إننا نجد في الدين جميع الأسس اللازمة التي يبحث عنها المشرعون لصياغة دستور مثالي ، ولكي يتضح صدق ما نقوله ، نأتي بالدراسة الوجيزة التالية في أهم مشكلات التشريع الإنساني:
أولا - مصدر التشريع:
وأول الأسئلة وأهمها بالنسبة لأي تشريع هو البحث عن مصدر هذا التشريع: من الذي يضعه ! ومن ذا يعتمده حني يصبح نافذ المفعول؟
لم يصل خبراء التشريع إلي إجابة عن هذا السؤال حني الآن. ولو أننا خولنا هذا الامتياز للحاكم ، لمجرد كونه حاكما ، فليس هناك أساس نظري وعلمي يجيز تمتعه-هو أو شركاؤه في الحكم- بذلك الامتياز، ثم إن هذا التحويل من ناحية أخري لا يجدي نفعا ؛ فإن إطلاق أيدي الحكام ليصدروا أي شئ لتنفيذه بوسيلة القوة-أمر لا تطيقه ولا تحتمله الجماهير.
ولو أننا خولنا سلطة التشريع لرجال المجتمع ، فهم أكثر جهالة وحمقا ؛ لأن المجتمع-أي مجتمع- إذا نظرنا إليه ككل ، لا يتمتع بالعلم والعقل والتجربة ، وهي أمور لابد منها عند التشريع. فهذا العمل يتطلب مهارة فائقة وعلما وخبرة ، وهو ما لا تستطيع العامة من الجماهير الحصول عليه ؛ كما أنها وإن أرادت لن تجد الوقت الكافي لدراسة المشكلات القانونية وفهمها.
ولخروج من هذه المشكلة توصل رجال القانون إلي حل وسط ، وهو أن يقوم (البالغون) من أفراد المجتمع بانتخاب ممثلين لهم وهؤلاء بدورهم يصدرون التشريعات باسم الشعب.
ومن الممكن أن ندرك حماقة هذا الحل الوسط ، حين نج
د أن حزبا سياسيا لا يتمتع إلا بأغلبية 51% من مقاعد البرلمان يحكم علي حزب الأقلية الذي يمثل 49% من أفراد المجتمع البالغين. والأمر لا يقف عند هذا الحد ، بل إن هذا الحل يحتوي علي فراغ كبير جدا تنفذ منه (أقلية) لتحكم علي أغلبية السكان. وعلي سبيل المثال ، فإن الحكومة التي تحكم الهند الآن قد وصلت إلي مقاليد الحكم عن طريق الانتخابات العامة الخمسية الثالثة التي أجريت في البلاد عام1962. وقد فاز حزب (المؤتمر القومي) بنسبة70% من مقاعد البرلمان في حين أن نواب هذا الحزب لم يحصلوا إلا علي 40% من أصوات الشعب في الانتخابات. وهذا هو ما حدث في الانتخابات الخمسية الأولي والثانية التي أجريت قبل سنة1962 (198) ، وحصل حزب المؤتمر في كلتيهما علي أقل من 50% من مجموع الأصوات! ولكنه رغم ذلك كان له الحق في تشكيل الحكومة ، لأن أصوات الناخبين الأخرى كانت موزعة بين نواب الأحزاب (المعارضة) . ولم تكن بطولة حزب المؤتمر إلا في أنه أحرز أصواتا أكثر من أي حزب آخر (علي حدة) !
ولا أستثني من هذه القاعدة إلا الانتخابات المزعومة التي تجري في الدول الشيوعية ، فيفوز زعماؤها بأرقام خيالية للأصوات!
وهكذا نقف مرة أخري أمام ظاهرة البحث عن أساس القانون ومصدره.
والدين يستجيب لهذا التحدي الخطير ، الذي قد يدمر سعادة البشرية كلها. . إنه يقول: إن مصدر (التشريع) هو (الله) وحده خالق الأرض والكون ؛ فالذي أحكم قوانين الطبيعة هو وحده الذي يليق أن يضع دستور حضارة الإنسان ومعيشته. وليس هناك من أحد غيره سبحانه يمكن تخويله هذا الحق.
إن هذا الجواب معقول وبسيط لدرجة أنه يصرخ قائلا ، لو استطعنا أن نسمع نداءه: هل هناك أحد غير الله سبحانه وتعالي يستطيع أن يسوى هذه المشكلة المصيرية؟
لقد وصلت بنا هذه الإجابة إلي مكانها الحقيقي من التشريع والمشرع ؛ بعد أن استحال علينا المضي خطوة ما في ظلام الضلالة عن الهدي الحقيقي.
أنه لا يمكن قبول إنسان حاكما ومشرعا للإنسان ؛ ولا يتمتع بهذا الحق إلا خالق الإنسان وحاكمه الطبيعي:الله.
ثانيا- العناصر الأساسية للتشريع:
ومن أهم الأسئلة لدي علماء القانون تحديد عناصر التشريع. . هل هي كلها إضافية ، أو أن هناك عنصرا أو عناصر أساسية لا يمكن الاستغناء عنها في أي دستور عند تعديله ، أو تجديده أو تغييره؟ . .
لم يستطع خبراء التشريع الوصول إلي اتفاق في هذا الصدد ، رغم البحوث الطويلة التي أجريت في هذا الباب. وهم يسلمون نظريا بأنه لابد من عنصر في التشريع يتمتع بالدوام والأبدية ، مع عناصر أخري تتصف بالمرونة ، فيمكن الاستغناء عنها عند الضرورة.
ويرون أيضا أن افتقار الدستور إلي أحد العنصرين: (الأبدي والإضافي) سوف يكون مصدر شقاء دائم للبشرية. وقد عبر عن هذه الحالة أحد قضاة الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو القاضي كاردوزو Cardozoعلي النحو التالي:
(من أهم ما يحتاج إليه التشريع اليوم: أن نصوغ له فلسفة للتوفيق بين الرغبات المتحاربة حول ثبات عنصر وتغير عنصر آخر(199 ) ) .
ويقول خبير آخر في شئون القانون وهو البروفيسور (راسكو باوند) :
(لابد من عنصر التحكم في التشريع ، ولكن هذا لا يعني أن يصبح التشريع جامدا. ولذلك بذل الفلاسفة قصارى جهودهم للتوفيق بين مقومات التحكم والتغيير في هذا المجال(200 ) ) .
والحق أنه لا يمكن التوصل إلي أساس يميز بين عناصر القانون الذي وضعه الإنسان بعضها وبعض فكل عنصر يدعي أنه صالح للدوام يلزمه أن يقدم دليلا علي ذلك ؛ وهو عاجز تماما عن الإتيان بذلك الدليل ؛ فقد نري اليوم عنصرا من الدستور يصاغ بناء علي رغبات الشعب ، فقد لا يعجبهم ذلك أو يرونه قد فقد صلاحيته بمضي الزمن.
ثالثا- تحديد مفهوم الجريمة:
ومما لابد أن يتوفر لأي دستور أن يكون لديه دليل معقول يستند إلي ، لاعتبار عمل ما (جريمة) . ويقول الدستور الذي وضعه الإنسان: إن الجريمة هي (كل عمل يضر بالأمن العام أو نظام الحكم القائم) ، والتشريع الإنساني لا يجد أساسا غير هذا لاعتبار عمل ما جريمة. وقد دفع هذا الأساس القانون الجديد إلي إقرار أن جريمة (الزنا) ليست بجريمة ، إلا إذا تمت جبرا أو إكراها لأحد الطرفين. فالقانون الجديد لا يعتبر (الزنا) جريمة ، وإنما الجريمة الحقيقية عنده هي الجبر والإكراه الذي سبق (الزنا) .
إن الاستيلاء علي أموال أحد المواطنين حرام ؛ وكذلك إهدار عصمتهم والنيل من عفتهم. ولكن أموال إنسان من الناس تصبح مباحة لرجل آخر ، إذا تم ذلك برضاء (الطرف الأول) -صاحب المال! وكذلك يري القانون أن عصمة أحد الطرفين تباح للثاني ما دام راضيا ، فعند رضا الجانبين يصبح القانون حاميا لهما ومدافعا عنهما ؛ ولو حاول (طرف ثالث) التدخل في الأمر فهو الذي سوف يعد مجرما وليس الطرفان الأولان!
إن جريمة (الزنا) تفشي فسادا كبيرا في المجتمع فهي تخلق مشكلات أطفال الحرام (غير الشرعيين) ، وتضعف روابط الزواج ؛ وهي كذلك تصدر عن عقلية تفضل اللذات السطحية في الحياة وتربي عقلا خائنا وتخلق السرقة واللصوص وتروج الاغتيالات والانتحار والخطف ؛ ومن ثم تفسد المجتمع كله ولكن القانون -رغم ذلك- لا يستطيع تحريمها فهو لا يجد أساسا لتحريم (الزنا) الذي تم بالرضا المتبادل! !
ولم يستطع القانون الجديد أن يحرم (الخمر) لأنه يؤمن بأن الأكل والشرب حق من الحقوق الطبيعية للإنسان ، وهو حر في اقتناء ما يريد أن يأكله ويشربه ؛ وليس للقانون أن يتدخل في حقوق الطبيعة ، ومن ثم لم يكن شرب الخمر والسكر الذي يتبعه جريمة في الواقع ، إلا إذا اعتدي شارب الخمر علي أحد المواطنين في هذه الحالة من
السكر ؛ أو خرج إلي الشارع وهو سكران ؛ فالجريمة ليست هي حالة السكر بل الاعتداء علي الآخرين في تلك الحالة!
والخمر تضر بالصحة ، وتبدد أموال الناس ، وتؤدي بمدمنيها إلي كوارث اقتصادية محققة ، وتضعف الشعور الأخلاقي ، حني إن الإنسان يتحول إلي حيوان رويدا رويدا. والخمر خير مساعد للمجرمين ، فهي تشل الإحساسات اللطيفة ، حتى يستطيع الإنسان اقتراف أية جريمة من السرقة والقتل ، وهدر العصمة. ولكن القانون الإنساني رغم هذه المعايب الشنيعة-لن يتمكن من تحريم الخمر ، لأنه لا يجد جوابا يسوغ تدخله في حق من حقوق الإنسان الطبيعية! !
ولن نجد حلا لهذه المشكلة إلا في قانون الله ، إن قانونه يبين رضا حاكم الكون ؛ فإن كون أي قانون قانون الله يحمل معه أولوية تنفيذه ، ولا يحتاج بعد ذلك دليلا آخر. وهكذا يسد القانون الإلهي فجوة عميقة ، نتمكن بعدها من إحالة أي عمل إلي دائرة القانون.