فهرس الكتاب

الصفحة 751 من 3028

ومن أشهر رحلاتهم في طلب العلم، ما رواه الخطيب البغدادي في كتابه الشيق"الكفاية في معرفة أصول علم الرواية": عن الرحلة التي قام بها الإمام شعبة بن الحجاج، من أجل اعتبار حديث واحد، حتى يقف على علته. فقد روى أن جماعة من السلف كانوا قعودا على باب هذا الإمام شعبة، يتذاكرون. فقال أحدهم: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، قال: كنا نتناوب رعاية الإبل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت ذات يوم والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله أصحابه. فسمعته يقول: من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم دخل المسجد، فصلى ركعتين واستغفر الله، غفر الله له. فقلت: بَخٍ بَخٍ! فجذبني رجل من خلفي. فالتفت، فإذا هو عمر بن الخطاب. فقال: الذي قال قبل أحسن! فقلت: وما قبل؟! قال: قال: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قيل له: ادخل من أي أبواب الجنة شئت.

واتفق أن استمع الإمام شعبة إلى هذا الحديث، فخرج إلى هؤلاء الرهط. وعنّفهم على تهاونهم في عدم تحري الدقة عند رواية هذا الحديث، لوجود علة في سند الرواية: ( إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة ) ! وأوضح أنه قد سمع أبو إسحاق يروي هذا الحديث، فذهب للتأكد من صحة هذه الرواية. فسأله عمن حدّثه بهذا الحديث. فقال له أبو إسحاق: حدثني عبد الله بن عطاء، عن عقبة. فألح شعبة بن الحجاج على أبي إسحاق في السؤال:"هل سمع عبد الله بن عطاء من عقبة"؟! لأن سماع المحدثين من بعضهم يعتبر شرطا للقبول بصحة الحديث.

ولما لم يتيقن شعبة بن الحجاج من ذلك، قرر أن عليه الذهاب إلى عبد الله بن عطاء بمكة لسؤاله عن هذا الحديث. فبدأ في التجهز لهذه الرحلة، ثم توجه إلى مكة. وكان موسم الحج قد بدأ، ولكن لم يكن قصد شعبة الحج، وإنما كان همه معرفة صحة هذا الحديث. فلما لقي عبد الله بن عطاء، سأله عمن سمع منه هذا الحديث. فأخبره أنه سمعه من سعد بن إبراهيم! أي صحت شكوك شعبة بن الحجاج بأن عبد الله بن عطاء لم يسمع هذا الحديث من عقبة بن عامر مباشرة. وهنا كان على شعبة البحث مرة أخرى.

ولم يكن هذا الشخص الذي سماه عبد الله بن عطاء ممن ذهبوا للحج في هذا العام، بل كان في بلده بالمدينة المنورة. فرحل شعبة بن الحجاج ثانية إلى المدينة، ولقي هذا الرجل، وسأله عمن سمع منه هذا الحديث. فأخبره بأنه سمع هذا الحديث من رجل آخر يقطن في البصرة. وهنا شك شعبة في الأمر، ولكنه أراد أن يكمل هذا الأمر للنهاية. فرجع إلى البصرة، فلقي الرجل الذي سُمي له. وسأل شعبة هذا الرجل عن ذلك الحديث، فأخبره أنه سمعه من أحد الضعفاء! وهنا أيقن شعبة بن الحجاج بضعف هذا الحديث، وقال: لو صح لي مثل هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحب إليّ من أهلي ومالي ومن الناس أجمعين!!

فانظر رحمك الله ما فعله الإمام شعبة بن الحجاج، عليه رحمة الله تعالى، من أجل التأكد من صحة حديث واحد، فقد طاف بلدانا شتى، ودخل مدائن عدة حتى وقف على علته. وقارن بين ما فعل هذا الإمام الجهبذ، وبين ما نفعله نحن في هذه الأيام! فنحن الآن يأتينا الحديث، ونعرف مدى صحته، ومع ذلك لا نعمل به. إن السلف الكرام قد تكلفوا أعظم مشقة في سبيل الإبقاء على هذا الدين غضا طريا، وفي سبيل توصيله إلينا رائقا نقيا، وليس مطلوب منا الآن إلا العمل! فهم قد تكلفوا مشقة البحث عن النصوص، ثم العمل بها. أما نحن فالنصوص لدينا متاحة، ولكننا لا نريد حتى أن نعمل!!

ومن أعجب منها هذه الرحلة التي قطعها بَقِيّ بن مَخْلَد الأندلسي إلى بغداد مشيا على قدميه وسنه نحو عشرين سنة، وكان جُل بغيته ملاقاة الإمام أحمد بن حنبل والأخذ عنه. والخبر أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء ( 13: 292 ) : حُكي عنه أنه قال: لما قربت من بغداد، اتصل بي خبر المحنة التي دارت على الإمام أحمد بن حنبل، وأنه ممنوع من الاجتماع إليه والسماع منه، فاغتممت بذلك غما شديدا ... ثم خرجت استدل على منزل أحمد بن حنبل، فدُللت عليه، فقرعت بابه، فخرج إليّ وفتح الباب، فنظر إلى رجل لم يعرفه. فقلت: يا أبا عبد الله، رجل غريب، نائي الدار، هذا أول دخولي هذا البلد، وأنا طالب حديث ومُقيد سنة - أي جامع سنة - ولم تكن رحلتي إلا إليك، فقال لي: ادخل الأُصطوان - يعني به الممر إلى داخل الدار - ولا تقع عليك عين.

فدخلت، فقال لي: وأين موضعك؟ قلت: المغرب الأقصى. فقال لي: إفريقية؟ فقلت: أبعد من ذلك، أجوز من بلدي البحر إلى إفريقية، بلدي الأندلس. فقال لي: إن موضعك لبعيد، وما كان شيء أحبّ إليّ من أن أُحسن عون مثلك، غير أني في حيني هذا ممتحن بما لعله قد بلغك. فقلت له: بلى، قد بلغني، وأنا قريب من بلدك مقبل نحوك.

ثم قلت له: أبا عبد الله، هذا أول دخولي، وأنا مجهول العين عندكم، فإن أذنت لي أن آتي في كل يوم في زي السُؤَّال - أي من يسألون الناس، أي الشحاذين - فأقول عند باب الدار ما يقولونه، فتخرج إلى هذا الموضع، فلو لم تحدثني في كل يوم إلا بحديث واحد، لكان لي فيه كفاية. فقال لي: نعم، على شرط ألا تظهر في الخَلق، ولا عند المحدثين، فقلت: لك شرطك.

فكنت آخذ عصًا بيدي، وألُفُّ رأسي بخرقة مدنسة، وأجعل كاغدي - أي ورقي - ودواتي في كمي، ثم آتي بابه فأصيح: الأجر رحمكم الله. والسؤال هنالك كذلك، فيخرج إليّ ويغلق باب الدار، ويحدثني بالحديثين والثلاثة والأكثر، حتى اجتمع لي نحوٌ من ثلاث مئة حديث ... ثم أكمل رحلته في طلب العلم معه.

وهكذا ففي سبيل تلقي العلم، فقد قام برحلة طويلة شاقة مشيا على الأقدام. ثم بعد ذلك، لم يفت في عزمه العقبة الكأداء التي وجدها بعد وصوله للبلد التي يريد أن يتلقى العلم فيها، وهي منع الشيخ الذي أراد أن يتلقى العلم عنه من الجلوس للطلاب والحديث معهم، بل احتال وركب الصعب، حتى يحصل على العلم الذي يريده.

بل إنك تجد من شدة نهم السلف الصالح لطلب العلم، والحديث الشريف على وجه الخصوص، أنهم خصوا ذلك بالتأليف، فتجد مُؤّلِفًا جهبذا مثل الخطيب البغدادي، يفرد مُؤّلَفًا خاصا عن رحلات السلف في طلب العلم، ويسميه"الرحلة في طلب الحديث". يصور فيه رحلات السلف في طلب الحديث الشريف، والمشاق التي تحملوها، ويثبت فيه الأعاجيب التي وردت في ذلك.

والمتأمل الآن في حال الخلف يجد أن البون شاسع بيننا وبين سلفنا الكرام. فقد انحصرت رحلاتنا إما في طلب المال أو في طلب المتعة. وحتى من يرحل لطلب العلم في أيامنا هذه، فهو لا يهدف إلا للحصول على المال من وراء هذا العلم الذي يتلقاه. حتى أن أصدق وصف يمكن وصف رحلاتنا الحالية هو"الرحلة في طلب المال"!!!

فمنذ أن ينهي الفرد منا دراسته، لا تجده مهتما بشيء إلا بكيفية السفر للخارج لجمع المال، وبشتى السبل الشرعية وغير الشرعية. فهو في سبيل هذا الهدف، من الممكن أن يسلك سبلا غير مشروعة لدخول الدولة التي يظن أنها ستدر عليه المال الوفير. وبالطبع فهو لا يلقي بالا للبيئة التي قد يضع فيها نفسه - إن أفلحت محاولاته للسفر وكللت بالنجاح - ليستقر داخل إحدى البلدان غير المسلمة. فهو لا يهتم كثيرا بما إذا كانت هذه البيئة كافرة تصده عن دينه، بل المهم أن يحصل على المال وحسب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت