4-ولم يسلم ( الدين ) أيضًا من التفسير ( النفعي ) في ضؤ الفلسفة البراجماتية ،"فإن اعتبار شروط وجود الدين وأصوله ونشأته لا أهمية لها عند من يسأل عن قيمة الدين ؛ لأن قيمته فيما ينتجه".
الفرق بين نظرته للدين وعقيدتنا الإسلامية:
لم يكن"الدين"عند وليم جيمس كموضوع للبحث في ذاته ، ولكن في آثار الانفعال الديني ، وهل هذه الآثار حسنة تحقق الأمل ؟ وهل يمكن الحصول عليها بطريق آخر خلاف الديني ؟
إنه يرى أن للدين أثرًا أخلاقيًا ، كما أنه يتفوق على أي مصدر آخر للحث على النشاط والمثابرة وفعاليته تظهر بإيحائه المؤثر في الغالب أكثر من الأساليب المادية ، ويضرب على ذلك مثالًا بالطبيب الذي يعترف بأن شفاء المريض لا يتحقق بالعلاج المادي وحده ، بل بالإيحاء الناجم عن قوة الإيمان .
وهذا الرأي ـ كما يقول"برتراندرسل"ـ لا يقنع مؤمنًا مخلصًا في إيمانه ، لأن المؤمن لا يطمئن إلا متى استراح إلى موضوع لعبادته وإيمانه ، إن المؤمن لا يقول: إني إذ آمنت بالله سعدت ـ ولكنه يقول إني أؤمن بالله ومن أجل هذا فأنا سعيد .... إن الاعتقاد بوجود الله ـ تعالى ـ في نظر المؤمن الصادق مستقل عما يحتمل أن يترتب على وجوده من نتائج وآثار"."
النظرية الإسلامية:
أما نحن معشر المسلمين فإننا - بحمد الله - نمتلك أعظم ثروة للعقيدة والقيم تضمنها كتاب الله عز وجل ونفذها الرسول صلى الله عليه وسلم ؛حيث حقق في عقيدته وسلوكه وأخلاقياته الأسوة الحسنة ـ وجمع بين"الحق"عقيدة وإيمانًا ، و"العمل"أخلاقًا وسلوكًا ، وحدد الأهداف ، ووضع المنهج وأحصى القيم ، مبينًا الطريق الذي يجتازه المسلمون من دنياهم إلى أخراهم ، وقد ألف علماؤنا مجلدات في هذه الأغراض كلها . ولكن يكفينا أن نسجل بهذه المناسبة بعض التعليقات التي تصلح لعلاج آفات"البراجماتية"، التي تبرهن على أن العقل البشرى لا يستطيع الوقوف وحده بغير عون من الوحي:
أولًا:
أ - إن الخير هو الذي يحدد الشرع ويستمد إلزامه منه للتسليم بأن الله تعالى هو العليم الحكيم . قال تعالى:"كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون )"
يفسر ابن كثير هذه الآية ببيان وجوب الجهاد وآثار قتال أعداء الإسلام من النصر والظفر ثم يمضي في تفسير قوله تعالى: ( وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم ) فيذكر أن"هذا عام في الأمور كلها ، قد يحب المرء شيئًا وليس له فيه خيرة ولا مصلحة ، ومن ذلك القعود عن القتال ، قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم. ثم قال تعالى: ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) أي هو أعلم بعواقب الأمور منكم ، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم ، فاستجيبوا له ، وانقادوا لأمره ، لعلكم ترشدون) ."
ب - كذلك قد يجهل الإنسان الفروق المرجحة لما يفيده مما يضره ، قال تعالى: ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) :
أما إثمهما فهو في الدين ، وأما المنافع فدنيوية ، ولكن هذه المصالح لا توازي المضرة والمفسدة الراجحة لتعلقها بالعقل والدين ، ولهذا كانت هذه الآية ممهدة للتحريم على البتات كما في سورة المائدة: ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) .
ثانيًا:
إن النجاح مطلوب ، والسعي والتنافس على فعل الخيرات مرغوب ؛ فإن المؤمن القوي أحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف ، ولكن ينبغي أن يستظل السعي هدفًا وطريقًاُ بأوامر الشرع والالتزام بآدابه ، وسنورد هنا بعض الآيات للاسترشاد:
أ - قد يوسع الله تعالى الرزق للعبد استدراجًا له ، ثم ينزل به عقابه الشديد ، قال تعالى: ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا ولهم عذاب مهين ) .
وقال عز وجل: ( والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملي لهم إن كيدي متين )
وقال سبحانه وتعالى: ( أيحسبون أنما نمدهم به من مالٍ وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) .
ب - لا يصلح الله حال أمة إلا إذا صلحت قلوبها وأعدت نفسها للتقوى ، قال تعالى: ( إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم ) .
جـ - تكثر المصائب عند فساد الأخلاق ، قال تعالى: ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثيرٍ ) .
د - وفيما يتعلق بتقوية الإرادة فهناك آية تبين كيف يربى الله تعالى المسلم على تحمل الشدائد حتى يكون قوي العزيمة معدًا لتحمل كل خطر: قال تعالى: ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) .
ثالثاُ:"ضرورة أعمال الخير لإقامة المجتمعات الإنسانية:"
إن إقامة المجتمع على موازين المكسب والخسارة وحدهما كفيل بهدمه مادامت العلاقات بين أفراده لا تقوم إلا على أساس المصلحة ، والكسب المادي ، فكم من علاقات أخرى تقوم على الإيثار والتضحية وحب الخير لذاته ، وهي التي تكفل تحقيق السعادة للمجتمع ؛ لأن التعاطف والتعاون هما الرائدان في حركة المجتمع الإنساني ، وإلا تحول إلى غابة من الغابات التي يأكل فيها القوى الضعيف.
ومن الصعب ـ بل يتعذر ـ إقناع النفوس بأعمال الخير ، التي لا تقوم بالمال ، إلا بناءً على عقيدة إيمانية راسخة تتحقق أعمالًا خيرة ، وتسعى لاكتساب فضائل أخلاقية وتنميها ابتغاء مثوبة الله تعالى وجنته.
إن الحديث عن هذه الأعمال يحتاج إلى مجلد كامل ، ونكتفي بالإرشاد هنا إلى نزر يسير منها ونحيل القارئ إلى المصادر للتوسع في معرفتها وتنفيذها ؛ لتحقق لنفسه الطمأنينة النفسية والسعادة المرجوة ، ولمجتمعه المثالية على المستوى الإنساني الذي تحقق في عصر الحضارة الإسلامية الزاهرة ، مع العلم بأنه كثيراُ ما تشتمل هذه الأعمال على الجزاءين الدنيوي والأخروي:
-عن أبى موسى رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم:"على كل مسلم صدقة"قال: أرايت إن لم يجد ؟ قال: يعمل بيديه ، فينفع نفسه ، ويتصدق ، قال: أرايت إن لم يستطع ؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف ، قال: أرايت إن لم يستطع ؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير ، قال: أرايت إن لم يفعل ؟ قال: يمسك عن الشر فإنها صدقة"متفق عليه."
-عن جابر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"ما من مسلم يغرس غرسًا إلا كان ما أكل منه له صدقه ، وما سرق منه له صدقه ، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقه"رواه مسلم.
وفى رواية له"فلا يغرس المسلم غرسًا ، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير ، إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة".
وفي الحديث المتفق عليه:"اتقوا النار ولو بشق تمرة".
أما الدكتور إبراهيم مصطفى إبراهيم فيقول في كتابه (نقد المذاهب المعاصرة: 1 / 119 - 122 ) :
( يمكن توجيه سهام النقد لفلسفة جيمس الدينية في النقاط الآتية:
1-بدأ جيمس آراءه الدينية بقوله: إن الذي يكون صميم الدين ليس الطقوس ولا الفرائض ولا المعتقدات بل يكون صميم الدين العاطفة والشعور الديني