وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ) (4) ، وقوله: (( المؤمن للمؤمن كالبنيان ) ) (5) ، و قوله: (( المؤمن مرآة المؤمن والمؤمن، أخو المؤمن يكف عليه ضيعته، ويحطه من ورائه ) ) (6) .
كما أن هذا الموضوع فيه رعاية لأصول أهل السنة والجماعة، الذين يحرصون ــ علمًا وعملًا ــ على الائتلاف، ويهتمون بأمر المسلمين من أهل القبلة وذلك واضح في الآتي:
(1) القيام بالنصيحة لهم، والحرص على هدايتهم، والشفقة عليهم.
(2) محاربة البدع، ونشر السنة؛ رحمة بأهل القبلة.
(3) الصلاة خلف المبتدع الذي لم يخرج ببدعته عن الإسلام، والتفريق بين تركها هجرًا لهم وبين صحة الصلاة خلفهم، ومراعاة المصالح والمفاسد فيها (8) ،"وكذلك التفريق في هجر المبتدع بين الداعي إلى بدعته والساكت عنها" (9) .
(4) التعاون مع أهل البدع الذين لم يخرجوا ببدعهم عن الإسلام في المجالات التي لا خلاف فيها في دائرة الحق،"فإن كل طائفة معها حق وباطل؛ فالواجب موافقتهم فيما قالوا من الحق، ورد ما قالوه من الباطل، ومن فتح الله له هذا الطريق فقد فتح له من العلم والدين كل باب ويسر عليه من الأسباب" (10) ، والتعاون"مع أهل البدعة على أن لا يؤدي إلى حصول مفسدة أعظم، أما إذا حصلت مصلحة أعظم من مفسدة بدعته أو لورود مفسدة أكبر حصل التعاون" (11) ، كما ينبغي ألا يتخذ المبتدع هذا التعاون ذريعة لنشر بدعته، ومن ذلك الجهاد مع الإمام المبتدع"كما كان الإمام أحمد بن حنبل يرى الجهاد مع المأمون والمعتصم" (12) .
كل هذا الذي ذكرنا أمثلة على رعاية أهل السنة بمنهج وسط لقضية الائتلاف وفقهه.
المحور الثاني: مدخل عبر فقه الخلاف
(1) من أكبر إشكالات الساحة ليس وقوع الخلاف فيها، ولكن تملُّك الخلاف واستغراقه للمسلم؛ مما ينسيه المعاني الجامعة، والكليات العامة، والقواعد الأصيلة، والقضايا المشتركة؛ ومن هنا تضطرب الموازين، وتختل المعايير، وتختلط المواقف، وهذا خلل في فهم الإسلام، وخلل في تربية المسلم تؤدي إلى التظالم والتباغض والبراء من المخالف، وإن كان أحب إلى الله من الموافق، واتباع الظن"مثلما يقع بين أهل الأهواء الخارجين عن السنة والجماعة، والتفرق والاختلاف والطعن والتشهير بدل الاجتماع والائتلاف والموالاة في الله، مما يؤدي إلى شك كثير من الناس وطعنهم في كثير مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من روايات وآراء" (13) .
(2) حتمية الخلاف لا تعني الاستسلام له والاسترسال معه، ولأن الشرع يحض على الائتلاف ويحرص عليه، ثم إذا وقع الخلاف في مسائل الاجتهاد أمر بالأدب عند الخلاف؛ صيانة لأصل الوحدة والائتلاف،"فإن السلف تنازعوا في مسائل علمية اعتقادية مع بقاء الجماعة والإلفة" (14) .
(3) تحديد مساحات الخلاف بدقة: فكثيرًا ما يقع الخلاف دون أن يحصل تحديد لمسائله، ولو حُدِّدت المسائل تحديدًا علميًا للمصطلحات لربما حصل اتفاق، لذلك لا بد من تحديد مساحات الخلاف بدقة هل هو:
(أ) اختلاف تنوع كالاختلاف في التفسير والقراءات وما يحتمله النص.
(ب) اختلاف تضاد سائغ ومعتبر،"كسماع الميت ــ تعذيب الميت ببكاء أهله ــ ورؤية المنافقين لربهم يوم القيامة ثم يحتجب عنهم" (15) .
(ج) اختلاف تضاد غير سائغ"في أصول الإيمان ــ مواضع الإجماع ــ مخالفة نص ظاهر الدلالة والحجة" (16) ،"كما أن التأويل السائغ الذي يعذر به المرء ما كان سائغًا في لسان العرب وكان له وجه في العلم" (17) .
(4) الوقوف على أسباب الخلاف يساعد على الائتلاف من خلال معرفة الخلاف وأسبابه لتفاديها والابتعاد عنها، وخاصة الخلاف الذي يؤدي إلى الفرقة.
إن أسباب الخلاف والفرقة ترجع إلى سبب واحد في الغالب، وهو عدم الأخذ بالشريعة كلها علمًا وفهمًا وعملًا، فإما في المفاهيم التي لم تستوعب القطعي من الاجتهادي في الشريعة، أو لخلل في التزكية يفضي إلى الأهواء والعصبية.
التفصيل في أسباب الخلاف:
(أ) العصبية:
(لرأي أو شيخ أو حزب أو قبيلة أو...) وهذا أكبر إشكالات العمل الإسلامي الذي يجعل الحزب أو الجماعة أو المجموعة أو الشيخ هو الإسلام كله وغيره خارج عن الإسلام، بل لا يرى الفرد أخطاء جماعته أو شيوخه، ولكنه يترصد أخطاء الآخرين ممن ليس معه في حزبه أو جماعته.
إن التقوقع حول جماعة أو شيخ أو حزب أو مذهب لدرجة التعصب هذا مما مقته الشارع؛ لأنه يؤدي إلى رد الحق وعدم العدل والإنصاف، الذي يقوم على النظر الشرعي الصحيح، بأن يُحَب الرجل بقدر ما فيه من طاعة، ويُبغَض بقدر ما فيه من معصية، وأن يقبل المسلم الحق، وأن ينشد الحكمة التي هي ضالته، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"... فإذا قدر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام، ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، بل قصد الحمية لنفسه، أو طائفته، أو الرياء ليُعظّم هو ويُثنى عليه، أو لغرض من دنيا؛ لم يكن لله ولم يكن مجاهدًا في سبيل الله" (18) .
(ب) فقدان جسور الثقة بين الأطراف:
واقع العمل الإسلامي أنه قائم على جماعات وطوائف، لكل منها دورها في مسيرة الإسلام، لكن الصعوبة في التقاء هذه الجماعات، لأنها تتعامل مع فكرة وحدة العمل الإسلامي بشيء من التشكك وفقدان الثقة وخوف الاستقطاب والتذويب، مع قناعتها بضرورة الوحدة الإسلامية في المرحلة القادمة، وأحيانًا تخشى القيادات من قواعدها، والشيوخ من شبابهم الذين حولهم ممن لا يريدون الوحدة حتى لا ينفضوا عنهم.
(ج) الجهل:
والذي يفضي إلى عدم التفريق بين ما هو قطعي وبين ما هو اجتهادي.
و الجهل بآداب الإسلام وأخلاقه في التعامل مع المخالف، والجهل بالعواقب، ومن تأمل سير السلف الصالح وجد فيها من الأخلاق، وتقدير المسائل قدرها، فهم لا يجاملون في الحق، ولا يعنفون في مسائل الاجتهاد.
(د) التباين في المواقف القائمة على المصالح والمفاسد:
هذا باب يقع الخلاف فيه كثيرًا؛ لأنه يقوم على التقدير، والتباين والاختلاف في تقدير البشر أمر لا بد منه، وضابط ذلك أن يكون من أهل العلم؛ ليكون له وجه من العلم، وأن لا يؤدي إلى فرقة وإلى نقض عرى الأخوة الإسلامية التي هي أصل والموقف المختلف عليه طارئ، ومن ذلك الاختلاف في الوسائل المشروعة، أما اختلاف الأهداف فاجتماع أهله متعذر وحتى ولو اجتمعوا أجسادًا فسيتفرقون مناهج وأفهامًا.
(هـ) أسباب فقهية:
كاختلاف الفقهاء في حجية بعض المصادر مثل (العرف، وعمل أهل المدينة، والمصلحة المرسلة، والاستحسان، والاستصحاب..إلخ) ، أو اختلافهم في ثبوت النص حيث يصح عند بعضهم حديث ولا يصح عند آخرين، أو اختلافهم في دلالة النص وفهمه بعد سلوك طريق الفهم الصحيح،"كما أن مجالات الشريعة قابلة للأنظار ومجال للظنون، وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق فيها فالنظريات عريقة في إمكان الاختلاف فيها" (19) .
"ومن جعل كل مجتهد في طاعة أخطأ في بعض الأمور مذمومًا معيبًا ممقوتًا فهو مخطئ ضال مبتدع" (20) .
المحور الثالث: كيف نضيِّق الخلاف؟
إننا نسعى لائتلاف الصف المسلم، وتوحد العمل الإسلامي، واجتماع كلمة المسلمين ضد خصومهم من أعداء الملة والأمة، وفي سبيل ذلك لا بد من أمور وهي:
(1) استحضار أن الأصول والغايات والطريق والمقاصد واحدة: