فهرس الكتاب

الصفحة 2976 من 3028

غير أن المتابع لكتابات محمد شاويش سيجد أن الكاتب انتقل من مرحلة (التأصيل) التي تبحث عن الهوية وأصالتها, إلى مرحلة (ما بعد التأصيل) أو كما أسماها (مرحلة التأصيل الفاعل) والتي يبحث فيها عن طرق تغيير الوضع الانحطاطي الذي تعاني منه أمتنا, وذلك عن طريق تغيير السلوك.

وفي مقاله (في تشابكات النزعة التأصيلية) الذي نُشر في موقع بانياس الإلكتروني, عرض بشكل سريع ومختصر لبعض الدراسات التي قام بها مفكرون مختلفو الثقافة والانتماء الأيديولوجي والفكري والجغرافي, وقال:"إن كل هذه الدراسات قدمت أدلة مقنعة عن جدارة الهويات الثقافية غير الغربية بالبقاء، بل بالتحديد عن جدارة ثقافتنا الإسلامية بالبقاء، لكن السؤال هو ليس فقط عن جدارة الهوية بالبقاء بل هو عن قدرتها على البقاء. فقد بادت ثقافات كانت لا تقل جدارة إن لم تزد في البقاء عن ثقافة المبيدين، مثلًا ثقافة شعوب أمريكا الأصليين، ولا شيء يضمن أن ثقافتنا الجديرة بالبقاء هي أيضًا لا تباد رغم جدارتها!"

من هنا واعتبارًا من الهزة الكبرى عام 2001م اختلف اتجاه كتاباتي فلم أعد أبحث في موضوع جدارة الهوية بالبقاء، بل صرت أبحث في طرق تغيير الوضع الحضاري الضعيف الذي يؤهلنا للانهيار. والمفتاح لهذا التغيير وجدته في السلوك: انطلاقًا من فرضية مفيدة تقول: المجتمع النهضوي هو مجتمع سلوك أفراده نهضوي, والمجتمع المنحط حضاريًا هو مجتمع سلوك أفراده منحط حضاريًا. صار مدار بحثي هو عن طرق تغيير السلوك الحضاري"."

من الطبيعي إذًا, أن يحظى مفكر كمالك بن نبي درس مشكلات النهضة باهتمام محمد شاويش, الباحث في هذه النهضة وشروطها وطرقها. ولكنه درسه بطريقة مختلفة عما تعودنا قراءته عند من تناولوا فكر مالك وكتبه. لأنه رفض التعامل مع مالك على أساس أنه كاتب إسلامي, أو باحث إجتماعي, أو فيلسوف عربي وكفى, بل درس أفكاره ليظهر ما فيها من أمور نهضوية عملية جديرة باهتمامنا, وتفيدنا في وقتنا الراهن, رغم ما يعتري أسلوب مالك وكتاباته من وعورة وسوء تعبير.

وحتى نعرف طريقة محمد شاويش في تناوله لفكر مالك سأتحدث عن كتابه الصادر مؤخرًا عن دار الفكر في دمشق تحت عنوان: (مالك بن نبي والوضع الراهن) .

مالك بن نبي والوضع الراهن

اختار محمد شاويش عنوانًا لافتًا لكتابه الذي قدم فيه مقالات اهتم فيها ببيان"مغزى أفكار مالك بن نبي بالنسبة إلى مشكلاتنا الحالية, وحاول أن يعرض"الوضع الراهن"لأفكار مالك بن نبي في الساحة الثقافية الأيديولوجية العربية"فجعل عنوان كتابه (مالك بن نبي والوضع الراهن) .

وقد أكد الكاتب أنه لا يسعى لتقديم دراسة"محايدة"لنتاج مالك بن نبي، أو دراسة"أكاديمية"تتعامل مع مالك بن نبي تعاملها مع باحث عادي من باحثي علم الاجتماع، أو كفيلسوف حضارة، ولكنه أراد أن يقدم البعد العملي الراهن لمالك بن نبي، ليس فقط"للقارئ العربي"، بل للفاعل النهضوي العربي الذي يعلق عليه الآمال في أن يشرع في نهضة اجتماعية من الأسفل تتجاوز كل العثرات التي أوقعتنا بها النزعة الفوقية للسياسة العربية الموالية والمعارضة بآن واحد. (انظر المقدمة)

وعلى هذا الأساس, لم يقم محمد شاويش بدراسة أفكار مالك بن نبي بطريقة انبهارية منفصلة عن الواقع, بحيث تفقدنا الفائدة المرجوة من هذه الأفكار القيمة, كما تعودنا عند معظم من قاموا بدراسة أفكار مالك بن نبي, ولكنه بحث عن المغزى المستفاد منها, وانتقد بعض هذه الأفكار وعلى رأسها مفهوم مالك الأشهر (القابلية للاستعمار) , فبدأ كتابه بمقال عن (النقد المنطقي لمفهوم"القابلية للاستعمار") . هذا المفهوم الذي اُستخدم بطريقة خاطئة في معظم الأحيان, طريقة تدين المجتمع المحلي إدانة شاملة ولا تقدم أي تحليل إيجابي لهذا المجتمع ولكنها تكتفي بوصفه بصفة سلبية وهي قابليته للاستعمار!.

وقد اتسم نقده لهذا المفهوم بالتحليل والعمق, فبعد أن شرح استعمال مالك بن نبي لهذا المفهوم, قدّم نقده عبر مناقشة منطقية, حتى توصل إلى"وضع التخوم بين الحق والباطل في استعمال المفهوم (قابلية الاستعمار) ".

وكتحية لروح مالك المخلصة, وكمساهمة متواضعة, كما يقول الكاتب, في إعادة بعث الاهتمام بهذا المفكر الكبير, قدّم الكاتب عرضًا مهمًا لشروط النهضة كما وصفها مالك بن نبي في كتبه التي جعلها أبحاثًا في مشكلات الحضارة, وسلّط الضوء على نقاط مهمة منها وخصوصًا عندما تحدث عن المجتمع الفعال والمجتمع غير الفعال.

موقع مالك بن نبي في الفكر الإسلامي المعاصر:

لعل أهم مقال في كتاب (مالك بن نبي والوضع الراهن) برأيي, ذلك المقال الذي بيّن فيه الكاتب (موقع مالك بن نبي في الفكر الإسلامي المعاصر) . ذلك أن الكاتب, بعد أن تحدث عن دور الاستعمار في نشوء الفكر الإسلامي الحديث, عرض لتياري الفكر اللذين ظهرا للتعامل مع الواقع الإسلامي بعد الاستعمار, وهما:"تيار الإصلاح", و"تيار الحركة الحديثة", وأوضح تمييز مالك بن نبي لكليهما وكيف تحدث عنهما وعن تيار"المؤاخاة"الذي يمثله, وفق رأي مالك, حركة حسن البنا.

والمهم برأيي في هذا المقال أن الكاتب بيّن أنه على الرغم من أن مالك يعد عند كثيرين مفكرًا إسلاميًا, إلا أن الإسلاميين أنفسهم لا يقرؤونه قراءة سليمة, هذا إن قرؤوه فعلًا!, لقد بيّن محمد شاويش أن مالك بن نبي يشكل بفكره مدرسة خاصة من مدارس الاتجاه الفكري الإسلامي المعاصر, فطريقته"في طرح مشكلة المسلمين كمشكلة حضارة ودعوته المجتمع الإسلامي للنهوض بعمله الخاص الدؤوب ودون انتظار نيل الحقوق من طرف خارجي هي طريقة قيمة جدًا نحتاج إليها هذه الأيام حين نرى أن من الإسلاميين من يمحور كل نشاطه حول هدف مطالبة السلطة بحقوق أو قوانين ويترك مهمة الإصلاح الاجتماعي مؤجلة بانتظار تطبيق الشريعة الإسلامية! إن مالك بن نبي في رأيي يعلمنا أن تطبيق الشريعة هو واجبنا وعلينا أن نشرع به فورًا في أوسع أبوابه وهو باب بناء المجتمع المتين، لا في أضيق أبوابه وهو باب الجدل العقيم والتركيز على الفرعيات والبحث عن نقاط الاختلاف وليس عن نقاط الالتقاء بين المسلمين!" (مالك بن نبي والوضع الراهن, ص 72) .

ومن المهم أن نذكر أن محمد شاويش قد نبه في مقالات كثيرة, أنه لا يهتم بشعار (تطبيق الشريعة) كحل جاهز من الأعلى يستبدل القوانين السائدة بقوانين الشريعة, وذلك على طريقة الإسلامانيين, كما يسميهم, فهو يعتبر أن هذا الحل هو حل وهمي لن يفيد في نهوضنا, بل على العكس قد يؤدي إلى زيادة الانحطاط, ويستشهد بأمثلة السعودية والسودان وأفغانستان, إنه يرى الحل في دراسة مشكلة الحضارة, كما فعل مالك بن نبي, وفي تغيير السلوكيات الانحطاطية, وهو حل لا يتحقق باستلام السلطة وتغيير القوانين فقط .

أعتقد أن الكلام السابق هو الأمر الأساسي والمهم الذي يجب أن نستخلصه من كتابات مالك بن نبي. لأننا مازلنا حتى الأن في مجتمعاتنا خاضعين لفكرة أفقدتنا الفاعلية المطلوبة, وعطلت ما بين أيدينا من إمكانيات نهضوية وهي فكرة التغيير من الأعلى, من السلطة, فالسعي وراء السلطة على اعتبار أن تغييرها سيؤدي حتمًا للتغيير النهضوي المطلوب, جعلنا نهمل فكرة الإصلاح الإجتماعي, ونتقاعس عن أداء واجباتنا تجاه أوطاننا ومجتمعاتنا, هذا فضلًا عن سيادة تلك النزعة المدمرة في بلداننا وقد أسماها الأستاذ محمد شاويش نزعة (فرط التسيس) حيث أعاقت العمل الإجتماعي, وأنتجت مصائب كثيرة زادت من انحطاطنا ومواتنا الحضاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت