كانوا في مقدمة الركب، يتأثّرون ولا يؤثّرون، ويستوردون ولا يصدرون، يُقضى الأمر على غيبة منهم، ولا يُسْتَشهدون وهم شهود.

ألا فاتقوا الله أيها المسلمون، وقوموا بواجباتكم، واستمسكوا بدينكم، فإن المسلم الحق عزيز غيور، لا يقبل النيل من دينه ولا من نفسه، ولا أن يمس في أهله ولا ماله بغير حق، جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاءني رجل يريد أخذ مالي؟ قال: (( فلا تعطه مالك ) )، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: (( قاتله ) )، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (( فأنت شهيد ) )، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: (( هو في النار ) ).

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

الخطبة الثانية

أما بعد: فاتقوا الله ربكم في كل حين واعبدوه، واحمدوه على أن أتم عليكم شهركم واشكروه، واستمروا على طاعته إلى أن تلقوه، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18] .

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

أيها المسلمون، إن العيد في الإسلام غبطة في الدين والطاعة، ومظهر للقوة والإخاء، إنه فرحة بانتصار الإرادة الخيرة على الأهواء والشهوات، وسرور بالخلاص من إغواءات شياطين الإنس والجن، إنه رضا بطاعة المولى وبهجة في الحياة الدنيا.

في الناس ـ أيها الإخوة ـ من تطغى عليه فرحة العيد فتستبد بمشاعره ووجدانه، لدرجة تنسيه واجب الشكر والاعتراف بالنعم، وتدفعه إلى الزهو بالجديد والإعجاب بالنفس، حتى يبلغ درجة المَخْيَلَة والتباهي. وما علم هذا المتباهي أن العيد قد يأتي على أناس قد ذلوا من بعد عز، فاعتاضوا عن الفرحة بالبكاء، وحل محل البهجة الأنين والعناء. كم في هذا العيد من يتيم ينشد عطف الأبوة الحانية، ويتلمس حنان الأم الرؤوم، يرنو إلى من يمسح رأسه، ويتطلع إلى من يخفف بؤسه. كم من أرملة فقدت عشيرها، وتوالت عليها المحن، تذكرت بالعيد عِزًّا قد مضى تحت كنف زوج عطوف. فحق على كل ذي نعمة ممن صام وقام أن يتذكر هؤلاء المنكوبين، فيرعى اليتامى، ويواسي الأيامى، ويرحم أعزاء قوم قد ذلوا.

كم هو جميل أن تظهر أعياد الأمة بمظهر الواعي لأحوالها وقضاياها، فلا تحول بهجتها بالعيد دون الشعور بمصائبها التي يرزح تحتها فئام من أبنائها، فلا تنسى أرض الإسراء في فلسطين، ولا أراض للمسلمين أخرى منكوبة، بمجاهديها وشهدائها، بأيتامها وأراملها، بأطفالها وأسراها. إنك ـ أيها المسلم ـ حين تأسو جراح إخوانك إنما تأسو جراحك، وحين تسد حاجة جيرانك إنما تسد حاجة نفسك، وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ [البقرة:272] .

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت