فهرس الكتاب

الصفحة 2463 من 3028

والمسجد، بمثل هذا الشمول والسعة، يشغل مساحة واسعة من حياة الناس، ويعد واحدا من اهم الجسور التي قامت،في تاءريخ الانسان، بعملية نقل القيم والافكار من جيل الى جيل. ومن اهم المعاقل التي استطاعت ان تحفظ لنا تراثنا من الضياع والانحراف ولا سيما في السنوات العجاف الطويلة التي تعرضت فيها جسورنا وقلاعنا الحضارية لضربات قوية من قبل العدو. فقد حافظ المسجد، خلال هذه السنوات العجاف، على استقلاله، ولم يتمكن العدو من مصادرة هذه المؤسسة وتطويقها وحرفها عن رسالتها. وكان المسجد، في هذه المعركة، آخر قلعة من قلاعنا الحضارية التي قاومت حركة التغريب، ولو كان يتاءتى لهذه الانظمة والمؤسسات الخاضعة لسلطان الغرب ان تضع يدها على المساجد ورافدهامن الحوزات العلمية الاسلامية لم يسلم لنا من عبثهم وافسادهم شيء.

نسف الجسور هذه هي اجمالا الجسور الثلاثة التي تنتقل عليها حضارتنا من جيل الى جيل، والتي تربط حاضرنا بماضينا، وتربطنابجذورنا الحضارية العميقة، ولولا هذه الجسور لانقطع حاضرنا عن ماضينا، انقطاعا تاما، وتحولت الامة من اءمة ممتدة في التاءريخ، ذات حضارة واصالة وعمق، مستقرة في الارض، الى نبتة مجتثة من فوق الارض ما لها من قرار، ومن شجرة اصلها ثابت وفرعها في السماء، الى نباتات طحلبية تنبت هنا وهناك، ثم تموت كما تكونت، وبقدر ما يحرص الاسلام على سلامة هذه الجسور الثلاثة وفاعليتها في حياة الامة، فان اجهزة الاستكبار العالمي تخطط لتقطيع هذه الجسور في حياة اءمتنا وتعطيل اءدوارها. وبامكاننا اءن نقول ان الصراع السياسي في المرحلة الاخيرة من حياتنا، بيننا وبين الكفرالعالمي، كان يدور حول محور قطع هذه الجسور ومدها.

بين الحداثة والقديم، ام بين الانقطاع والاتصال؟ لقد حاول الاستكبار وعملاؤه، في العالم الاسلامي، من الحكام والمفكرين، ان يصوروا هذا الصراع على انه صراع بين «القدم» و «الحداثة» . لكن الحقيقة شيء آخر، فلم يكن الصراع على القديم والجديد، وانما كان الصراع على «الانقطاع» و «الاتصال» . لقد كان الاستكبار العالمي يعمل لقطع هذه الامة عن ماضيها وجذورها التاءريخية، ولنسف الجسور التي تربط حاضر الامة بماضيها. وكان المخلصون الواعون، من ابناء الامة، يدركون عمق هذه المؤامرة ويحرصون على ان يبقى حاضرنا مرتبطا بماضينا وتراثنا وجذورنا في التاءريخ. وكان هذا الصراع قائما في كل مكان: في المدرسة، وفي الجامعة،وفي الشارع، وفي الفن، وفي الادب، وفي المصطلحات، وفي الاعراف، وفي اللغة، وفي الخط، وفي الشعر، وفي المعاشرة، وفي الاسرة، وفي طريقة التفكير، وفي لغة التخاطب، وفي اشياء كثيرة اءخرى في حياتنا.

التخريب الحضاري ونتساءل: لماذا كان الاستكبار يعمل بهذا الاتجاه التخريبي في حضارتنا؟ وهذا سؤال وجيه.. فان مخطط ي اجهزة الغزو الاستكباري لم يكن يهمهم من امر حضارتنا شيء، ولم يكن يهمهم ان يطرحوا بديلا لهذه الحضارة. ولم يكونوا رسل حضارة الينا ليفكروا في تخريب حضارة واقامة اءخرى مكانها، وانما كانواطلاب مال ولذة، وجباة الذهب الاصفر والاسود. وكل من يعرف الغرب والشرق يعرف هذه الحقيقة بلا مناقشة.ونتجاوز الان اولئك السذج الذين يتصورون ان للغرب الراسمالي او الشرق الاشتراكي دورا انسانيا في حياتنا.

فما هي مصلحة الغرب والشرق في التخريب الحضاري في حياتنا وفي هدم الجسور واستئصال الجذور؟ ان القضية، في راينا، لها ايضا علاقة بجباية الذهب الاصفر والاسود. ولابد لذلك من شرح وايضاح:

ان الجذور الحضارية تمنح الامة مناعة ضد الغزو، اي غزو، سواء اكان غزوا عسكريا ام فكريا ام سياسيا، ام غزوا للابتزازالمالي او للاستئصال الحضاري. وهذه خاصية العمق الحضاري في الامة، فما دامت الامة مرتبطة بماضيها وحضارتهاومستشعرة بشخصيتها التاءريخية والحضارية فهي تقاوم الغزو والاحتلال والاستغلال، وتقاوم النفوذ السياسي والفكري الاجنبي مهما كان.

ولقد جاء الغرب الى العالم الاسلامي لفرض سلطانه ونفوذه على المسلمين، وليقوم بغارة واسعة على العالم الاسلامي،وهو يعلم ان في هذه الامة مناعة ضد كل اجنبي دخيل على الامة، وضد كل نفوذ وسلطان دخيل عليها، ويعلم ان مصدر هذه المناعة هو دين هذه الامة وحضارتها، ولا يمكن ان يضعوا ايديهم على كنوز هذه الامة وثرواتها الطبيعية قبل ان يضعوا ايديهم على عقول ابنائها، ولا يمكن ان يفتحوا الطريق الى ثروات المسلمين قبل ان يقطعوا علينا الطريق الى حضارتنا ورسالتنا وتراثنا.

لقد عرف المخططون للاستكبار هذه الحقائق جميعا، حقيقة بعد اءخرى، وتوجهوا بكل جد واهتمام لعلاج هذه المشكلة ومصادرة هذه المناعة والمقاومة.

التعويم الحضاري واذا حدث هذا التعويم الحضاري، وتحولت الامة من حالة الانتماء الحضاري الى حالة اللاانتماء، فلا تبقى في الامة مناعة او مقاومة، ولا يخشى، بعد، على مصالح الاستكبار ومراكز نفوذه في العالم الاسلامي على امد طويل من الزمان،ومن ثم يسهل النفوذ في هذه الامة، وفرض كل الوان السيطرة والسيادة عليها، ووضع اليد على ثرواتها واراضيها وبرهاوبحرها.

ولكي يتم تفريغ هذه الامة من كل محتواها الحضاري والرسالي، وبترها عن ماضيها وتراثها وحضارتها، بترا كاملا، لابدمن قطع هذه الجسور التي تربط الحاضر بالماضي، والامة بتراثها وحضارتها.

وانطلاقا من هذا التصور توجه الاستكبار العالمي باتجاه قطع هذه الجسور ونسفها وقطع الحاضر عن الماضي.

وهكذا كانت فصول الماءساة في حياتنا السياسية والحضارية المعاصرة.

معالم حركة التغريب او التخريب الحضاري وارى من المفيد ان ارسم هنا معالم حركة التغريب، او الاستئصال الحضاري بشكل اوضح، ليكون هذا الجيل - جيل الثورة - على بينة من المخططات الرهيبة التي كان يجري تنفيذها من قبل الغرب، بشكل خاص، في العالم الاسلامي في هذه الفترة من الزمان.

لقد كان هم الغرب الاكبر انهاء وجود الدولة العثمانية في العالم الاسلامي والقضاء عليها قضاء كاملا، فقد كانت الدولة العثمانية، ورغم كل نقاط الضعف الظاهرة عليها، محورا سياسيا وعسكريا واقتصاديا قويا في المنطقة يحول دون تحقيق مطامع الغرب في العالم الاسلامي.

وتم للغرب اسقاط الخلافة العثمانية بصورة نهائية، في سنة 1342 - ه/1922 م، بعد ان تم انهاكها واستهلاكها وتحجيمها،حتى اصبح الخليفة لا يملك من اءمور الخلافة والدولة شيئا غير صلاة الجمعة وخطبتها وقصره وحاشيته.

واستراح الغرب عند ذلك، وتنفس الصعداء، وخلت الساحة السياسية في المنطقة الاسلامية من وجود قوة ذات نفوذواسع في المنطقة الاسلامية.

وعند ذلك، اخذ الغرب يصعد حركة التغريب والاستئصال الحضاري في المنطقة الاسلامية بصورة واسعة، وقد كانت هذه الحركة قائمة في العالم الاسلامي من قبل، ولكنها تصاعدت بشكل ملفت للنظر، وعلى كافة الاصعدة، بعد سقوط الدولة العثمانية.

الحكام الذين دعموا حركة التغريب في هذه المرحلة التي شارفت سقوط الدولة العثمانية، وتلك التي تلتها، نرى على المسرح السياسي حكاما وانظمة، في العالم الاسلامي، تتجه بشكل واضح باتجاه فصل العالم الاسلامي عن جذوره الحضارية، وربطه بالغرب والحضارة الغربية، تحت شعار «التجديد» و «الحداثة» و «التطور» و «التقدم» ، ونذكر من هؤلاء الحكام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت