فهرس الكتاب

الصفحة 1214 من 3028

إنّه إذا انتشَرَت مثلُ هذه القناعاتِ المريضة فإنّما تدلّ على هزيمةٍ نفسيّة لدى أصحابها، ومتى جاسَت خلالَ صفوفِ ناشئةِ الأمّة وأجيالها فماذا عسَى أن يبقَى للمؤسّسات التربويّة في المجتمع؟! وإلى أين يتّجه مصير التربيّة الإسلامية والوطنيّة التي تحفَظ وَحدةَ الفكر والثقافةِ ووَحدة النسيجِ الاجتماعيّ المتميِّز كعامِلٍ من أهمّ عوامل الأمن الفكري؟!

لقد أوجَدَ الغزوُ الثقافيّ مناخًا يتَّسِم بالصراع الفكريّ الذي يجرّ إلى نتائجَ خطيرةٍ وعواقبَ وخيمة على مقوِّمات الأمّة وحضارتها، وكان من نتيجةِ ذلك أن تُسمَع أصوات تتَعالى عبرَ منابرَ إعلاميّةٍ متعدّدة تدعو وبكلِّ بجاحةٍ إلى التخلّي عن كثيرٍ من الأمور الشرعية والثوابِتِ المرعيّة والمعلومَةِ من دين الإسلامِ بالضّرورة، خاصّةً في قضايا المرأة.

لقد شَنّوا الحربَ على الحجاب، وطالبوا بإلغاءِ قوامةِ الرّجل وولايتِه عليها، ودعَوا إلى الاختلاط في التعليمِ وميادينِ العمل بدعوَى الحرّيّة والمساواة، ولقد أسهَم الإعلامُ المفتوح لا سيّما الفضائيّ منه في إذكاءِ نارِ الخلَل الفكريّ وتفنَّن في جذبِ الأنظار والتأثيرِ على الرأي العام، ممّا جعل أمنَ الأمّة الفكريّ عُرضةً للاهتِزاز ومهبِّ الأخطار.

لقد أوحَت هذه الفضائياتُ وشبكاتُ المعلوماتِ للناظرين وكأنّ هذه الدنيا أصبَحت هدفًا للفوضَى الفكريّة والأخلاقية ومسرحًا للضّياع في مَباءات الإغراءات والإباحيّة، ممّا لا يحكمه دينٌ ولا قِيَم ولا يضبِطه خُلُق ولا مُثُل، وقَنوات أخرى لا تفتَأ في إذكاءِ نار الفتنة بين الرعيّة والرّعاة بدعوَى الإصلاح زعمَوا، وأُخرى بدعوَى الإثارة والبلبَلة تدعوا الموتورين إلى أن تكونَ مِنبرًا لهم حيث لا منبرَ لهم، وهكذا منتدياتُ الفضائح والمثالب والطّعون والمعائب، أوَليس ذلك كلُّه مدعاةُ إلى أن تولي الأمّة الأمنَ الفكريَّ جُلَّ اهتمامها، وذلك يكون أولًا وقبلَ كلِّ شيءٍ بتقويَةِ وازِعِ الدّين في النفوس وإذكاءِ جَذوةِ الإيمان وتقوِيَته، الَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ [الأنعام:82] ، وإعزازِ جانب الدّين والكفِّ عن الوقيعةِ في المتديّنين والصالحين، وإعزازِ جانبِ الأمر بالمعروف والنهيِ عن المنكر لِما يمثِّلُه من طوقِ أمانٍ في الحِفاظ على الأمن الفكريّ، ومن يتعرَّف على الجهود المباركة التي تُبذَل في المؤسّسات الدعَويّة والأروقةِ الاحتسابيّة يجدِ الدورَ الكبير الذي يبذُله دعاةٌ صادقون ومحتسِبون مبارَكون في الحفاظ على الأمنِ الفكريّ للأمة، الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِى الأرْضِ أَقَامُواْ الصلاةَ وَاتَوُاْ الزكاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:41] .

سدّد الله الخطى، وبارك في الجهود، وأخذ بالأيدي إلى مواطن الصلاح والتوفيق، ونفع بالأسباب، وحفِظ للأمّة أمنَها وأمانها عامّة وأمنَها الفكريَّ خاصّة، إنّه خير مسؤول وأكرمُ مأمول.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافّة المسلمين من كلِّ خطيئة وإثم، فاستغفروه وتوبوا إليه، فيا لَفوز المستغفرين، ويا لَبُشرى التائبين.

الخطبة الثانية

حمدًا لكَ اللهمّ حمدًا حمدًا، وشكرًا لك يا الله شُكرًا شكرًا، أحمد ربِّي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفِره، وأذكره ذكرًا ذكرًا، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له شهادةً ندِّخرها ليوم المعاد ذُخرًا، وأشهد أنّ نبيّنا محمَّدًا عبد الله ورسوله أشرفُ الخليقة طُرًّا، صلّى الله عليه وعلى آلِه وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أمّا بعد: فاتّقوا الله عبادَ الله، وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281] ، واعلَموا أنّ أصدقَ الحديث كتاب، وخير الهدي هدي محمّد ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة، فإنّ يدَ الله مع الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.

أيّها الإخوة في الله، وأبناءُ الأمة وشبابها وطلاّبها يدلُفُون إلى عامٍ دراسيّ جديد حافِلٍ بجلائِلِ العلوم والمعارف فإنّه ليس بغنيٍّ عن التذكيرِ بأهمّيّة العلمِ الصحيح في الحفاظِ على أمنِ الأمّة الفكريّ، مع تذكير إخواننا المدرِّسين وأخواتنا المدرِّسات بأهمّيّة الرسالة الملقَاة على عواتِقِهم في تربيةِ فلَذات الأكباد وثمرَات الفؤاد والحفاظِ على أمنِهم الفكريّ ومعالجةِ الانحرافات الفكريّة واللّوثات الأخلاقيّة التي قد توجَد لدى بعضهم. فالمساجِد والبيوتُ والمدارس ووسائل الإعلامِ كلُّها قنواتٌ ينبغِي أن تكونَ قِلاع أمنٍ فكريّ وحصونَ أَمانٍ توعويّ، تتهاوى أمام قوّةِ رسالتِها وعظيم تأثيرِها سهامُ الخلَلِ الفكريّ.

كما أنّ الحاجةَ ملحّةٌ إلى وضعِ الضوابط الحازمة للمطبوعاتِ والمنشورات والوقوفِ بحزمٍ ضدَّ تيّارات الغلوّ والغلوِّ المضادّ وتعويدِ أبنائنا لغةَ الحوار وإشاعة ثقافةِ التسامُح والوئام وتَرسيخ منهجِ الوسطيّة والاعتدال.

لا بدّ من العنايةِ بتصحيح المفاهيم وضبطِ المصطلحات الشرعيّة وتنقيَتِها مما خالطَها من المصطلحات المغلوطةِ والمشبوهة، والتصدّي لكلِّ دعوات الانفتاحِ غيرِ المنضبط والتحرّر اللاّمسؤول والسّير وراءَ مصطلحات الغَير واجترارِها على حساب خصوصيّتنا الثقافيّة ومميِّزاتنا الفكريَة.

والدّعوةُ موجّهة إلى كلِّ مَن بوَّأَه الله للولايةِ واتِّخاذِ القَرار في أيِّ ثَغر من ثغورِ الأمّة إلى الاضطِلاع لمسؤوليّاتهم في ذلك، فلم يعدِ الأمر مسؤوليةَ رجال الأمنِ وحدَهم، بل كلٌّ على ثغرٍ من ثغور الإسلام، فاللهَ اللهَ أي يؤتَى الإسلام من قِبَله.

لقد آن الأوان أن تقومَ مراكز البحوثِ والدراسات وأن تُكوَّن هيئاتٌ عليا بمختَلِفِ التخصّصات لرصدِ كلِّ ما يهدِّد أمنَ الأمة الفكريّ ووضعِ آليّاتِ العمَل المدروسة مع التنسيقِ مع الجهات ذاتِ العلاقة للحِفاظ على أمن الأمة الفكريّ.

وهنا كلمةٌ حقٍّ لا بدّ أن تروَى فلا تطوَى، وهي الإشادةُ بالدّورِ الرائد الذي تضطلِع به بلادُ الحرمين حرسَها الله في حراسة وتعزيزِ جانبِ الأمنِ الفكريّ في الأمّة، فلها فيه القِدح المعلَّى والدّور المجلَّى. وهي مع ما تواجِهه من زوابعَ وحملاتٍ دعائية ومُعادية مصمِّمةٌ بإذن الله على السّير في طريقها، كيف وهي تقِف في خطِّ الدّفاع الأوّل وجهَ التحدّيات المعاصرة بما تقدِّمُه من صورةٍ مشرِقة عن حضارةِ الإسلام العريقة على الرّغم من دعاوَى منظَّمات حقوقِ الإنسان الزّائفة وتعرُّضها لدعاوَى الإرهاب، إنها ثِقة عالِية بمقوِّمات راسِخة وهويّة واضِحة ترفُض التّبعيّة ولا تستسلِم للضغوطِ، فلا تنسَى الماضيّ العريق، وتعمَل للحاضِر المشرِق، وتستشرِف آفاقَ المستقبَل الواعِد بإذن الله، حفِظَها الله وحفِظ بلادَ المسلمين من كيد الكائدين وحِقد الحاقدين، وأدامَ عزَّها وأمنَها منارًا للإسلامِ وقِبلةً للمسلمين ولو كرِه الحاقدون الحاسِدون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت