إن النظر إلى الكليات دون الجزئيات، وإلى الغايات والمقاصد وتعظيمها،وقدرها القدر الصحيح، عاصمٌ بإذن الله من الفرقة، حتى ولو وقع الخلاف. ولذلك يقول ابن القيم:"اختلاف الصحابة لم يضر؛ لأن الأصل الذي بنوا عليه واحد، وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والقصد واحد، وهو طاعة الله ورسوله، والطريق واحد، وهو النظر في أدلة القرآن والسنة وتقديمها على كل رأي وقياس وذوق وسياسة" (21) .
إننا بحاجة أن نٌذكِّر بعضنا أن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا، وأن ما يوحدنا أكثر مما يشتتنا، وهنا لا بد أن نُذكِّر بأن جماعة أو طائفة إن اختلفنا معها فإنَّ كلياتهم ومقاصدهمٍ بالجملة على خير، وإن حصل بعض الخلل والانحراف في مسائل فلا بد من رعاية قصدهم وأهدافهم وغاياتهم وعدم تضييعها، بل والاستفادة من مقاصدهم وأهدافهم في نصحهم وتقويمهم وتصحيح أخطائهم.
(2) الخروج من الخلاف إحتياطًا:
إن قاعدة الخروج من الخلاف جُعلت سدًا لباب الفرقة وتمهيدًا للائتلاف، ومثال ذلك إذا كان الخلاف بين التحريم والجواز، فالاجتناب أفضل خروجًا من الخلاف، وإذا كان بين الاستحباب وعدمه فالخروج من الخلاف بالفعل. ومن أمثلة ذلك ما جاء في كراهية المالكية للبسملة في الصلاة"وكان المازري المالكي يبسمل سرًا في الفرض، فيقول: مذهب مالك من لم يبسمل في الصلاة لا تبطل صلاته، ومذهب الشافعي من لم يبسمل في الصلاة بطلت صلاته. وصلاة متفق عليها خير من صلاة قال أحدهما ببطلانها" (22) .
(3) تجنب أسباب الخلاف:
بعض الخلاف المثار وخاصة بين الطلاب أكثر مما هو بين الشيوخ، وذلك لبعدهم عن تحديد مسائل الخلاف بدقة؛ لأن فائدة تحديد الخلاف أنه يضيق الخلاف في حدود ضيقة، وقد يؤدي تحديد الخلاف إلى اتفاق ومثال ذلك:
(أ) تحديد المصطلحات والمفاهيم أولًا قبل الخلاف.
(ب) تحديد التعريف بالمسألة أولًا قبل الخلاف في حكمها.
كما أنه علينا ألا نختلف حول المثال كثيرًا قبل الحديث عن القاعدة لأن الاتفاق حول القاعدة يضيق ويهون الاختلاف حول المثال. وكذلك الاختلاف حول الشخص قبل الفكرة مشكلة؛ إذ أنه إذا تم الاتفاق حول الفكرة والمبدأ فالأشخاص أمرهم هين.
(4) الاقتصار على الشريعة المباركة ومصادرها الصحيحة:
و ذلك بلا شك يضيق الخلاف والفرقة، ويؤدي إلى الوحدة والائتلاف، لأن وحدة المصادر أقوى، كما أن رجوع الجميع إلى الشريعة يعصمهم، حيث يقول تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا) (23) ، كما أن الأخذ بمقاصد الشريعة أيضًا يضيق الخلاف.
المحور الرابع: معالم في طريق الائتلاف
(1) النظر فيما هو متفق عليه:
وإعطاؤه مساحة أكبر من الخلاف"لننظر إلى اتفاقنا حول أصول الإسلام، وأركان الإيمان، والقبلة الواحدة، وحجية القرآن والسنة، وحب الصحابة وإجلالهم، وتحريم المحرمات الظاهرة واعتقاد حرمتها، وإلى غير ذلك كثير...".
(2) النظر إلى العدو المتربص الشامت:
بكل فصائلهم وأجنحتهم ومذاهبهم، ولربما وقف العلمانيون مع النصارى لحرب الإسلام والمسلمين، فأين أهل القبلة وأصحاب الملة والشرعة القويمة؟ وإن العدو يفرح بعداء بعضنا لبعض؛ لأنه بذلك يرتاح من توجيه سهامنا له، ولأنه يفرح بتمزيقنا وحالقة ديننا، وعندها فلا نقف ضد المد الإلحادي، ولا الانحراف العقدي، والعبث الأخلاقي.
(3) الدعائم الأخلاقية:
في تقديري أهم ما يدفع الائتلاف للأمام مع العلم وبعد النظر وتلمح العواقب هو رعاية الأخلاق والتجرد واكتساب الخلق مع المعرفة. وتفصيل ذلك في الآتي:
(أ) الإخلاص والتجرد من حظوظ النفس:
وعلينا أن نعلم، أيها الإخوة، أننا إن أردنا وحدة إسلامية حقيقية علينا أن نتعامل معها ومع بعضنا بصفاء وشفافية، لأن بعض الناس ينادي إلى وحدة إسلامية فإذا بادر غيره من الجماعات أو الأفراد لذلك تجده لا يستجيب، بل قد يترك من هم أقرب إليه في الأصول والمصادر ويتفق مع من هم أبعد منه، وهذا قد يولد حساسية وتشككًا حول مصداقية هذه الوحدة الإسلامية.
(ب) البعد عن التعصب المهلك:
و لقد كان من أخلاق السلف تمني جريان الحق على قلب ولسان خصومهم، وكما أنهم ما كانوا ينظرون إلى القائل إنما ينظرون إلى القول. وتأمل كلام الشنقيطي في أضواء البيان:"إننا ننظر إلى ذات القول لا إلى قائله، لأن كل كلام فيه مقبول ومردود، إلا كلامه صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن الحق حق ولو كان قائله حقيرًا" (24) .
ومن البعد عن التعصب الاعتراف بالخطأ، وذلك له أثر فاعل في تقريب وجهات النظر، وإعطاء الآخر شعورًا بالصدق والتجرد وطلب الحق.
(ج) إحسان الظن:
من أكبر الدعائم الأخلاقية في الائتلاف بين المسلمين إحسان الظن، الذي يؤدي إلى احتمال اجتهاد الآخرين، وتقبل آرائهم، بعيدًا عن الطعن في النوايا، والحديث عن المقاصد، وهذه آفة العمل الإسلامي والدعوي بين الفصائل المختلفة، بل أحيانًا إذا وقع الخلاف داخل فصيل واحد يتضخم ويكبر بسبب سوء الظن، فقد يكون الخلاف اجتهاديًا وتقديريًا، ولكن سوء الظن يصوره أنه خلاف كبير، والغرض منه تدمير الدعوة أو هدم الإسلام، أو أنه مرتبط بجهات مشبوهة، إلى غير ذلك من المطاعن والملاعن القائمة على سوء الظن عياذًا بالله تعالى. ومن تأمل في منهج القرآن في تربية المجتمع المسلم يجد الحث على حسن الظن في قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرً..) (25) ، وقوله في الحجرات: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم) (26) . وقوله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) . ومن المعالم التربوية المهمة في هذه القضية لما بركت القصواء في طريقها إلى مكة قال عنها الصحابة رضوان الله عليهم: خلأت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما خلأت القصواء، وما ذاك لها خلق، ولكن حبسها حابس الفيل ) ) (27) . قال ابن حجر رحمه الله:"وفيه جواز الحكم على الشئ بما عرف من عادته، وإن جاز أن يطرأ عليه غيره، فإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها لا ينسب إليها، ويرد على من نسبه إليها" (28) ، لقد دافع النبي صلى الله عليه وسلم عن القصواء بما عرف عنها من خلق قديم أفلا نلتمس العذر للدعاة والفضلاء؟
(د) عدم تصيد الأخطاء وتضخيمها:
وهذا نتيجة طبعية لسوء الظن، وإن الأخطر من ذلك الفرح بالزلة، لتُملأ الدنيا بها ضجيجًا، مع الترصد وهذا هو الذي يفضي إلى تضخيم الأخطاء."وأما البحث عن الهفوات وتصيدها فذنوب مضافة أخرى، والرسوخ في الإنصاف بحاجة إلى قدر كبير من خلق رفيع ودين متين" (29) .
(4) إنصاف أهل القبلة:
وذلك بالدعاء لهم، وحبهم بالجملة، والشفقة عليهم إذا أخطأوا، وأخذهم بالظاهر، كما أن الأصل فيهم السلامة (( إني لم أؤمر أن أنقب قلوب الناس، ولا لأشق بطونهم ) ) (30) . كما أن إنصاف المسلمين يكون بسلامة الصدر تجاههم، وصيانة القلوب من الغل والغش والحسد والبغضاء تجاههم جميعًا. ومن الإنصاف المطلوب إغفال هفوات من غلب خيره على شره مع إعمال فقه النصيحة.
(5) التوازن والتوسط في الأمور: