فهرس الكتاب

الصفحة 752 من 3028

ثم تجد منهم من يسعى للسفر للدراسة للخارج. وما أدراك ما الدراسة في الخارج؟ فتأتي المنح الدراسية للتعلم في بلاد الغرب التي تغري الطلاب بفتح آفاق جديدة لهم ثم للحياة من بعد ذلك. وتتحمل الدول الغربية آلاف الدولارات لتغطية مصروفات هذه المنح من سفر ودراسة وإقامة، وذلك من أجل تواصل الشعوب فيما بينها! هكذا يقولون!! وبالطبع فليس من وراء هذه المنح الدراسية أي خير للدارس أو لبلده. بل على العكس، فهم يريدون من ذلك إقامة صفوف من المتغربين الذين يتكلمون بلغتهم ويروجون لأفكارهم.

وفي ظل عدم رسوخ العقيدة السليمة في وجدان المسافرين، بسبب عدم تعلمها أصلا، تصبح عملية التلقين العلماني في غاية السهولة. وانظر على سبيل المثال ما يدرسه طالب علم الاقتصاد! إنه يدرس، ومنذ بداية التحاقه بالدراسة، أن سعر الفائدة هو صمام أمان عمل النظام الاقتصادي، وأن الاختلالات الاقتصادية لا يمكن علاجها إلا عن طريق التحكم في سعر الفائدة ارتفاعا وانخفاضا. ثم تمضي الدراسة به على هذا النهج، وفي شتى فروع علم الاقتصاد، مركزة على أهمية الدور الذي يلعبه سعر الفائدة في الاقتصاد. حتى إذا تخرج الطالب، وبدأ حياته العملية، متقلدا أية وظيفة، يبدأ في وضع النظريات التي تعلمها موضع التنفيذ. فإذا فوجئ بمن يقول له عن حُرمانية النظام الربوي في الإسلام، ينظر إليه هذا"الخريج"وكأنه يتعامل مع شخص أتى من كوكب آخر أو من الفضاء.

كما أن مسألة تضخيم بعض الشخصيات التي تتلقى تعليمها في دول الغرب، بعد أن يتم"غسل مخها"بحيث تصبح أبواق دعاية للغرب وحضارته، وفي ذات الوقت معول هدم للإسلام، ثم تعمل بعد ذلك على جذب عدد كبير من جمهور العوام الذين لا يعرفون شيئا عن الدين أو يعرفون مجرد قشور لتبني أفكارهم - إن ذلك لهو مبدأ أساسي من أهداف الغزو الفكري في بلاد المسلمين. وأوضح مثال على ذلك هو ما أطلقوا عليه زورا"عميد الأدب العربي"، وما هو حتى بشاويش له. وانظر للأفكار المسمومة التي حاول أن يدسها في كتبه لكي يقرأها المسلمون. فقد جاء في كتابه"في الشعر الجاهلي"ما نصه:"للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي". هكذا!!! أي أنه يبطل حجية القرآن كمصدر للأخبار! ثم نجعل منه بعد ذلك عميدا للأدب العربي!!

لقد أصبحت الدراسة للحصول على الشهادة هدفا في حد ذاته، وأضحى تحصيل العلم من وراء تلك الشهادة أمرا ثانويا لا يدخل في بؤرة اهتمام الدارسين! فالشهادة - أيا كان مسماها، أو مصدرها، أو موضوعها - تفتح جميع الآفاق للحاصل عليها للتمتع بوظيفة مرموقة تدر على حاملها دخلا مرتفعا للغاية، بغض النظر عما إذا كانت تضيف لبلده، بل لنفسه، شيئا.

وهكذا نجد أن الرحلة لطلب العلم الشرعي، والحديث بصفة خاصة، قد تراجعت بحيث لا تمثل إلا هامشا ضئيلا في حياة الأمة. وأصبحت الرحلات التي تتم الآن هي رحلات لجمع المال وتكديسه. وإذا ما تمت رحلات لتلقي العلم، فهي لعلوم دنيوية لا تعود إلا بنفع ضئيل للغاية على بلاد المسلمين، ويكون المستفيد الرئيسي من ورائها هو الذي قام بها وحسب. فضلا عما تحدثه جُل هذه الرحلات من تشكيك في عقيدة المرتحلين. وإلا فاعدد لي بربك عشر شخصيات قد ارتحلت في طلب العلم ثم عادت إلى بلدانها فحققت فيها الطفرات التي أقامت هذه البلدان من عثرتها، ونحت بها نحو طريق التقدم والازدهار.

وهاك مَثل لما فعله أحد الكافرين، حتى نعتبر ونتعظ. فهذا الرجل تحرك من أجل بلده، دون أن يضع الله في حسبانه. فما بالك لو صلحت نوايانا نحن، ووضعنا الله في اعتبارنا عند قيامنا بأي عمل. وقد وردت هذه القصة في كتاب الهمة طريق إلى القمة، ( ص: 32 - 38 ) : أرسلت الدولة اليابانية في بدء حضارتها بعوثا دراسية إلى ألمانيا كما بعثت الأمة العربية بعوثا، ورجعت بعوث اليابان لتحضَّر أمتها، ورجعت بعوثنا خاوية الوفاض!! فما هو السر؟ لنقرأ هذه القصة حتى نتعرف على الإجابة:

يقول الطالب الياباني"أوساهير"الذي بعثته حكومته للدراسة في ألمانيا: لو أنني اتبعت نصائح أستاذي الألماني الذي ذهبت لأدرس عليه في جامعة هامبورج لما وصلت إلى شيء، كانت حكومتي قد أرسلتني لأدرس أصول الميكانيكا العلمية، كنت أحلم بأن أتعلم، كيف أصنع محركا صغيرا؟ كنت أعرف أن لكل صناعة وحدة أساسية أو ما يسمى"موديل"هو أساس الصناعة كلها، فإذا عرفت كيف تصنع، وضعت يدك على سر هذه الصناعة كلها.

وبدلا من أن يأخذ الأساتذة أوساهير إلى معمل، أو مركز تدريب عملي، أخذوا يعطونه كتبا ليقرأها. ويقول أوساهير: قرأت حتى عرفت نظريات الميكانيكا كلها، ولكنني ظللت أمام المحرك، أيا كانت قوته، وكأنني أقف أمام لغز لا يُحل. وفي ذات يوم، قرأت عن معرض محركات إيطالية الصنع، كان ذلك أول الشهر، وكان معي راتبي. وجدت في المعرض محركا قوة حصانين ثمنه يعادل مرتبي كله، فأخرجت الراتب ودفعته، وحملت المحرك، وكان ثقيلا جدا. وذهبت إلى حجرتي، ووضعته على المنضدة، وجعلت أنظر إليه، كأنني أنظر إلى تاج من الجوهر. وقلت لنفسي: هذا هو سر قوة أوربا، لو استطعت أن أصنع محركا كهذا لغيرت تاريخ اليابان.

وطاف بذهن أوساهير خاطر يقول: إن هذا المحرك يتألف من قطع ذات أشكال وطبائع شتى، مغناطيس كحذوة حصان، وأسلاك، وأذرع رافعة، وعجلات، وتروس، وما إلى ذلك. وقال لنفسه: لو أنني استطعت أن أفكك قطع هذا المحرك وأعيد تركيبها بالطريقة نفسها التي ركبوها بها، ثم شغّلته فاشتغل، أكون قد خطوت خطوة نحو سر"موديل"الصناعة الأوربية. وبحثت في رفوف الكتب التي عندي، حتى عثرت على الرسوم الخاصة بالمحركات، وأخذت ورقا كثيرا، وأتيت بصندوق أدوات العمل، ومضيت أعمل.

ويقول أوساهير: رسمت المحرك، بعد أن رفعت الغطاء الذي يحمل أجزاءه، ثم جعلت أفككه، قطعة قطعة. وكلما فككت قطعة رسمتها على الورقة بغاية الدقة، وأعطيتها رقما. وشيئا فشيئا فككته كله، ثم أعدت تركيبه، وشغلته فاشتغل. كاد قلبي يقف من الفرح. استغرقت العملية ثلاثة أيام، كنت آكل في اليوم وجبة واحدة، ولا أصيب من النوم إلا ما يمكنني من مواصلة العمل.

وحمل أوساهير النبأ إلى رئيس البعثة، فقال له: حسنا ما فعلت، الآن لابد أن أختبرك. سآتيك بمحرك متعطل، وعليك أن تفككه، وتكشف موضع الخطأ وتصححه، وتجعل هذا المحرك العاطل يعمل. يقول أوساهير: وكلفتني هذه العملية عشرة أيام، عرفت أثناءها مواضع الخلل، فقد كانت ثلاث من قطع المحرك بالية متآكلة، صنعت غيرها بيدي، صنعتها بالمطرقة والمبرد.

بعد ذلك قال رئيس البعثة، الذي كان يتولى قيادة أوساهير روحيا، قال: عليك الآن أن تصنع القطع بنفسك، ثم تركبها محركا. قال أوساهير: ولكي أستطيع أن أفعل ذلك التحقت بمصانع صهر الحديد، وصهر النحاس، وصهر الألومونيوم، بدلا من أن أعد رسالة الدكتوراه كما أراد مني أساتذتي الألمان. تحولت إلى عامل ألبس بذلة زرقاء وأقف صاغرا إلى جانب عامل صهر المعادن، كنت أطيع أوامره كأنه سيد عظيم، حتى كنت أخدمه وقت الأكل، مع أنني من أسرة ساموراي. ولكنني كنت أخدم اليابان، وفي سبيل اليابان يهون كل شيء!! قضيت في هذه الدراسات والتدريبات ثماني سنوات، كنت أعمل خلالها ما بين عشر وخمس عشرة ساعة في اليوم، وبعد انتهاء العمل كنت آخذ نوبة حراسة، وخلال الليل كنت أراجع قواعد كل صناعة على الطبيعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت