فهرس الكتاب

الصفحة 1568 من 3028

تكاد تجمع كتب التاريخ الإسلامي قديمًا وحديثًا على التركيز على الجانب السياسي والعسكري الذي يتناول بإسهاب سرد أخبار الحروب وما تخلفه وراءها من دماء وأشلاء، وهذه الأحداث قد تجعل النفوس تقبل على قراءة ودراسة ذلك التاريخ رغم أن هذه الحروب هي في صميم الجهاد الإسلامي الذي كان هدفه الأسمى إعلاء كلمة الله تعالى ونشر الإسلام، لذلك فمن المفترض من المؤرخين -على أقل تقدير- إحداث توازن بين التاريخ السياسي والحضاري فالجوانب الحضارية يكاد يكون حيزها أقل بكثير من الجوانب السياسية في العديد من المؤلفات وكتب التاريخ الإسلامي وحول هذا المعنى يقول الدكتور عبدالرحمن الحجي: . . حتى ليصور للدارس أحيانًا بأن تاريخ الإسلام في المدينة المنورة الذي يمثل انتصاره وانطلاقه إلى الوجود الواقعي ليس هو إلا تاريخ معارك وحروب، حتى إننا لو حذفنا هذه المعارك لما بقي في الكتاب إلا القليل من صفحاته المكتوبة . . ثم إننا لا نعرف إلا القليل عن نشاطات المسلمين الأخرى في المدينة بعد أن أقاموا المجتمع الجديد وفي المقابل يجب أن تكون دراستنا للتاريخ الإسلامي شاملة، لا تشمل فقط مقاطع معينة -كالمعارك مثلًا- وإنما تكون دراسة تاريخية على اعتبار أن التاريخ يستوعب بعض -أو كل جوانب النشاط الإنساني وتراثه الحضاري بالمعنى الشامل (8) .ويؤكد الأستاذ يوسف العظم على ذلك حين قال: «. . كما ركزوا على الحروب والقتال بصورة أكبر، أكثروا من الحديث عنها، حتى أنهم قالوا عن عام لم تقع فيه حروب بأنه عام لم يقع فيه شيء يذكر، متجاهلين أو غير آبهين بالمعطيات الأخر في مختلف الحقول «ويقول في موضع آخر» أورد كثير من المؤلفين -الجانب العسكري- في مصنفاتهم دون تمحيص، وأبرزوا فيه القتال وصوروا المعارك وكأنها وحدها هي التي تمثل الإسلام دون سواها . . ولا بد عن الحديث عن الجانب العسكري من تناول الجهاد هدفًا ووسيلة وآدابًا وأساليب وثمرات ونتائج، وأبراز الجوانب الإيجابية المشرقة فيه، مع البعد عن شبهات المغرضين من المستشرقين ودس المزورين. (9)

خامسًا: إيضاح الحقائق وكشف الشبهات وتفنيدها:

لا يختلف اثنان على أن تاريخنا الإسلامي قد نال بعض أحداثه نصيبًا من التشويه والشبهات التي حيكت من أعداء الإسلام كاليهود والنصارى وبعض المستشرقين أصحاب الفرق والمذاهب ومن سار على دربهم رغبة في تحقيق غايات تكنها قلوبهم المريضة، ومن تلك الشبهات على سبيل المثال لا الحصر أن الإسلام انتشر بحد السيف وأن هدف الجهاد الإسلامي مادي، أو التفسير المادي لاحداث التاريخ الإسلامي، وتشويه الفتوحات الإسلامية بأن المرأة هي سببها وغيرها من تلك الشبهات. (10)

ومن المفيد جدًا إلقاء الأضواء على الاتهامات والشبهات التي أثيرت حول التاريخ الإسلامي ومناقشة مصادرها ودوافعها على ضوء الواقع التاريخي الإسلامي، وذلك بعد دراسة وقائع هذا التاريخ ومعرفة حقائقه . . وبدون أن تكون هذه الدراسة على أساس اعتذاري توقيفي أي بشعور المدان والشاعر بالنقص . . وإذا كان رد التهمة ضروريًا فلا يجب أن يشغلنا ذلك عن العرض المشرق لجوانب هذا التاريخ والدراسة الواعية له، وهي لا بد أن تسبق المناقشات والردود على التهم، وربما بهذا العرض نفسه تتداعى تلك الشبهات الظالمة. (11)

وبعد حديث يوسف العظم عن الجانب الجهادي أو العسكري الذي أغرق فيه المؤرخون أضاف قائلًا . . وقد جاء حديثهم عن تلك المعارك أحيانًا تحاملا ً على حاكم وتأييدًا لآخر وفق موقع المؤلف ومكانه من هذا الأمير أو ذاك، والأمر الذي لا بد منه في هذا المجال أن يمحص -ذلك الجانب- تمحيصًا جيدًا وأن يعرض عرضًا مشوقًا دون تشويه للحقيقة أو تغيير للواقع والحدث مع الحرص على عدم التركيز على السلبيات وتقديمها للجيل الناشيء حتى لا يناله من الإحباط ما يورثه اليأس ويدعوه إلى التنكر لتاريخه المشرق وتراثه العريق. (12)

سادسًا: التركيز على القصة:

التاريخ سجل دون فيه، فقد اغرقت كتب التاريخ في سرد المعارك والحروب حتى سئمنا نزف الدماء وسفكها عبر سطور وصفحات كتب التاريخ، وكما ظلم التاريخ كثيرًا عندما دون على أنه حروب ومعارك وقتلى وأشلاء فقط، فلقد تناسى الكثير من المؤرخين والكتاب المسلمون القصة التاريخية بما تحويه من عبر وفوائد ودروس وبما تنطوي عليه من مكارم وفضائل وما تدعو إليه من مآثر ومناقب وأخلاق، وبما تبينه من انتصار الخير على الشر، وبما تحذر وتزجر به أهل الشر والظلم وما ستكون عليه نهايتهم ومآلهم.

والقصة بصفة عامة تحتل مكانة عزيزة في النفوس، وإذا كانت هذه القصة هي نبت الواقع فلذلك تكون أثيرة لدى القارئ والسامع.

سابعًا: دور وسائل الإعلام والإتصال في إعادة الأنظار للتاريخ الإسلامي:

يمثل الإعلام المقروء والمسموع والمرئي عاملا مهما في إعادة الأنظار إلى التاريخ الإسلامي، فالصحف والمجلات عندما تدون أحداث التاريخ الإسلامي بكل أمانة وتفند الشبهات التي أحاطت به فإنها تكسب عددًا من القراء من مختلف شرائح المجتمع وإذا قدم هذا الأمر عبر الإذاعة والتلفاز كان وقعه أبلغ.

إن (فيلمًا) واحدًا بما يجسده عن حقبة تاريخية هو الذي يلصق بالذهن ويمحو عن الذاكرة أثر مائة كتاب، فما بالنا وهو يتجه لملايين لا تقرأ وليس لديها صناعة المعلومات السابقة أو قدرة إدراك الخطأ والتحريف؟! وجه الممثل الذي يقوم بالدور يصبح في الذهن العام. . الثياب. . القصور والجدران وصور المعارك. . كلها تلتصق صورة في ذهن الجمهور. . وكل ذلك بنظرة المخرج ورؤية الكاتب وتصوراته والله أعلم بمدى قربها أو بعدها عن الحقيقة. ولكن هذا هو ما يستقر في الذهن ويمحو سواه، وأعظم كتاب تاريخ يقرؤه آلآف في حين أن فيلمًا يراه ملايين. (13)

وكذلك الحال بالنسبة لوسيلة الاتصال الجديدة «الإنترنت» تلك الشبكة العنكبوتية التي أصبحت تنازع التلفاز على جمهوره فعندما نقدم تاريخنا الإسلامي بصورته المشرقة ونفضح ما يزعمه أعداء تاريخنا من خلاله فإننا نسهم في إعادة الأنظار إلى التاريخ الإسلامي.

الإحالات:

(1) سورة الحجر آية 9

(2) محمد بن صامل السلمي، كتابة التاريخ الإسلامي وتدريسه «رسالة ماجستير» ، دار الوفاء، ط1، 1418هـ-1988م، ص217-224

(3) د. عماد الدين خليل، حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، دار الثقافة، الدوحة، ط1، 1406هـ / 1986م، ص137و138

(4) د. محمد قطب، كيف نكتب التاريخ الإسلامي، دار الوطن للنشر، الرياض، 1412 هـ، ص9.

(5) يوسف العظم، تاريخنا بين تزوير الأعداء وغفلة الأبناء، دار القلم، دمشق، ط1، 1419هـ-1998م، ص209و210

(6) مجلة العربي، عدد 256، ربيع الثاني 1400هـ -مارس 1980م، «مقال حول إعادة كتابة التاريخ متى وأين ومن ولماذا؟، بقلم أحمد بهاء الدين.

u إن معرفة تراجم المؤرخين سواء القدماء منهم والمحدثين يوضح بجلاء أهدافهم ومذاهبهم ومعتقدهم وميولهم أيضاَ لذلك فعلى القارئ أن يكون عارفًا بذلك حتى لا يكون صيدًا سهلًا لكل ما يكتبون.

(7) د.عبد الرحمن علي الحجي، نظرات في التاريخ الإسلامي، دار الاعتصام، ط2، 1395هـ / 1975م، ص104

(8) المرجع السابق، ص49و50

(9) يوسف العظم، مرجع سبق ذكره، ص210

(10) انظر مقالتي بعنوان «هل كانت المرأة سببا في الفتوحات الإسلامية» المجلة العربية، العدد 195، شهر ربيع الآخر، سبتمبر، اكتوبر 1993م

(11) د.عبدالرحمن الحجي، مرجع سابق الذكر. ص118-120

(12) يوسف العظم، مرجع سابق الذكر، 209-210

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت