فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 3028

ولكن هذا الرأي يحتاج منا إلى وقفة: فالإيمان لا يتوقف فقط على العاطفة ؛ ذلك لأن العاطفة والوجدان من المعروف عنهما أنهما عواطف متقلبة دائمًا ، وبالتالي فالإنسان سوف يؤمن في حالة مزاجية عاطفية وجدانية ، ويعود إلى الإلحاد عندما تتغير حالته المزاجية !

وبالطبع فالإيمان ليس كذلك ؛ إنما هو صرح يقوم على أسس عقائدية يؤمن الإنسان ويلتزم بها ويسلم بها لأنها تأتيه من الله تعالى لصالحه.

2-يذهب جيمس إلى أن التجربة الدينية تشارك الله تعالى في خلقها ! وهذا ما يتنافى مع يتنافى مع الوحدانية التي لله تعالى . فهو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يولد ولم يكن له كفوا أحد .

فلا خالق إلا هو ، سبحانه وتعالى .

3-يذهب جيمس إلى أن الله تعالى شخصية حقيقية متناهية توجد في الزمان !!

سبحان الله ! أي إله هذا الذي يتكلم عنه جيمس ؟ تعالى الله .

إن الإنسان يتصف بالتناهي والنقص والضعف ، والله تعالى عكس ذلك تمامًا ؛ فهو الكامل القادر والقاهر فوق عباده ،عنت له الوجوه ودانت له رقاب العباد والبلاد ، فسبحان الله عما يصفون .

4-يقول جيمس: إن الله تعالى لا يستطيع أن يضمن لنا خيرية العالم !! ولن أرد هنا على جيمس بل سأدع القرآن يرد عليه ويبين بعض خير الله النازل على عباده: يقول الله تعالى في محكم التنزيل:

( نحن خلقناكم فلولا تصدقون . أفرأيتم ما تمنون . أ أنتم تخلقونه أم نحن الخالقون . نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وتنشئتكم في ما لا تعلمون . ولقد علمتم النشأه الأولى فلولا تذكرون . أفرأيتم ماتحرثون . أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون . لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون . إنا لمغرمون . بل نحن محرومون . أفرأيتم الماء الذي تشربون . أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون . لو نشاء جعلناه أجاجًا فلو لاتشكرون . أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون . نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين . فسبح باسم ربك العظيم ) .

5-ترى البراجماتية بوجه عام وبراجماتية بيرس وجيمس بوجه خاص أن الاعتقاد لا الإيمان لا ينفصل عن الشك ، ومن ثم فالإيمان على مذهب البراجماتيين لا يفارقه الشك .

6-من الخطأ في زعم جيمس التمسك الدائم بالمعتقدات ، فالإيمان الراسخ عنده يحجب يحجب عن الإنسان المعرفة الصحيحة !! وهذه مقولة يطرب لها الملاحدة والعلمانيون والمنافقون أينما ثقفوا .

7-لذلك فإنه يلزم ـ فيما يزعم جيمس ـ اختيار صحة العقائد من وقت لآخر ، واستبعاد ما يتضح للمرء عدم صحته منها أو عدم صلاحيته !!

إن معيار اختيار صحة العقائد عند جيمس ومن حذا حذوه هو إخضاعها لمحك التجربة ، فهي التي تميز الحق من الباطل وليس حكم الله تعالى !

فإذا أردنا أن نطبق المنهج البراجماتي على إحدى العقائد ، كاعتقادنا أن الله تعالى هو الرازق على سبيل المثال ، فلا ينبغي على مذهب جيمس البراجماتي أن نظل متمسكين دائمًا بهذه العقيدة ، وإنما يتعين علينا اختبارها تجريبيا ، فإذا تبين لأحدنا أن الله تعالى قدر عليه رزقه ، ولم يعطه ما سأل من رزق في أي صورة من صوره ، فعليه أن يتخلى فورًا عن هذه العقيدة !! لأن التجربة أثبتت عدم جدواها ، وهكذا يكون المؤمن على طريق البراجماتية إنه كمن يعبد الله على حرف ! ( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ) .

إن المسلم الحق لا يضع عقيدته موضع الشك ، ولا يجعل إيمانه بالله تعالى موضع اختيار ، بل على العكس تماما ، يؤمن بأن الله عز وجل يختبر عباده ) ولنبلونكم بشيئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) . ويقول تعالى: ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) . والله تعالى يبتلي العباد بالنعم كما يبتليهم بالنقم ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) فلقد خلق الله الإنسان ليبتليه ليرى هل يصبر أو يكفر ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر ، فكان خيرًا له ، وإن إصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" ( رواه مسلم ) .

أما الدكتور محمد مهران رشوان فيقول في كتابه"مدخل إلى دراسة الفلسفة المعاصرة" ( 41، 82-86) :

( الفلسفة البراجماتية اسم يطلق على عدد من الفلسفات المختلفة التي تشترك في مبدأ عام ؛ وهو أن صحة الفكرة تعتمد على ماتؤديه هذه الفكرة من نفع أيًا كان نوع هذا النفع ، أو على ما تؤدي إليه من نتائج عملية ناجحة في الحياة ) .

( أهم الانتقادات التي توجه إلى البراجماتية ، نوجزها في التالي:

1-أن البراجماتية لا تقدم لنا بحثًا إيجابيا عن الحقيقة . إذ إنها مجرد منهج لاكتشاف الأفكار الخاطئة ، وهي التي ليست لها آثار عملية . وهذا منهج سلبي لا إيجابي ، لأنها لا تهدف إلا إلى استبعاد الأفكار الخاطئة ، تلك التي لا تكون لها هذه الآثار العملية . والاستبعاد ـ كما هو واضح ـ منهج سلبي للكشف عن الحقيقة وليس إيجابيا بحال من الأحوال .

2-يلاحظ بعض الباحثين ذلك الامتداد غير المشروع لفكرة المنفعة ، فقد كان"جيمس جيمس"والبراجماتيون يفخرون باتساع أفقهم ، ولكن الحق أن هذه الروح الفضفاضة تبلغ حدًا يؤدي إلى القضاء على كل معني لكلمة"النافع"عندما كانوا يعرفون الحقيقة عن طريق المنفعة . فالنافع في اللغة المتداولة هو ما يفي بحاجة"حيوية"؛ إلا أن البراجماتيين قد أضفوا على كلمة الحاجة معان بلغت من الكثرة حدًا لم تعد معه تدل على شيئ ، حتى ولا كلمه"النافع"ذاتها .

فهناك حاجات ترمي إلى حفظ الحياة والعمل على استمرارها ، ولكن من الممكن أن نطلق اسم"الحاجة"على ما يعبر عن أكثر الميول الوجدانية تنوعًا: فالمرء بحاجة إلى أن يكون محترمًا ، محبوبًا ، كما أنه بحاجة إلى أن يحب ، والى أن يرى من يحبهم سعداء . والغيورون الحاقدون بحاجة إلى أن يروا الآخرين تعساء وأقل سعادة منهم . والمرء بحاجة إلى الإيمان بوجود الله ، وخلود النفس . كما أن هناك حاجات عاطفية وعقلية كالحاجة إلى المعرفة والفهم ... وهكذا نلاحظ أن"حاجات"الإنسان و"المنافع"التي تناظرها تبلغ من التنوع حدا يجعل كل تعريف للحقيقة بالمنفعة ينتهي آخر الأمر إلى أنه لا يوضح من طبيعتها أي شيئ .

3-لا شك في أن"الحقيقي"نافع على نحو ما ، إلا أن ذلك لا يستتبع القول بأن المنفعة هي أساس لتعريف الحقيقة . فالحقيقي نافع لأنه"حقيقي"قبل أي اعتبار للمنفعة .وقد ذهب بعض الباحثين إلى القول بأن المذهب البراجماتي يعرف الحقيقة بأنها ما يفي بالحاجة ، غير أن أول ما نحتاج إليه عندما نبحث عن الحقيقة هو ألا نكون براجماتيين !!

ومعنى ذلك أن القاعدة الأساسية التي نضعها عندما نشغل أنفسنا بالكشف عن الحقيقة هي أن نصرف كل اعتبار للمنفعة ، ولو تطرق الشك إلى نفوسنا وآمنا بشيء لأننا بحاجة إلى هذا الإيمان ، لفقد الإيمان إذن كل قيمة له . ومرة أخرى نقول"إن الحقيقي نافع لأنه حقيقي ، وليس حقيقيًا لأنه نافع".

ولنتصور الحالة العقلية لمريض يقول لطبيبه"لا تقل لي سوى ما أحتاج إلى تصديقه"، ألا يكون قوله هذا توسلا إليه أن يكذب ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت