المسلمون نوَّم! لو مالٌ تلِف أو بيت تهدّم أو وطن سلِب لسمعتَ صياحا ووَلْوَلَة وإقسامًا: لنثأرنّ قاتَلَه الله ما أكفره! فأين هم أهل الصولة والزمجرة؟! أين هم لم نسمع لهم حسّا، ولم نر قلما يدفع ظالما ما أفجره؟! إلا قليلا احتسبوا وغضبوا، فكتبوا واستنكروا، وعن الأمة عذابا كاد يحيق بها دفعوا، فالذب عنه فريضة، ولا يحلّ للأمة ترك الفريضة، ومن موجبات العقوبة الاجتماع على ترك الفريضة.
إن من حقوق النبي على أمته نصرته، وهي واجبة على جميع المسلمين؛ ذكورا وإناثا، علماء وولاة أمر وعوام، قولا وفعلا، كلّ بحسب قدرته واستطاعته، أدناها بالقلب، ثم باللسان، ثم باليد، لقوله: (( من رأى منكم منكرا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) ). وأيّ منكر أعظم من العدوان على مقام رسول الله ؟!
فهو فرض على الكفاية، إذا قام به بعض المسلمين سقط عن الآخرين، مع وجوب إنكار القلب في كل حال، سواء تعيّن الذبّ والنصرة أو لم يتعيّن على آحاد المؤمنين؛ لأن الإنكار القلبي علامة الإيمان. والدليل على وجوب نصرته قوله تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، فعلق الفلاح بالنصرة، فمن لم ينصره فليس من المفلحين. وقال تعالى: فَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ، فنصرة المؤمنين واجبة، ونصرة النبي أوجب. وقل سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، ونصرة النبي من نصرة الله تعالى. وقوله: (( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) )، فهذا في حقّ المؤمنين، وفي النبيّ أعظم.
ووقت النصرة وجود الظلم والعدوان على مقام النبي في ذاته أو أخلاقه أو دينه، فمتى وجد هذا النوع من الظلم والعدوان وجب على المؤمنين الذب عنه ، ولا يحل لهم أن يسكتوا أو يخضعوا ويرضوا، فإن فعلوا ذلك دلّ على خلل في إيمانهم وضعف في ولائهم لله ورسوله ، فلا يرضى بالطعن في النبي إلا منافق أو كافر، أما المؤمن فيغضب ويتمعر وجهه لأدنى من ذلك، لأذى يلقاه عوام المسلمين؛ لما بينه وبينهم من أخوة الإيمان، فأي عدوان على رأس المؤمنين وقائدهم ومقدمهم فهو عليه أشد وأنكى، بل حاله كحال خبيب بن عدي لما أخرجه أهل مكة من الحرم ليقتلوه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا خبيب، أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك يضرب عنقه وأنك فيأهلك؟! فقال خبيب: (والله، ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة وإني جالس في أهلي) ، فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحبّ أحدا كحبّ أصحاب محمّد محمدا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد: عباد الله، لئن ساء كلَّ مسلم ما نُشِر في بعض صُحُف الدانمارك فإن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله لم يَخْلُق شَرًّا مَحْضًا، لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
فقد تضمّن ذلك السوء خيرًا، منه أنه ظهر وانكشف وجه الحقيقة عن وجه الحضارة الغربية، قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ، وظهر لكل ذي بَصَر عداوة النصارى، وأنّ من يطلب رضاهم مُتطلِّب في الماء جذوةَ نار، وقول الله أصدق وأبلغ: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ. كما تجلّى نفاق بعض الصُّحُف والكُتَّاب الذين التَزموا الصمت تجاه هذا الْخَطْب الْجلل، فماذا عساهم يقولون؟! ماذا عسى أُغَيْلِمة الصحافة وسفهاء قومي يقولون؟! أليسوا الذين كانوا يُلمِّعُون الغَرْب والغُراب تحت شِعار (الآخر) سَتْرًا للكافر؟! إلا أنّ الحقيقة التي تجلّتْ كشَفَتْ عن وجوه من الحقائق وصَمت من كانوا يُنادون باحترام (الآخر) ومن كانوا يَودّون لو صَمَتَ دُعاة الإسلام، أليسوا هم من يُنادي بـ (حُريّة الفِكر) ، فإذا هم يُنادون بـ (حُريّة الكُفْر) ؟! إذا تكلّم (صادق) نَصَبُوا له العِداء، وإن تَبجّح (كافر) سَكَتُوا وكأنّ الأمر لا يَعنيهم، وهو لا يعنيهم لأن حبّهم للنبي دعوى من غير بيِّنَة.
ها هو (الآخر) بزعمكم يتطاول على دين الله وعلى رسول الله ، فبماذا أجبتم؟! تَهَافتْ دعاوى (قبول الآخر) الذي لم ولن يَقبلكم حتى يجتمع الماء والنار والضَّب والحوت، شأنكم في ذلك شأن ذلك (الْمُتَفَرْنِس) الذي أمضى عمره في التذلّل للغرب ولو كان على حساب دِين ومبدأ، فإذا الغرب يَرفضه ويَلفظه، بل وينبذه نَبْذ الحذاء المرقّع، وها هو يقول عن نفسه:"وأصبح (محمد أركون) أصوليًا متطرفًا، أنا الذي انْخَرَطْتُ منذ ثلاثين سنة في أكبر مشروع لنقد العقل الإسلامي أصْبَحْتُ خارجَ دائرة العلمانية والحداثة"، ويقول أيضا:"والمثقف الموصوف بالْمُسْلِم يُشار إليه دائمًا بضمير الغائب، فهو الأجنبي المزعج الذي لا يمكن تمثّله أو هضمه في المجتمعات الأوروبية؛ لأنه يَسْتَعْصِي على كلّ تحديث أو حداثة".
وقد أخبر الله عن ذلك الرفض وعن تلك العداوة المتأصِّلة بقوله: هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ.
وفي هذا الْحَدَث تميّز الطيب من الخبيث والصادق من الكاذب، مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ.
إذا اشتبكت دموع في خُدود…تَبَيَّنَ من بَكى ممن تباكى
تبيَّن الْمُحبّ الصادق لرسول الله من الدَّعِيّ الْمُدَّعِي، وفي الغرب (مُنصِفُون) قد تُثيرهم تلك الحملات الشعواء على طلب الحقائق، فيهدي الله بِتلك الصحيفة رجالًا ونساء كانوا في (عَمَاء) . ومن سُنّة الله: (( إن الله ليؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر ) )كما في الصحيحين، وفي شِعْر أبي تمام:
وإذا أراد الله نَشْر فَضَيلة…طُويت أتَاحَ لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جَاوَرَتْ…ما كان يُعْرَف طِيب عُرف العُود