لا شك أن النظرة العلمانية أسهمت في «سوقية الفن» بطريقة فعالة؛ حيث أسقطت الحاجز أو الوازع الديني الذي يجعل رسالة الفن فوق الرغبة في الكسب بأي ثمن، وأسقطت غاية الفن التي هي غاية بنائية تهدف إلى ترميم النفوس المشروخة، وتشجيع الأرواح المكسورة على تجاوز الأخطاء وترسيخ المفاهيم الإيجابية والقيم المضيئة.
إن الفنون الدرامية في عالم اليوم لها تأثيرها الفعال؛ حيث يمكنها أن تصل بسرعة وسهولة إلى غرف النوم وتقدم للمشاهد أفكارًا وقيمًا وسلوكيات يستوعبها ويتشربها بسرعة؛ لأنها تتسلل إليه وهو في حال استرخاء تام، لا يستطيع لها دفعًا..
ومن ثمّ فإن أهمية التزام العمل الفني بروح الدين تضحي ضرورة أساسية في تقديم التصور الصحيح والفكرة الناضجة والقيمة الإيجابية والسلوك المستقيم.
والتصور الصحيح لا يتحقق إلا بمفهوم صحيح لقيم الإسلام وتعاليمه وأفكاره؛ لأن الإسلام يختلف عن الشرائع الأخرى والأديان الوضعية.
فإذا كانت بعض الشرائع والأديان تبيح ما لا يبيحه الإسلام فهذا ليس ملزمًا للفن الإسلامي. هناك من الشرائع والأديان والعقائد الوضعية ما يبيح النظرة المزدوجة للإله أو الوثنية، أو ما يجعل العلاقات البشرية تقوم على العنصرية أو الطبقية أو الاستغلال، وهذا لا يمكن قبوله أبدًا في الإسلام.
لا شك أن العلمانية من خلال الدراما تفكك المجتمعات، وتفكك الأديان وتحقّر القيم الطيبة، وتعلي من شأن القيم السلبية، وتؤسس لمجتمعات الغابة بما فيها من مكر وخديعة وتوحش.. وهذا كله مخالف لمنهج الإسلام.
البيان: لو أخذنا فلسفة الفن خلال نصف القرن الماضي نموذجًا لتبين لنا مدى التجني والخبث العلماني في التدرج نحو هذا التفكيك.
? د. حلمي القاعود:
إذا نظرنا إلى ما يمكن تسميته بفلسفة الفن عبر نصف قرن مضى فسوف نجد أن هذه الفلسفة تنحصر في عدة نقاط، لعل أبرزها ترسيخ النموذج الأوروبي، وتأييد الثقافة الشمولية الاستبدادية، والتأكيد على تقويض المشروع الإسلامي.
وليس من شك أن النموذج الأوروبي بوصفه النموذج الأقوى المنتصر على بقية شعوب العالم، جعل الفنون الدرامية تلهث وراء الاحتفاء به وتقديمه بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من خلال رؤاه وتطبيقاته، وعاداته وتقاليده، بل وتقاليعه في الزي والسلوك والعلاقات البشرية؛ ولسوء الحظ فإن النموذج الغربي الذي تعد أوروبا خير مثال له، خرج من الحرب العالمية الثانية فاقد الإيمان، محطم الروح الدينية، وإن كانت روحه الصليبية أو الإلحادية لما تزل قوية للغاية، فقدم للعالم وهو المنتصر العديد من النظريات والتصورات التي تصب كلها في خانة المادية والفردية والعنصرية والاستعلاء مما دعم التوجه العلماني بصورة غير مسبوقة في الغرب؛ لدرجة السماح بحقوق الشواذ جنسيًا في بعض البلدان والاعتراف بزواجهم من نظرائهم، وقامت السينما بالتعبير عن ذلك صراحة ومباشرة في العديد من الأفلام.. وكذلك المسرح والمسلسلات التليفزيونية.
وإذا كان علماء الاجتماع يذهبون إلى أن الضعيف أو المهزوم يتأثر بالمنتصر أو القوي، ويسعى إلى تقليده، فإن الفن الدرامي في البلاد الإسلامية تأثر إلى حد كبير بالنموذج الأوروبي أو الغربي وقلده في كثير من تصوراته وتطبيقاته، لدرجة أن صورة المنزل الإسلامي في معظم الأفلام العربية ـ مثلًا ـ لا تخلو من «بار» أو ركن لتقديم الخمر وشربه، كما أن معظم البيوت الإسلامية في هذه الأفلام لا تجد غضاضة في الرقص المختلط على أنغام الموسيقى الأجنبية.
وهذا التقليد أو هذا «التأورب» الذي صنعته الدراما العربية جعل من تأييد الثقافة الشمولية الاستبدادية أمرًا يبدو طبيعيًا؛ فقد انتفت من وجدان القائمين على الفنون الدرامية المرجعية الإيمانية أو الإسلامية؛ مما جعل مناصرة الطغيان والاستبداد والظلم تبدو مسألة عادية لا تثير شبهة أو ريبًا.
وإلى جانب هذا فقد عرفت المنطقة العربية ألوانًا من النظريات والرؤى التي تعارضت مع الإسلام وتصوراته، ودعا لها أصحابها بقوة السلطة والسلاح، وسخرت لها أجهزة الدعاية والمؤسسات الثقافية التي تحتكرها الدولة عادة، ومن ثم وجدنا ترويجًا لهذه النظريات والمذاهب التي تقوم على مرجعية علمانية لا تضع في حسبانها أية أهمية بالنسبة للدين.
صحيح أنه كانت تبرز بين الحين والحين معارضات خافتة حينًا، وحادة في بعض الأحيان لمثل هذه الطروحات، ولكن الإلحاح عليها، وتقديمها في أطر غير مباشرة في أحيان كثيرة جعل وجودها يبدو أمرًا طبيعيًا، مما أخمد روح المقاومة، ووجه اهتمامات الناس إلى ما يمكن تسميته بالإشباع المادي وحسب، والابتعاد إلى حد كبير عن المطالبة بالإشباع الروحي.
ومن ثم فإن تقويض المشروع الإسلامي لإنهاض المجتمعات العربية والإسلامية كان غاية رئيسة في الأعمال الدرامية، بل وصلت الأمور إلى التشهير بالرموز الإسلامية، وتصويرها على أنها العائق الأول والأساسي في عمليات النهضة والتحديث.
الشخصية الإسلامية في الأعمال الدرامية غالبًا ما تأتي نقيضًا للشخصية العلمانية؛ فالأولى يرمز لها عادة بالمأذون ومدرس اللغة العربية وإمام المسجد والدرويش والمتدين الملتحي، وتجعل منها في الأغلب الأعم شخصيات فصامية، أي تقول غير ما تفعل، لها ظاهر يبدو براقًا وباطن خبيث، هي طيبة في الشكل شريرة في المضمون، وفي أحسن الأحوال فهي شخصية ساذجة بلهاء أو أنانية انتهازية لا تراعي الذوق العام ولا السلوك المتحضر.
في المقابل تمثل الشخصية العلمانية الإباحية المتحررة صورة جميلة في الشكل والمضمون معًا، يرسمها المخرج بصورة تجعلها محبوبة من الجمهور أو يرتاح إليها الجمهور، ويتعاطف معها حتى في انحرافها وسلوكها غير الطبيعي أو القانوني، علاقاتها غير الشرعية أو غير القانونية تبدو مسألة مبررة وسائغة، وتركز معظم الأفلام على فكرة الإشباع دون مراعاة لمفهوم الحلال أو الحرام؛ ومن ثمّ فالبطل الذي يمارس علاقات محرمة لا يشعر بأي تأنيب للضمير أو إحساس بالإثم؛ لأن الأمر في مفهومه عادي وطبيعي ولا حرج فيه، وقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين حملة درامية عنيفة ضد الإنسان المسلم، وتم تصويره في حالة مشوهة ومنفرة تثير السخط والغضب؛ حيث بدا أفاكًا ودمويًا ولصًا وانتهازيًا وعدوًا للفرح والبِشر!
لقد كان يمكن للفن لو أنه وضع رسالته الحقيقية في الحسبان، أن يساعد على تنشئة أجيال واعية بماضيها وحاضرها، ومستعدة لمواجهة المستقبل وفقًا للتصور الإسلامي الناضج، ولكنه للأسف الشديد بدلًا من ذلك صاغ شخصيات مجوفة، خاوية من العقيدة والانتماء والاتزان.. صحيح أن بعض الأعمال يمكن إدخالها في السياق الإيجابي، وخاصة ما ارتبط بالدراما التاريخية والشخصيات الساطعة، ولكنه في المجموع العام وفي مجال الأفلام السينمائية التي ساعد التليفزيون على عرضها وانتشارها حدث تشويه عام للشخصية الإسلامية، وتنفير منها، وازدراء لها، ثم كانت الطامة الكبرى بتشويه الإسلام نفسه وعَدِّه قرينًا للإرهاب والظلام والجمود والتشدد والتخلف ومعاداة التطور والحضارة.