فهرس الكتاب

الصفحة 2980 من 3028

لقد ملأ فراغها باهتمامات كبيرة لا تدع فيها فراغا تملؤه بنشوة الخمر , وخيالات السكر , وما يصاحبها من مفاخرات وخيلاء . . في الهواء . .

ملأ فراغها باهتمامات . منها:نقل هذه البشرية الضالة الشاردة كلها , من تيه الجاهلية الأجرد , وهجيرها المتلظي , وظلامها الدامس , وعبوديتها المذلة , وضيقها الخانق , إلى رياض الإسلام البديعة , وظلاله الندية , ونوره الوضيء , وحريته الكريمة , وسعته التي تشمل الدنيا والآخرة !

وملأ فراغها - وهذا هو الأهم - بالإيمان . بهذا الإحساس الندي الرضي الجميل البهيج . فلم تعد في حاجة إلى نشوة الخمر , تحلق بها في خيالات كاذبة وسمادير ! وهي ترف بالإيمان المشع إلى الملأ الأعلى الوضيء . . وتعيش بقرب الله ونوره وجلاله . . وتذوق طعم هذا القرب , فتمج طعم الخمر ونشوتها ; وترفض خمارها وصداعها ; وتستقذر لوثتها وخمودها في النهاية !

إنه استنفذ الفطرة من ركام الجاهلية ; وفتحها بمفتاحها , الذي لا تفتح بغيره ; وتمشى في حناياها وأوصالها ; وفي مسالكها ودروبها . . ينشر النور , والحياة , والنظافة , والطهر , واليقظة , والهمة , والاندفاع للخير الكبير والعمل الكبير , والخلافة في الأرض , على أصولها , التي قررها العليم الخبير , وعلى عهد الله وشرطه , وعلى هدى ونور . .

إن الخمر - كالميسر . كبقية الملاهي . كالجنون بما يسمونه"الألعاب الرياضية"والإسراف في الاهتمام بمشاهدها . . كالجنون بالسرعة . . كالجنون بالسينما . . كالجنون"بالمودات""والتقاليع". . كالجنون بمصارعة الثيران . . كالجنون ببقية التفاهات التي تغشى حياة القطعان البشرية في الجاهلية الحديثة اليوم , جاهلية الحضارة الصناعية !

إن هذه كلها ليست إلا تعبيرا عن الخواء الروحي . . من الإيمان أولا . . ومن الاهتمامات الكبيرة التي تستنفد الطاقة ثانيا . . وليست إلا إعلانا عن إفلاس هذه الحضارة في إشباع الطاقات الفطرية بطريقة سوية . . ذلك الخواء وهذا الإفلاس هما اللذان يقودان إلى الخمر والميسر لملء الفراغ , كما يقودان إلى كل أنواع الجنون التي ذكرنا . . وهما بذاتهما اللذان يقودان إلى"الجنون"المعروف , وإلى المرض النفسي والعصبي . . وإلى الشذوذ . .

إنها لم تكن كلمات . . هي التي حققت تلك المعجزة الفريدة . . إنما كان منهج . منهج هذه الكلمات متنه وأصله . منهج من صنع رب الناس . لا من صنع الناس ! وهذا هو الفارق الأصيل بينه وبين كل ما يتخذه البشر من مناهج , لا تؤدي إلى كثير !

إنه ليست المسألة أن يقال كلام ! فالكلام كثير . وقد يكتب فلان من الفلاسفة . أو فلان من الشعراء . أو فلان من المفكرين . أو فلان من السلاطين ! قد يكتب كلاما منمقا جميلا يبدو أنه يؤلف منهجا , أو مذهبا , أو فلسفة . . الخ . . ولكن ضمائر الناس تتلقاه , بلا سلطان . لأنه (ما أنزل الله به من سلطان) ! فمصدر الكلمة هو الذي يمنحها السلطان . . وذلك فوق ما في طبيعة المنهج البشري ذاته من ضعف ومن هوى ومن جهل ومن قصور !

فمتى يدرك هذه الحقيقة البسيطة من يحاولون أن يضعوا لحياة الناس مناهج , غير منهج العليم الخبير ? وأن يشرعوا للناس قواعد غير التي شرعها الحكيم البصير ? وأن يقيموا للناس معالم لم يقمها الخلاق القدير ?

متى ? متى ينتهون عن هذا الغرور ? ? ?

المعركة مع الكفار والفجار

لقد كان القرآن فيها جميعًا ، يخوض المعركة بالجماعة المسلمة ، في كل جبهة . . كان يخوضها في الضمائر والمشاعر ، حيث ينشى ء فيها عقيدة جديدة ، ومعرفة بربها جديدة ، وتصورًا للوجود جديدًا ، ويقيم فيها موازين جديدة ، وينشىء فيها قيمًا جديدة؛ ويستنقذ فطرتها من ركام الجاهلية؛ ويمحو ملامح الجاهلية في النفس والمجتمع؛ وينشىء ويثبت ملامح الإسلام الوضيئة الجميلة . . ثم يقودها في المعركة مع أعدائها المتربصين بها في الداخل والخارج . . اليهود والمنافقين والمشركين . . وهي على أتم استعداد للقائهم ، والتفوق عليهم؛ بمتانة بنائها الداخلي الجديد: الاعتقادي والأخلاقي والاجتماعي والتنظيمي سواء . .

ولقد كان التفوق الحقيقي للمجتمع المسلم على المجتمعات الجاهلية من حوله - بما فيها مجتمع اليهود القائم في قلب المدينة - هو تفوقه في البناء الروحي والخلقي والاجتماعي والتنظيمي - بفضل المنهج القرآني الرباني - قبل أن يكون تفوقًا عسكريًا أو اقتصاديًا أو ماديًا على العموم!

بل هو لم يكن قط تفوقًا عسكريًا واقتصاديًا - ماديًا - فقد كان أعداء المعسكر الإسلامي دائمًا أكثر عددًا ، وأقوى عدة ، وأغنى مالًا ، وأوفر مقدرات مادية على العموم! سواء في داخل الجزيرة العربية ، أو في خارجها في زمن الفتوحات الكبرى بعد ذلك .

ولكن التفوق الحقيقي كان في ذلك البناء الروحي والخلقي والاجتماعي - ومن ثم السياسي والقيادي - الذي أسسه الإسلام بمنهجه الرباني المتفرد .

وبهذا التفوق الساحق على الجاهلية في بنائها الروحي والخلقي والاجتماعي - ومن ثم السياسي والقيادي - اجتاح الإسلام الجاهلية . . اجتاحها أولًا في الجزيرة العربية . واجتاحها ثانيًا في الإمبراطوريتين العظيمتين الممتدتين حوله: إمبراطوريتي كسرى وقيصر . . ثم بعد ذلك في جوانب الأرض الأخرى . سواء كان معه جيش وسيف ، أم كان معه مصحف وأذان!

ولولا هذا التفوق الساحق ما وقعت تلك الخارقة التي لم يعرف لها التاريخ نظيرًا . حتى في الاكتساحات العسكرية التاريخية الشهيرة . كزحف التتار في التاريخ القديم . وزحف الجيوش الهتلرية في التاريخ الحديث . . ذلك أنه لم يكن اكتساحًا عسكريًا فحسب . ولكنه كان اكتساحًا عقيديًا . ثقافيًا . حضاريًا كذلك! يتجلى فيه التفوق الساحق الذي يطوي - من غير إكراه - عقائد الشعوب ولغاتها ، وتقاليدها وعاداتها . . الأمر الذي لا نظير له على الإطلاق في أي اكتساح عسكري آخر ، قديمًا أو حديثًا!

لقد كان تفوقًا"إنسانيًا"كاملًا . تفوقًا في كل خصائص"الإنسانية"ومقوماتها . كان ميلادًا آخر للإنسان . ميلاد إنسان جديد غير الذي تعرفه الأرض على وجه اليقين والتأكيد . ومن ثم صبغ البلاد التي غمرها هذا المد بصبغته؛ وترك عليها طابعه الخاص؛ وطغى هذا المد على رواسب الحضارات التي عاشت عشرات القرون من قبل في بعض البلاد . كالحضارة الفرعونية في مصر . وحضارة البابليين والأشوريين في العراق ، وحضارة الفينيقيين والسريان في الشام . لأنه كان أعمق جذورًا في الفطرة البشرية؛ وأوسع مجالًا في النفس الإنسانية ، وأضخم قواعد وأشمل اتجاهات في حياة بني الإنسان ، من كل تلك الحضارات .

وغلبة اللغة الإسلامية واستقرارها في هذه البلاد ، ظاهرة عجيبة ، لم تستوف ما تستحقه من البحث والدراسة والتأمل ، وهي في نظري أعجب من غلبة العقيدة واستقرارها . إذ أن اللغة من العمق في الكينونة البشرية ومن التشابك مع الحياة الاجتماعية . بحيث يعد تغييرها على هذا النحو معجزة كاملة! وليس الأمر في هذا هو أمر"اللغة العربية". فاللغة العربية كانت قائمة؛ ولكنها لم تصنع هذه المعجزة في أي مكان على ظهر الأرض - قبل الاسلام - ومن ثم سميتها"اللغة الإسلامية"فالقوة الجديدة التي تولدت في اللغة العربية ، وأظهرت هذه المعجزة على يديها ، كانت هي"الإسلام"قطعًا!

وكذلك اتجهت العبقريات الكامنة في البلاد المفتوحة ( المفتوحة للحرية والنور والطلاقة ) اتجهت إلى التعبير عن ذاتها - لا بلغاتها الأصلية - لكن باللغة الجديدة . لغة هذا الدين . اللغة الإسلامية . وأنتجت بهذه اللغة في كل حقل من حقول الثقافة نتاجًا تبدو فيه الأصالة؛ ولا يلوح عليه الاحتباس من معاناة التعبير في لغة غريبة - غير اللغة الأم - لقد أصبحت اللغة الإسلامية هي اللغة الأم فعلًا لهذه العبقريات .

ذلك أن الرصيد الذي حملته هذه اللغة كان من الضخامة أولًا؛ ومن ملاصقة الفطرة ثانيًا؛ بحيث كان أقرب إلى النفوس وأعمق فيها من ثقافاتها القديمة . ومن لغاتها القديمة أيضًا!

لقد كان هذا الرصيد هو رصيد العقيدة والتصور؛ ورصيد البناء الروحي والعقلي والخلقي والاجتماعي الذي أنشاه المنهج الإسلامي في فترة وجيزة . وكان من الضخامة والعمق واللصوق بالفطرة ، بحيث أمد اللغة - لغة الإسلام - بسلطان لا يقاوم . كما أمد الجيوش - جيوش الإسلام - بسلطان لا يقاوم كذلك!

وبغير هذا التفسير يصعب أن نعلل تلك الظاهرة التاريخية الفريدة .

غرسة العقيدة الإسلامية

لقد كانت هذه الغرسة غرسة العقيدة الإسلامية تودع في الأرض لأول مرة في صورتها الرفيعة المجردة الناصعة . وكانت غريبة على حس الجاهلية السائدة ، لا في الجزيرة العربية وحدها بل كذلك في أنحاء الأرض جميعًا .

وكانت النقلة عظيمة بين الصورة الباهتة المحرفة المشوهة من ملة إبراهيم التي يستمسك بخيوط حائلة منها مشركو قريش ، ويلصقون بها الترهات والأساطير والأباطيل السائدة عندهم ، وبين الصورة الباهرة العظيمة المستقيمة الواضحة البسيطة الشاملة المحيطة التي جاءهم بها محمد صلى الله عليه وسلم متفقة في أصولها مع الحنيفية الأولى دين إبراهيم عليه السلام وبالغة نهاية الكمال الذي يناسب كونها الرسالة الأخيرة للأرض ، الباقية لتخاطب الرشد العقلي في البشرية إلى آخر الزمان .

وكانت النقلة عظيمة بين الشرك بالله وتعدد الأرباب ، وعبادة الملائكة وتماثيلها ، والتعبد للجن وأرواحها ، وسائر هذه التصورات المضطربة المفككة التي تتألف منها العقيدة الجاهلية . . وبين الصورة الباهرة التي يرسمها القرآن للذات الإلهية الواحدة وعظمتها وقدرتها ، وتعلق إرادتها بكل مخلوق .

كذلك كانت النقلة عظيمة بين الطبقية السائدة في الجزيرة ، والكهانة السائدة في ديانتها ، واختصاص طبقات بالذات بالسيادة والشرف وسدانة الكعبة والقيام بينها وبين العرب الآخرين . . وبين البساطة والمساواة أمام الله والاتصال المباشر بينه وبين عباده كما جاء بها القرآن .

ومثلها كانت النقلة بين الأخلاق السائدة في الجاهلية والأخلاق التي جاء القرآن يبشر بها ، وجاء محمد صلى الله عليه وسلم يدعو إليها ويمثلها .

وكانت هذه النقلة وحدها كافية للتصادم بين العقيدة الجديدة وبين قريش ومعتقداتها وأخلاقها . ولكن هذه لم تكن وحدها . فقد كان إلى جانبها اعتبارات ربما كانت أضخم في تقدير قريش من العقيدة ذاتها على ضخامتها .

كانت هناك الاعتبارات الاجتماعية التي دعت بعضهم أن يقول كما حكى عنهم القرآن الكريم: { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } والقريتان هما مكة والطائف . فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شرف نسبه ، وأنه في الذؤابة من قريش ، لم تكن له مشيخه فيهم ولا رياسة قبل البعثة . بينما كان هناك مشيخة قريش ومشيخة ثقيف وغيرهما ، في بيئة تجعل للمشيخة والرياسة القبلية كل الاعتبار . فلم يكن من السهل الانقياد خلف محمد صلى الله عليه وسلم من هؤلاء المشيخة!

وكانت هناك الاعتبارات العائلية التي تجعل رجلًا كأبي جهل ( عمرو بن هشام ) يأبى أن يسلم بالحق الذي يواجهه بقوة في الرسالة الإسلامية ، لأن نبيها من بني عبد مناف . . وذلك كما ورد في قصته مع الأخنس بن شريق وأبي سفيان بن حرب ، حين خرجوا ثلاث ليال يستمعون القرآن خفية ، وهم في كل ليلة يتواعدون على عدم العودة خيفة أن يراهم الناس فيقع في نفوسهم شيء . فلما سأل الأخنس بن شريق أبا جهل رأيه فيما سمع من محمد كان جوابه:"ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا . حتى إذا تجاثينا على الركب ، وكنا كفرسي رهان ، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء . فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه!".

وكانت هناك اعتبارات أخرى نفعية وطبقية ونفسية من ركام الجاهلية في المشاعر والتصورات والأوضاع كلها تحاول قتل تلك الغرسة الجديدة في مغرسها بكل وسيلة قبل أن تثبت جذورها وتتعمق ، وقبل أن تمتد فروعها وتتشابك . وبخاصة بعد أن تجاوزت دور الدعوة الفردية؛ وأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجهر بالدعوة؛ وأخذت معالم الدعوة الجديدة تبرز ، كما أخذ القرآن يتنزل بتسفيه عقيدة الشرك وما وراءها من الآلهة المدعاة والتصورات المنحرفة والتقاليد الباطلة .

والرسول صلى الله عليه وسلم ولو أنه نبي ، ولو أنه يتلقى من ربه الوحي ، ولو أنه يتصل بالملأ الأعلى .

.هو بشر ، تخالجه مشاعر البشر . وكان يتلقى هذه المقاومة العنيفة ، وتلك الحرب التي شنها عليه المشركون ، ويعاني وقعها العنيف الأليم ، هو والحفنة القليلة التي آمنت به على كره من المشركين .

وكان صلى الله عليه وسلم يسمع والمؤمنون به يسمعون ، ما كان يتقوله عليه المشركون ، ويتطاولون به على شخصه الكريم ، { ويقولون: إنه لمجنون } . . ولم تكن هذه إلا واحدة من السخريات الكثيرة ، التي حكاها القرآن في السور الأخرى؛ والتي كانت توجه إلى شخصه صلى الله عليه وسلم وإلى الذين آمنوا معه . وغير الأذى كان يصيب الكثيرين منهم على أيدي أقربائهم الأقربين!

والسخرية والاستهزاء مع الضعف والقلة مؤذيان أشد الإيذاء للنفس البشرية ، ولو كانت هي نفس رسول .

ومن ثم نرى في السور المكية كسور هذا الجزء أن الله كأنما يحتضن سبحانه رسوله والحفنة المؤمنة معه ، ويواسيه ويسري عنه ، ويثني عليه وعلى المؤمنين . ويبرز العنصر الأخلاقي الذي يتمثل في هذه الدعوة وفي نبيها الكريم . وينفي ما يقوله المتقولون عنه ، ويطمئن قلوب المستضعفين بأنه هو يتولى عنهم أعدائهم ، ويعفيهم من التفكير في أمر هؤلاء الأعداء الأقوياء الأغنياء!

الاعتزال والانطلاق

يروى في سبب نزول هذه السورة أن قريشًا اجتمعت في دار الندوة تدبر كيدها للنبي صلى الله عليه وسلم وللدعوة التي جاءهم بها . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتم له؛ والتف بثيابه وتزمل ونام مهمومًا . فجاءه جبريل عليه السلام بشطر هذه السورة الأول { يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلًا . . الخ } وتأخر شطر السورة الثاني من قوله تعالى: { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل . . } إلى آخر السورة . تأخر عامًا كاملًا . حين قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة من الذين معه ، حتى ورمت أقدامهم ، فنزل التخفيف في الشطر الثاني بعد اثني عشر شهرًا .

وتروى رواية أخرى تتكرر بالنسبة لسورة المدثر كذلك كما سيجيء في عرض سورة المدثر إن شاء الله .

وخلاصتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحنث في غار حراء قبل البعثة بثلاث سنوات أي يتطهر ويتعبد وكان تحنثه عليه الصلاة والسلام شهرًا من كل سنة هو شهر رمضان يذهب فيه إلى غار حراء على مبعدة نحو ميلين من مكة ، ومعه أهله قريبًا منه . فيقيم فيه هذا الشهر ، يطعم من جاءه من المساكين ، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون ، وفيما وراءها من قدرة مبدعة . . وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة ، وتصوراتها الواهية ، ولكن ليس بين يديه طريق واضح ، ولا منهج محدد ، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه .

وكان اختياره صلى الله عليه وسلم لهذه العزلة طرفًا من تدبير الله له ليعده لما ينتظره من الأمر العظيم . ففي هذه العزلة كان يخلو إلى نفسه ، ويخلص من زحمة الحياة وشواغلها الصغيرة؛ ويفرغ لموحيات الكون ، ودلائل الإبداع؛ وتسبح روحه مع روح الوجود؛ وتتعانق مع هذا الجمال وهذا الكمال؛ وتتعامل مع الحقيقة الكبرى وتمرن على التعامل معها في إدراك وفهم .

ولا بد لأي روح يراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى . . لا بد لهذه الروح من خلوة وعزلة بعض الوقت ، وانقطاع عن شواغل الأرض ، وضجة الحياة ، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة .

لا بد من فترة للتأمل والتدبر والتعامل مع الكون الكبير وحقائقه الطليقة . فالاستغراق في واقع الحياة يجعل النفس تألفه وتستنيم له ، فلا تحاول تغييره . أما الانخلاع منه فترة ، والانعزال عنه ، والحياة في طلاقة كاملة من أسر الواقع الصغير ، ومن الشواغل التافهة فهو الذي يؤهل الروح الكبير لرؤية ما هو أكبر ، ويدربه على الشعور بتكامل ذاته بدون حاجة إلى عرف الناس ، والاستمداد من مصدر آخر غير هذا العرف الشائع!

وهكذا دبر الله لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو يعده لحمل الأمانة الكبرى ، وتغيير وجه الأرض ، وتعديل خط التاريخ .

دبر له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات . ينطلق في هذه العزلة شهرًا من الزمان ، مع روح الوجود الطليقة ، ويتدبر ما وراء الوجود من غيب مكنون ، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله .

فلما أن أذن ، وشاء سبحانه أن يفيض من رحمته هذا الفيض على أهل الأرض ، جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في غار حراء . . وكان ما قصه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره معه فيما رواه ابن إسحق عن وهب بن كيسان ، عن عبيد ، قال:

"فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال: أقرأ . قال: قلت: ما أقرأ ( وفي الروايات: ما أنا بقارئ ) قال: فغتني به ( أي ضغطني ) حتى ظننت أنه الموت . ثم أرسلني فقال: اقرأ . قلت: ما أقرأ . قال: فغتني حتى ظننت أنه الموت . ثم أرسلني فقال: اقرأ . قلت: ما أقرأ: قال: فغتني حتى ظننت أنه الموت . ثم أرسلني فقال: اقرأ . قال: قلت: ماذا أقرأ؟ قال: ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي . فقال: { اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذى علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم } . . قال: فقرأتها . ثم انتهى فانصرف عني . وهببت من نومي فكأنما كتبت في قلبي كتابًا . قال: فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتًا من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل . قال: فرفعت رأسي إلى السماء أنظر . فإذا جبريل في صورة رجل ، صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل . قال: فوقفت أنظر إليه . فما أتقدم وما أتأخر . وجعلت أحول وجهي عنه في آفاق السماء . قال: فلا أنظر في ناحية إلا رأيته كذلك . فما زلت واقفًا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي ، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي ، فبلغوا أعلى مكة ، ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك . ثم انصرف عني وانصرفت راجعًا إلى أهلي ، حتى أتيت خديجة ، فجلست إلى فخذها مضيفًا إليها ( أي ملتصقًا بها مائلًا إليها ) فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فوالله لقد بعثت في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إليّ . ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت:"أبشر يا بن عم واثبت . فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة""

ثم فتر الوحي مدة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن كان بالجبل مرة أخرى فنظر فإذا جبريل ، فأدركته منه رجفة ، حتى جثى وهوى إلى الأرض ، وانطلق إلى أهله يرجف ، يقول:

"زملوني . دثروني"ففعلوا . وظل يرتجف مما به من الروع . وإذا جبريل يناديه: { يا أيها المزمل } . . ( وقيل: يا أيها المدثر ) والله أعلم أيتهما كانت .

وسواء صحت الرواية الأولى عن سبب نزول شطر السورة . أو صحت هذه الرواية الثانية عن سبب نزول مطلعها ، فقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنه لم يعد هناك نوم! وأن هنالك تكليفًا ثقيلًا ، وجهادًا طويلًا ، وأنه الصحو والكد والجهد منذ ذلك النداء الذي يلاحقه ولا يدعه ينام!

وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم { قم } . . فقام . وظل قائمًا بعدها أكثر من عشرين عامًا! لم يسترح . ولم يسكن . ولم يعش لنفسه ولا لأهله . قام وظل قائمًا على دعوة الله . يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به . عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض . عبء البشرية كلها ، وعبء العقيدة كلها ، وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى .

حمل عبء الكفاح والجهاد في ميدان الضمير البشري الغارق في أوهام الجاهلية وتصوراتها ، المثقل بأثقال الأرض وجواذبها ، المكبل بأوهاق الشهوات وأغلالها . . حتى إذا خلص هذا الضمير في بعض صحابته مما يثقله من ركام الجاهلية والحياة الأرضية بدأ معركة أخرى في ميدان آخر . . بل معارك متلاحقة . . مع أعداء دعوة الله المتألبين عليها وعلى المؤمنين بها ، الحريصين على قتل هذه الغرسة الزكية في منبتها ، قبل أن تنمو وتمد جذورها في التربة وفروعها في الفضاء ، وتظلل مساحات أخرى . . ولم يكد يفرغ من معارك الجزيرة العربية حتى كانت الروم تعدّ لهذه الأمة الجديدة وتتهيأ للبطش بها على تخومها الشمالية .

وفي أثناء هذا كله لم تكن المعركة الأولى معركة الضمير قد انتهت . فهي معركة خالدة ، الشيطان صاحبها؛ وهو لا يني لحظة عن مزاولة نشاطه في أعماق الضمير الإنساني . . ومحمد صلى الله عليه وسلم قائم على دعوة الله هناك . وعلى المعركة الدائبة في ميادينها المتفرقة . في شظف من العيش والدنيا مقبلة عليه . وفي جهد وكد والمؤمنون يستروحون من حوله ظلال الأمن والراحة . وفي نصب دائم لا ينقطع . . وفي صبر جميل على هذا كله . وفي قيام الليل . وفي عبادة لربه ، وترتيل لقرآنه وتبتل إليه ، كما أمره أن يفعل وهو يناديه: يا أيها المزمل . قم الليل إلا قليلا . نصفه أو انقص منه قليلا ، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا . إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلا . إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا . إن لك في النهار سبحًا طويلا . واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا ، رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا .

واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرًا جميلا .

وهكذا قام محمد صلى الله عليه وسلم وهكذا عاش في المعركة الدائبة المستمرة أكثر من عشرين عامًا . لا يلهيه شأن عن شأن في خلال هذا الأمد . منذ أن سمع النداء العلوي الجليل وتلقى منه التكليف الرهيب . . جزاه الله عنا وعن البشرية كلها خير الجزاء . .

وشطر السورة الأول يمضي على إيقاع موسيقي واحد . ويكاد يكون على روي واحد . هو اللام المطلقة الممدودة . وهو إيقاع رخي وقور جليل؛ يتمشى مع جلال التكليف ، وجدية الأمر ، ومع الأهوال المتتابعة التي يعرضها السياق . . هول القول الثقيل الذي أسلفنا ، وهول التهديد المروّع: { وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلًا ، إن لدينآ أنكالًا وجحيمًا ، وطعامًا ذا غصة وعذابًا أليمًا } . . وهول الموقف الذي يتجلى في مشاهد الكون وفي أغوار النفوس: { يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبًا مهيلًا } . . { فكيف تتقون إن كفرتم يومًا يجعل الولدان شيبًا ، السمآء منفطر به ، كان وعده مفعولًا } .

فأما الآية الآخيرة الطويلة التي تمثل شطر السورة الثاني؛ فقد نزلت بعد عام من قيام الليل حتى ورمت أقدام الرسول صلى الله عليه وسلم وطائفة من الذين معه . والله يعدّه ويعدّهم بهذا القيام لما يعدّهم له! فنزل التخفيف ، ومعه التطمين بأنه اختيار الله لهم وفق علمه وحكمته بأعبائهم وتكاليفهم التي قدرها في علمه عليهم . . أما هذه الآية فذات نسق خاص . فهي طويلة وموسيقاها متموجة عريضة ، وفيها هدوء واستقرار ، وقافية تناسب هذا الاستقرار: وهي الميم وقبلها مد الياء: { غفور رحيم } .

والسورة بشطريها تعرض صفحة من تاريخ هذه الدعوة . تبدأ بالنداء العلوي الكريم بالتكليف العظيم . وتصور الإعداد له والتهيئة بقيام الليل ، والصلاة ، وترتيل القرآن ، والذكر الخاشع المتبتل . والاتكال على الله وحده ، والصبر على الأذى ، والهجر الجميل للمكذبين ، والتخلية بينهم وبين الجبار القهار صاحب الدعوة وصاحب المعركة! . .

وتنتهي بلمسة الرفق والرحمة والتخفيف والتيسير . والتوجيه للطاعات والقربات ، والتلويح برحمة الله ومغفرته: { إن الله غفور رحيم } . .

وهي تمثل بشطريها صفحة من صفحات ذلك الجهد الكريم النبيل الذي بذله ذلك الرهط المختار من البشرية البشرية الضالة ، ليردها إلى ربها ، ويصبر على أذاها ، ويجاهد في ضمائرها؛ وهو متجرد من كل ما في الحياة من عرض يغري ، ولذاذة تُلهي ، وراحة ينعم بها الخليون . ونوم يلتذه الفارغون!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت