فهرس الكتاب

الصفحة 2074 من 3028

ولأن الفن قد نشأ حين نشأ في أحضان الوثنية اليونانية القديمة فهو لا يعرف للدين منهاجًا وإذا عرف الدين فيعرفه في الآلهة وأنصاف الآلهة: آلهة الريح وآلهة المطر وغير ذلك، ولهذا فهو يحمل ظلالًا مشوهة وانقضاضًا على الأديان منذ أن كان فنًا يونانيًا قديمًا في ظلال المسرح، ومنذ أن أصبح فنًا سينمائيًا في أحضان الماركسية. والماركسية هي الصيحة الثائرة للصهيونية، كما أن أهم ركائز الفن ـ وهو التمويل ـ كان أيضًا صهيونيًا، والفن السينمائي المعاصر نَبَتَ من أحضان ماير روتشيلد وإخوته فمولوه تمويلًا مسمومًا صهيونيًا منذ نشأته إلى أن انتهى إلى هوليود التي أصبحت تُدخل إلى ساحتها من شاءت. كما أننا لو نظرنا إلى بذور الفن الأولى في مصر على وجه التحديد لوجدناهم إما يهودًا وإما متهودين سواء في التمويل أو في الإخراج.

والفن بالمعنى المطلق لا يمكن الحكم عليه حتى يتحيز ويتشكل، ونحن نرى هنا أنهم حين صنعوه ووضعوا له أطرًا أصبحت كمسلَّمات تقعيدية هُيِّئ للكثيرين أنه لا يصلح إلا بهذا النجس.

البيان: إذن يمكننا التفريق بين مفهومين للفن: أحدهما لغوي وضعي مرتبط بالبراءة الأصلية هو كالمعنى المطلق، والآخر واقعي مرتبط بالممارسة القائمة التي قدمتها العلمانية ونظّرت لها وقعّدت، وهو أشبه بتحريف لهذا المطلق، والعلاقة بينهما علاقة ما بين الواقع والمثال. ونظرًا لابتعاد الواقع عن المثال وطغيانه عليه في ظل الممارسة العلمانية نود أن نكشف طرفًا من التزييف العلماني باسم الفن، ونبين لماذا الفن بالذات؟

? د. إبراهيم الخولي:

الفن من حيث هو سلاح يتوقف أثره على هدف من يستعمله، وعلى القذيفة التي يطلقها من خلاله، والعلمانية حين تختار الفن وتوظفه فإنها تعرف غايتها وطريقها والوسيلة الصحيحة لتحقيق أهدافها، وحين قال ماركس: «الدين أفيون الشعوب» كان يدرك الأثر الحقيقي للدين في نفوس البشر.. أدرك هذا جيدًا وحاول أن يقصي الدين لما له من تأثير على نفوس البشر.. لا يستطيع ماركس بهُرائه الذي زعمه فلسفة أن ينال من نفس مؤمنة مهتدية بدين الإسلام؛ فكانت المعركة ضد الإسلام لإزاحة العائق أولًا، فإذا ما انتهت من هذه الحصانة والمناعة التي يهبها الدين للنفس أمكن غزوها وأمكن وأمكن...

الأثر النفسي للدين يقترب منه الأثر النفسي للفن دون تشبيه، والفن مخدر للنفس، وظيفته الأولى تخدير عقل المتلقي ليستقبل الرسالة التي يحملها الفن وهو مستسلم سلبي قابل دون أدنى مقاومة، وهنا نفهم لماذا هذه الحشود التي يصطنعها الفن من مؤثرات صوتية وبصرية، وحشد لعناصر قد لا يحتاج الأمر لشيء منها مثل عنصر المرأة.. الموسيقى.. الرقص.. كل هذا يحشر حشرًا؛ مع أن النقاد والمتخصصين يرون أن هذا العنصر أو ذاك لم يكن له مكان في هذه الأعمال سواء كانت مسرحية أو دراما أو تراجيديا، ومع هذا يصر المخرج على إقحامه؛ لأن هذه العناصر هي التي ستزيل كل العوائق وتفتح كل المنافذ ليصل الفن برسالته المراد إيصالها إلى النفس وهي في موقف السلب.

ولو أنا أخذنا المضمون نفسه في صورة كتاب يقدم أفكارًا عارية ومباشرة، أو في صورة رواية أو في صورة رؤية أو عرض فلسفي لما كان لها عشر معشار هذا التأثير، لكن لما استعان بالأساليب الفنية، وتلاعب بعقل الإنسان فخدَّره.. وبخياله فأطلقه.. وبعاطفته فاستثارها.. وبغرائزه فأيقظها، استطاع أن يسيطر عليه فأصبح كالمنوم مغناطيسيًا يؤثر فيه ويوحي إليه بما شاء وهو قابل سلبي كأنما عدمت إرادته عدمًا كاملًا.

هناك إشكالية لا بد من الانتباه إليها من حيث مفهوم الفن، وهي أن كثيرًا مما يندرج اليوم تحت مسمى الفن هو مندرج من جهة الشرع عندنا ضمن دائرة الحظر. بل للأسف الشديد أن أول ما يدخل في دائرة الحظر عندنا هو أول ما يتجه إليه غيرنا باسم الفن، وهذه مناقضة أساسية لا بد أن تكون في تقديرنا لهذا الأمر.

? د. حلمي القاعود:

الإسلام لا يرفض الفن الذي يرقى بالإنسان ويهذب غرائزه ويحض على المثل العليا ويحبب إليه الدفاع عن عقيدته ونشرها بين الناس وتوضيح معالمها وآفاقها.. ولكنه يرفض ـ بالطبع ـ تلك الصورة الشائهة التي تقدمها بعض الجهات في الدول العربية والإسلامية تحت مسمى «الفن» ؛ فهذه الأعمال الرخيصة لا تدخل ضمن الإطار الفني بقدر ما تدخل في الإطار التجاري الذي يسعى إلى الكسب الحرام.. وقد أصبح مألوفًا مثلًا لدى الجمهور العادي أن هذا المخرج أو ذاك يسعى لكسب المشاهدين عن طريق الإثارة، سواء كانت هذه الإثارة بوسيلة كلامية عن الجنس، أو عن طريق استخدام الأجساد العارية لراقصات أو ممثلات تجذب الشباب المراهق أو المنحرف، فضلًا عن العنف الذي يقدم في الفيلم أو المسرح أو التليفزيون من خلال مشاهد القتل أو السطو أو المعارك أو الصدام مع الشرطة أو غير ذلك.

ولا شك أن هذه النوعية التجارية تمثل انحرافًا واضحًا برسالة الفن الدرامي الذي يخاطب شريحة ضخمة من المشاهدين من مختلف الأعمار والطبقات والفئات، وخاصة بعد ذلك الانتشار الهائل لأجهزة التليفزيون، وتوفر أجهزة الالتقاط للمحطات التليفزيونية من أنحاء العالم كافة.

? أ - محمود خليل:

هناك إيضاح بسيط بخصوص كلام أستاذنا الدكتور الخولي حول كون الفن المعاصر ولا سيما المرئي يجعل المشاهد في حال غيبوبة، وهو إن جاز التعبير، فإن المغيب لا يفعل ولا يؤثر، لكن أنا أرى أنه يعيش حالة استلاب؛ لأنهم لا يريدون تغييبه فقط، ولكن الفن المعاصر يريد أن يحتله احتلالًا لحظيًا ليصنع منه كائنًا فاعلًا ولكن لخدمة أهداف بذاتها، ولذلك يقولون: إن أحدث وأصح وسائل الاتصال هي التي لا تتحدث إلى الآخرين وإنما تتحدث معهم، فهو يجعل منه دائرة اتصال فاعلة حية نابضة ينتظر منه فعلًا موجبًا فيما بعد، وإلا لو كان تغييبًا لانتهى عند هذا التخدير والمخدر لا يصنع ولا يتحرك.

? د. حلمي القاعود:

يلاحظ أن الإسلام في فنونه يهتم بالتجريد، وغيره يهتم بالتجسيم، وهذا الفارق مهم جدًا؛ لأن الفنان المسلم يهدف إلى قيمة بالدرجة الأولى، أما الفنان غير المسلم فيهدف في الغالب إلى منفعة والفارق بين التوجهين كبير على مستوى النظرية والتطبيق معًا، وإذا عرفنا أن «البراجماتية» ـ أي المذهب النفعي ـ أساس من أسس «العلمانية» أدركنا مدى سطوتها في الترويج للقيم النفعية التي لا تضع في حسبانها الدين، أي دين، وما يفرضه من مبادئ خلقية خيّرة.

ومن هذا المنطلق نجد أن الانحراف بالفن أو الفنون عامة جاء من قبل الدول والمؤسسات العلمانية التي أباحت لنفسها حق اللعب بغرائز البشر، واسترقاق المرأة لتتعرى في الأفلام والمسرحيات والمسلسلات، وتمارس الجنس بلا حياء، وتعيش أو تمثل حياة الحيوانية في أحط دركاتها.

إن الغاية تسوِّغ الوسيلة في المنهج العلماني؛ ولذا نجد اللصّ الذي يكسر خزائن البنك ليسرقه، ويتغلب على جهاز الشرطة الذي يحاصره أو يطارده، ويطيح بإشارات المرور، ويمضي قدمًا بما سرق حتى يعبر الحدود الدولية ظافرًا، وينتهي الفيلم واللص بابتسامة عريضة تصنع أو تهيئ لقبول التعاطف مع اللصوص الأذكياء الذين يظفرون بالفريسة ولا يخسرون شيئًا (ترى هل صورة اللص هنا ترمز إلى الاستعمار بهدف تحسين جرائمه؟) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت