فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 3028

إن الوضعية"هي اتجاه فكرى يقتنع بما هو كائن ويفسره ويرفض: أن ينبغي أن يكون"، ثم أخذت الوضعية الشكل الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية واسمه"البراجماتية"، هذا الشكل الجديد يحدده الدكتور توفيق الطويل بقوله"إذا كانت الوضعية قد رفضت التسليم بالحقائق المطلقة والقضايا الميتافيزيقية ، فإن الفلسفة العملية لا تتردد في قبولها واعتبارها صادقة متى كانت مفضية إلى نفع يتحقق في حياة الناس".

ولفهم مضمون هذه الفلسفة ، ينبغي أن نعرف أولا أصلها اللغوي ثم ننتقل إلى التعريف بمؤسسها"تشارلز بيرس"، ثم بيان تفصيل الفلسفة عن أبرز فلاسفتها وهو"وليم جيمس":

الأصل اللغوي يفيد"ما هو عملي"ومن هنا أطلق عليها اسم"الفلسفة العملية"، ولذلك فإنها تهتم بالعمل على حساب النظر.

إن مؤسس هذا المذهب الفلسفي هو تشارلز ساندر بيرس"1839 ـ 1914"م ، وهوصاحب فكرة وضع ( العمل ) مبدأ مطلقًا ؛ في مثل قوله:"إن تصورنا لموضوع ماهو إلا تصورنا لما قد ينتج عن هذا الموضوع من آثار عملية لا أكثر".

ويتوسع في دائرة العمل بحيث يشمل المادي والخلقي أو التصور ، وتثمر هذه النظرة للعمل اتساع العالم أمامنا ، إنه عالم مرن ، نستطيع التأثير فيه وتشكيله ، وما تصوراتنا إلا فروض أو وسائل لهذا التأثير والتشكيل .

أما أشهر فلاسفة البراجماتيزم فإنه"وليم جيمس" ( 1842 ـ 1910 م ) الذي تدرج في اهتماماته العلمية والفلسفية التي تلقاها في معاهد وجامعات أوربية وأمريكية حتى حصل على درجة"الدكتوراة"في الطب من جامعة هارفارد سنة 1870 ، وعين أستاذًا للفسيولوجيا والتشريح بها ، ثم أستاذًا لعلم النفس فبرز فيه.

ويتبين من ترجمة حياته أن سبب اتجاهه إلى الفلسفة يرجع إلى سماعه لمحاضرة فلسفية ألقاها"بيرس"الذي كان يعرض فيها مذهبه ، فشعر وليم جيمس على أثرها وكأنه ألقى عليه رسالة محدده ، وهى تفسير رسالة"البرجماتية".

ويعرف وليم جيمس الحقيقة بأنها"مطابقة الأشياء لمنفعتنا ، لا مطابقة الفكر للأشياء".

ولاختصار الإحاطة بهذه الفلسفة فإن مدخل دراستها يقتضي تحليلها إلى مكوناتها الأساسية في النظم والقيم ، فنحن أمام مقولتين:

الأولي: ازدراء الفكر أو النظر.

الثانية: إنكار الحقائق والقيم.

أي بعبارة أخرى أكثر وضوحًا ، فإن العمل عند جيمس مقياس الحقيقة"فالفكرة صادقة عندما تكون مفيدة . ومعنى ذلك أن النفع والضرر هما اللذان يحددان الأخذ بفكرة ما أو رفضها".

وقد نبتت فلسفته منذ بداية اهتماماته بها من حاجاته الشخصية ، إذ عندما أصيب في فترة من عمره بمرض خطير ، استطاع بجهوده أن يرد نفسه إلى الصحة ، فاعتقد أن خلاص الإنسان رهن بإرادته ، وكان الموحي إليه بالفكرة المفكر الفرنسي"رنوفيير"الذي عرف الإرادة الحرة بأنها"تأييد فكرة لأن المرء يختار تأييدها بإرادته حين يستطيع أن تكون له أفكار أخرى".

وكانت تجربة شفائه من المرض قد هدته إلى أهمية العمل ورجحت عنده الاجتهاد في العمل بدلًا من الاستغراق في التأمل"لأن العمل هو الإرادة البشرية استحالت حياة".

وتلون هذه الفلسفة نظرة أتباعها إلى العالم . فإن العالم الذي نعيش فيه ليس نظرية من النظريات ، بل هو شئ كائن ، وهو في الحق مجموعة من أشياء كثيرة ، وليس من شئ يقال له الحق دون سواه ! . إن الذي ندعوه بالحق إنما هو فرض عملي ـ أي أداة مؤقتة نستطيع بها أن نحيل قطعه من الخامات الأولية إلى قطعة من النظام.

ويلزم من هذا التعريف للعالم ، أنه خاضع للتحولات والتغيرات الدائمة ولا يستقر على حال"فما كان حقًا بالأمس ـ أي ما كان أداة صالحة أمس ـ قد لا يكون اليوم حقًا ـ ذلك بأن الحقائق القديمة ، كالأسلحة القديمة ـ تتعرض للصدأ وتغدو عديمة النفع".

نقد البرجماتية من وجهة النظر الفلسفية:

1-في نقدنا لهذه الفلسفة ، سنبدأ بالمنهج المقارن حيث يتبين أنها في جوهرها الفلسفة هي الرواقية القديمة ، التي أسسها زينون (343ـ 270 الميلاد ) !!

فإذا أباح وليم جميس لنفسه بعث الحياة فيها من جديد ، فإن ذلك يقوض دعائم فكرته عن استبعاد"الحق القديم"كما سنوضح بعد قليل !

2-الحق قيمة مطلقة ـ وليست نسبية ـ وإلا فإن المجتمع يصاب بالفوضى المدمرة لكيانه وبعلاقاته مع غيره من المجتمعات بسبب الحرب .

وبغير الاعتقاد في ثبات المبادئ ، فإننا لسنا أمام فلسفة جديدة وإن بدت كذلك ، ولكنها مجرد إعادة للنظرية الرواقية القديمة"مضافًا إليها الروح النضالية الحديثة"فإن الخير الحقيقي عند الرواقي القديم في حكمة الاختيار وحدها وليس في الشيء المختار الذي يصطفيه"مثله كمثل ضارب القوس يهدف إلى عين الثور فغايته ليست في إصابة الهدف نفسه ، بل إظهار مهارته في إصابته"!!

إن تعليق الحكمة هنا في مظهرها العملي ـ أي على النجاح في ذاته بصرف النظر عن إصابة الهدف ـ تجعل من المجتمع غابة من الوحوش الضارية يأكل بعضها بعضًا إذ تتنافس على"التفوق"و"الغلبة"ولا تتفق إرادتها على تحقيق أي قيمة من القيم الفاضلة: كالحق والعدل والإيثار وغيرها من الفضائل الإنسانية الثابتة في ذاتها .

فهل نحن مرة أخرى أمام دليل جديد يثبت أن الفلسفة الغربية تعيش على تراثها القديم ؟!

3-يرى وليم جيمس أن"الحق"إنما هو فرض عملي ، أي مجرد أداة يختبر بها"تصوره"السابق ، ويرى أن الحقائق تنقسم إلى قديمة وجديدة !!

والصواب الذي يتفق عليه أغلب الفلاسفة: أن الحق يستمد قيمته المطلقة من قيمته الثابته خارج مقولتي ( الزمان ) و ( المكان ) .

ونراه أيضًا يخلط خلطًا معيباُ بين المبادئ والأهداف حيث يصبها في قالب"المنفعة"، بينما التفكير السليم يقتضي العكس ، أي الإيمان بالفكرة والعقيدة أولًا عن اقتناع وتثبت بقيمتها الذاتية ، ثم السعي بمقتضاها مهما قابلنا في طريقنا من صعوبات ، فضلًا عن افتقاد"المنافع"وهذا هو منهج الأنبياء والرسل عليهم السلام .

يقول الدكتور توفيق الطويل في تقييم هذه الفلسفة"ويكفي أن تعتبر البراجماتية الحق أو الخير كالسلعة المطروحة في الأسواق ، قيمتها لا تقوم في ذاتها بل في الثمن الذي يدفع فيها فعلًا ، فالحق فيما يقول جيمس كورقة نقد تظل صالحة للتعامل حتى يثبت زيفها ! ولم يجد أصحاب البراجماتية غضاضة في النظر إلى الحق أو الخير كما ينظرون إلى السلعة التي تطرح في الأسواق ، هذه هي العقلية الأمريكية في الفلسفة وفى الأخلاق وفى السياسة وفى كل مجال"

ونضيف إلى ذلك أن هذه الفلسفة كانت ملهمة للنظام الرأسمالي القائم على مبدأ المنافسة الحرة . ثم ظهرت مساوئه عند التطبيق واستفحلت أخطاره التي تتضح ـ كما يرى الدكتور فؤاد ذكريا - في ثلاثة:

أ - اللاأخلاقية: بالرغم من التقيد ببعض الفضائل كالأمانة والانضباط والدقة ومراعاة المواعيد ولكنها ـ كفضائل ـ ليست مقصودة لذاتها ، ولكنها تفيد الرأسمالي في تعامله مع الغير ، وتظهر"اللاأخلاقية"بوضوح في أساليب الدعاية والإعلام .

ب - الارتباط الوثيق بالحروب.

ج- الانحرافات السلوكية: وأظهرها الإجرام ، إذ إن فتح الباب على مصراعيه للمنافسة والصراعات من شأنه تمجيد العنف ، ويتضح الانحراف بصورة أخرى في شرب المسكرات والمخدرات وعقارات الهلوسة وغيرها"وتفسيرها أنها ظاهرة هروبية من واقع العنف والمنافسة المريرة التي لا ترحم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت