فهرس الكتاب

الصفحة 2072 من 3028

والعلمانية وافد غريب على مجتمعاتنا لا مكان لها فيها؛ لأنها نشأت حلًا لمعضلة واجهها المجتمع الغربي النصراني ولم يكن أمامه من حل سوى اللجوء إليها؛ حيث بدأ العقل الغربي يتمرد على الكنيسة بعد أن قطع في الحركة العلمية في المجال التجريبي شوطًا، وبعد أن صادرت الكنيسة العقل، وصادرت العلم، وصادرت حق الحياة. وبعد صراع مرير إلى جانب صراع آخر على السلطة بين الأمراء والكنيسة انعتق من استبداد الكنيسة وبدأت مرحلة جديدة من المهادنة بين «الكنيسة» السلطة الدينية و «الحركة العلمية» من جهة، وبين السلطة الزمنية «الحكام» من جهة أخرى، وهنا بدأت العلمانية بمعناها المبكر فصل الدين عن الدولة بتقاسم السلطة: للكنيسة سلطتها على ضمائر الناس وعلى قلوبهم، وللسلطة الزمنية السيطرة على كل ما يتصل بشؤون الحياة والتوجيه والتشريع، وتصبح العلاقة بين الكنيسة والدولة الناشئة التي بدأت فكرة السيادة على مفاهيمها العلاقة: (لا مساس) .

وفي تقديري أن هذا كان لونًا من المكيافيلية ريثما تستحكم قوة الدولة المدنية لتحميهم ثم تنتقل إلى المرحلة الثانية التي تجاوزت العلمانية فيها الاكتفاء بمجرد الفصل إلى إقصاء الدين جملة عن توجه الحياة، ثم تمادى هذا التيار وانتهى إلى ما نسميه بـ (الإلحاد العلمي) الذي ساد أوروبا شرقًا وغربًا، وانتهت المسألة بأن أصبحت العلمانية أخيرًا تساوي الإلحاد وتعني إقصاء الدين جملة وتفصيلًا عن المجتمع وعن توجيه الحياة فيه. ولم تجد الكنيسة بدًا من أن تستسلم لهذا؛ وأظن أن التلاعبات التي حدثت بعد هذا تسري آثارها اليوم بشكل أشد حدة.

? د. حلمي القاعود:

العلمانية نتاج المجتمعات الأوروبية في العصر الحديث، وقد تأكدت في القرنين الأخيرين بسبب الخواء الروحي والعقدي الذي يعيشه الأوروبيون من ناحية، وهيمنة الكنيسة الكاثوليكية من ناحية أخرى، ولعل ثورة كالفن ولوثر التي عرفت فيما بعد باسم الاحتجاج على الكنيسة الكاثوليكية (البروتستانتية) كانت مقدمة لكسر الهيمنة الكنسية، وفصم عرى العلاقة الوثيقة بين الكنيسة والدولة، أو بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية.

وإجمالًا، فإن العلمانية كانت إجراء يهدف إلى إزاحة سيطرة الكنيسة على الحكومة في أوروبا، خاصة بعد أن تنوعت مظالم القساوسة ورجال الدين ضد المجتمع، ووقوفها ضد العلم، وإحراق بعض الفلاسفة والعلماء بسبب آرائهم أو كشوفاتهم، ومن أشهر الأمثلة على ذلك «سبينوزا» صاحب مدرسة النقد التاريخي الذي كان مصيره الحرق، و «كوبرنيكس» الذي حرَّمت الكنيسة كتابه: «حركات الأجرام السماوية» الذي نشر عام 1543م، و «جردانو» الذي صنع تلسكوبًا فعذب عذابًا شديدًا وعمره آنئذٍ سبعون عامًا، وتوفي 1642م.

والعلمانية تعني (غير الدينية) أو (الدنيوية) ومفهومها بالمصطلح الإنجليزي secularism لا علاقة له بالعلمscience أو المذهب العلميscientism ، ولأن العلمانية بعيدة عن الدين؛ فقد اهتمت بما يسمى تحرير العقل، وإضفاء صفات الألوهية على الطبيعة، وتطبيق المنهج التجريبي، مما أدى إلى إنكار أية علاقة بين الله وبين حياة الإنسان، وإقامة الحياة على أساس مادي صرف، وهو ما تبلور في شيوع الإباحية والقبول بالفوضى الخلقية وهدم كيان الأسرة.

وكان نصيب العرب والمسلمين من العلمانية غير قليل؛ حيث تسللت إليهم عبر جيوش الاستعمار منذ حملة نابليون على مصر والشام ثم حملات الإنجليز والفرنسيين والأسبان على بلاد العرب، فأدخلوا القوانين الأوروبية (خاصة القانون الفرنسي) وغيروا نظم التعليم، ووجهوا المتعلمين إلى الثقافة الأجنبية وإهمال الثقافة الإسلامية التي تمثل ثقافة البلاد وكان إعلاء شأن الثقافة الأجنبية واحتضان المهتمين بها من أبناء المسلمين عاملًا مؤثرًا في إهمال شأن الثقافة الإسلامية؛ بل ازدرائها وتحقيرها.

ماهية الفن

? د. عبد العظيم المطعني:

الفن في الأصل يمكن تعريفه ـ ببراءة ينبغي أن تكون فيه ـ بأنه «القول الجميل» ، ثم اتسع مفهومه من القول ليشمل العمل، فتولد عنه المسرح منذ القديم، ثم زاحمته السينما والشاشة الصغيرة كما يقولون الآن. وهو نتاج فكري خاص يتميز عن أنواع التفكير الأخرى.

والذي يقابل الفن ـ مع شيء من التسامح ـ العلم. والعلم أيضًا نتاج عقلي؛ لكن رسالة العقل في حيز العلم نستطيع أن نشبهها بالمرآة تعكس ملامح الصورة التي تقف أمامها، ومعنى هذا أن يكون نتاج العقل في حيز العلم خبرًا مطابقًا للواقع، أما نتاج العقل في مجال الفن فيتلون حسب الرؤية الخاصة بمن يعمل في مجال الفن؛ فالعقل ليس مقيدًا في مجال الفن بحدود الواقع ولكن له حرية القفز فوق هذا الواقع، وله حق تصويره حسبما يراه الفنان على ما هو عليه في الواقع؛ ولذلك قالوا: إن العلم موضوعي والفن ذاتي، وتعني موضوعية العلم أنه حقائق يدركها جميع العقلاء كالمعادلات الرياضية وما أشبهها.

أما الفنون فنتاج ذاتي يتلون بتلون صاحب النموذج؛ فلو أتينا بعالمين ـ طبيبين مثلًا ـ ليتحدثا عن الشيب في رأس الإنسان فسوف يتحدثان عن الأسباب والمظاهر البيولوجية المصاحبة للشيب سواء كان في سن مبكرة أو متأخرة.

لكن إذا عرضنا هذه الظاهرة على أديبين فسوف يختلفان، وقد حدث هذا بالفعل؛ إذ رآه أحدهما سيفًا مسلطًا على رقاب العباد وأنه نذير للنهاية، بينما رآه آخر لمعة بيضاء تنم عن كمال التجربة وخبرة الأيام عند الإنسان؛ ومن هنا فإن الفنان يتمتع بحرية شرط أن يكون صادق الإحساس مع نفسه غير متكلف.

والفن بعد هذا يعتمد على عناصر أربعة، يشترك العلم معه اشتراكًا أساسيًا في عنصر منها وهو المعنى؛ لأن كلا النموذجين لا بد أن يحمل فكرة أو معنى، ثم يختلف الفن بعد ذلك بأنه يغلف بالخيال، و أن تشيع في روحه العاطفة، وأن تكون اللغة رومانسية ـ وليست كلاسيكية ـ. تقوم على التفخيم والتهويم والتجسيم.. سواء كان هذا الفن شعرًا وهو أرقى أنواع الفنون، أو نثرًا كالقصة والأقصوصة أو كان غير ذلك.

ومن هنا نحن نتحدث عن الفن في مرحلة قراءته بأنه الفن الجميل برؤية خاصة تكون وراءها تجربة للفنان أو الأديب، وسعة خيال يتشكل به النموذج؛ هذا هو الفن، ومجاله أوسع بكثير من مجال العلم باعتبار الحرية التي يتمتع بها الفنان.

وقد حكي عن بعض الصحابة وهو النابغة الجعدي أنه قال بيتًا من الشعر أمام النبي -صلى الله عليه وسلم-:

بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

وهنا يأتي الرسول -صلى الله عليه وسلم- من زاوية نقدية مُوجِّهَة فقال له: «أين المظهر بعد ذلك يا أبا ليلى؟» فأوقعه في حرج، ثم تدارك أبو ليلى قائلًا: إلى الجنة. فقال -صلى الله عليه وسلم-: «أجل! إن شاء الله» (1) .. هذا النموذج النبوي الكريم فيه رد مفحم على دعوى تتفجر هذه الأيام بعد أن اصطبغ الفن بالصبغة العلمانية: بأن الأدب لا سلطان لأحد عليه لا من ناحية الدين أو التقاليد والعادات، ولا من ناحية السياسة، وإنما الذي يحكم على الأديب المبدع حسبما يدَّعون هو الأديب المبدع، وفيما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- هنا رد على هذا الادعاء؛ إذ كف ـ عليه الصلاة والسلام ـ مبالغة شاعر بريئة، ونبهه إلى أنه جنح في خياله؛ ولكن الله ألهم الشاعر فرد بما أرضى النبي -صلى الله عليه وسلم-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت