ومعنى ذلك أن العالم يؤمن بوجود شيء غائب بمجرد ظهور نتائجه وآثاره ، فكل حقيقة نؤمن بها تكون دائما (فرضا) في أول أمرها إلى أن نكشف حقائق جديدة تدعم صدقها فنزداد يقينا بها. حتى نبلغ اليقين: وإذا لم تؤيدها الملاحظات اللاحقة تخلينا عنها. ومن أمثلة هذه (الحقائق) : حقيقة (الذرة) التي لا سبيل إلى إنكارها برغم أنها لم تشاهد قط بالمعنى المعروف ، ولكنها تعتبر أكبر حقيقة علمية كشفت في هذا العصر. وهذا هو السبب الذي دفع أحد العلماء أن يعرف (النظريات) العلمية بالألفاظ التالية:
(النظريات صور ذهنية تفسر القوانين المعلومة) .
حقيقة النظريات العلمية:
وإن الحقائق التي تعرف في العلم باسم (الحقائق الملحوظة) ليست بحقائق شوهدت فعلا وإنما هي تفسيرات لبعض المشاهدات ، لأن المشاهدة الإنسانية لايمكن أن توصف بأنها (كاملة) ولذا فإن جميع هذه التفسيرات تعد (إضافية) ومن الممكن أن تتغير بتطور الملاحظة.
ويقول البروفيسور سوليفان بعد نقد وجهه إلى النظريات العلمية:
(هذا العرض للنظريات العلمية يثبت أن معنى(نظرية علمية صحيحة) أنها (فروض عملية ناجحة) Successful Working Hypothesis ، ومن الممكن تماما أن يكون سائر النظريات العلمية باطلا ؛ ذلك أن النظريات التي نعتبرها اليوم (حقيقة) ليست إلا (قياسا على وسائلنا المحدودة للملاحظة) ولاتزال قضية الحقيقة في عالم العلم (قضية عملية نفعية Pragmatic Affair) . (44)
ولا يزال العلماء بعد هذا يعتبرون أن الفرض الذي يفسر ملاحظاتهم لا يقل في قيمته عن (الحقيقة الملحوظة) نفسها فهم لا يستطيعون أن يقولوا: إن الحقائق الملحوظة هي وحدها ( العلم) ، وإن ما سواها من النظريات الشارحة لا تدخل في نطاق (العلم) لأنها غير ملحوظة . . والحق أن هذا هو ما نسميه (الإيمان بالغيب) وهو بالنسبة إلى المؤمنين ليس سوى الإيمان بحقائق غير ملحوظة فهو ليس بعقيدة عمياء وإنما هو خير تفسير للحقائق التي يشاهدها العلماء . .
وكما رفض العلماء نظرية الضوء التي قدمها نيوتن وتعرف باسم Corpuscular Theory of light لأنها لم تنجح في تفسير مظاهر حديثة للضوء ؛ فإننا نرفض أفكار الفلاسفة الملحدين لأنها فشلت في تفسير مظاهر الطبيعة.
إن مأخذ حقائق الدين هو نفس المأخذ الذي يستقي منه العلم الحديث ملاحظاته لكي يثبت نظرية علمية. ولقد انتهينا بعد دراسة الحقائق الملحوظة إلى أن تفسير الدين للطبيعة هو عين الحق حتى إن هذا التفسير لم يتغير ولن يتغير على مر الدهور على حين أن كل نظرية صاغها الإنسان منذ قرن أو أكثر أو أقل ، قد رفضت أو أصبحت موضع شك الآن.
وإن صدق الدين ليتجلى بعد كل خطوة نخطوها في الملاحظة حتى ليصبح كل كشف علمي جديد تصديقا لحقائق الدين!
ولسوف نطالع أفكار الدين من هذه الناحية في الأبواب التالية.