فهرس الكتاب

الصفحة 2641 من 3028

عذرًا قارئي الكريم على هذا الإسهاب وإنما أردت أن أوضح لك الأمر على حقيقته حتى تضع سؤالي في موضعه الذي يستحقه. وحتى لاتجتزىء التفكير فيه فتعامله على أنه متصل بقضية مستقلة تمامًا، منفصلة كل الانفصال عن العالم الخارجي ومخططاته الاستراتيجية تجاهنا أو تغض النظر عن أن كثيرًا مما يجول عندنا تحركه الأصابع الغربية مسخرة جندها وصنائعها من العلمانيين الوظيفيين عندنا في التقويض المستمر والإضعاف المتجدد لأمتنا. وأن هذه الفصول الأخيرة والمتصلة بالمناداة بعلمنة العاصمة ما هي إلا جزء لا يتجزأ من الحرب المعلنة على عالم الإسلام والتي كانت جولتها الأولى في أفغانستان والثانية في العراق ويختلف المحللون في جولتها الثالثة على من تكون: أَعَلى سوريا أم إيران أم السودان، أم غير ذلك؟؟

الحرب الموازية في قطاعنا الحضاري الإسلامي:

نعم ثمت حرب موازية"غير تقليدية"تستهدف عالمنا الإسلامي وإنسانه وموارده ومقومات وجوده، وهى حرب شاملة ممتددة لا تكاد العقول تستوعبها في منطقتنا فعديد منا ـ مثلًا ـ لا يكاد يتصور أن تكون هناك حرب من أهدافها الأساس القضاء على المقومات والأركان التي يقوم عليها الوجود الحقيقي للإنسان من حيث: من هو ؟ وماذا يريد ؟ وبم يسعى في هذه الأرض ؟ ولأي رسالة يعيش ؟ وبأي قيم يستهدى ويبشر ؟ وأي وازع ضميري يُلزِمه حدوده فيما يأتي وما يدع ؟ وما مثاله وأنموذجه الذي يقتدي به ؟ وبعد هذا بل وقبله ما هي مرجعيته الكبرى وعقيدته العظمي التي غذته بأفكارها وتصوراتها ؟ وحشدته لقيمها ومثلها ؟ وأملت عليه التزامًا بها وتحققًا بدعوتها ؟ وشكلت من ثم ثقافته وما نصطلح عليه الآن بمعالم هويته ومميزات شخصيته ؟

ودون كثير من مراء أو جدل نقول: إن الإسلام كمنظومة كبرى بمكوناتها العديدة غير المنفصلة عن بعضها تشكل المثال الحق والأنموذج الأوحد للمسلم السوي، وحينما أقول السوي فإنني أعنى استثناء الذين طمست معالمهم الأساس وبددت حقائقهم الإنسانية الأم فصاروا مسخًا غريبًا من البشر وغدوا تلقائيًا ضمن العتاد الحربي للغرب في حربه الموازية لنا وأعنى بهم: العلمانيين الوظيفيين ذلك النفر الذي لا تحركه دوافع وتوجهات فكرية حقيقية بقدر ما توجهه مصالحه الذاتية الضيقة الموهومة والتي ترتبط عنده بالاستجابة غير المحدودة لكل الأوامر الغربية الصهيو صليبية في التقويض لأمة الإسلام وفي هذا الوقت بالذات . هذا ولابد من حديث مفصل عن هؤلاء يأتي في حينه ومكانه بإذن الله وإنما لزمت الإشارة إليهم هنا حتى لا يحدث الخلط والاشتباه.

ويلزم التنويه هنا بالأهداف الحقيقية لهذه الحرب وهى في نظرنا تعكف على التركيز على أمرين: فمن جهة تعنى هذه الحرب أكثر ما تعنى بالقضاء التام على نزعات روح المقاومة في الإنسان المسلم وإبدالها بعناصر تولد الاستسلام والرضوخ التام . كما تركز على الإلهاء والصرف المتجدد الممتد لإنسان عالم الإسلام عن مشروع نهضته.

ومن هذا الوصف يتبين أن هناك أهدافًا مؤقتة وأهدافًا دائمة . أما الأهداف المؤقتة فتتصل أكثر ما تتصل بالمراحل الأخيرة من تشييد المشروع الإسرائيلي . ففي القطاع المحيط بإسرائيل مثلا ـ والسودان من ضمنه ـ يراد له الالتزام بالتطبيع التام بحيث يمضى التمتين والتمكين والامتداد الإسرائيلي بأقل قدر من المعارضة والمقاومة وبالصمت التام وعدم الاحتجاج ـ إن أمكن ـ عن أي بشاعة تُرتكب في حق الفلسطينيين"يلزم"ارتكابها في سبيل المشروع الإسرائيلي . وبالطبع لا يتأتى ذلك إلا بالإضعاف والتوهين لمكونات روح المقاومة والوحدة المشتركة والمصير المشترك بين أمة الإسلام . وذلك الإضعاف والتوهين لا يتوفر إلا بتبديد وطمس معالم روح المغايرة والتميز في هذا الوسط والمتمثل في التحطيم والتقويض لمعالم الشخصية المسلمة معتقدًا وفكرًا وسلوكًا وتشريعًا . ومن هنا فالمسمى المموه عديم اللون والطعم والرائحة: [الشرق الأوسط] إنما يخدم هذه الاستراتيجية فهو إعادة صياغة وتركيب للبيئة والوسط الذي برزت فيه إسرائيل بما لا يتناقض مع وجودها أو يتنافر مع خططها المتسعة في تشييد إسرائيل الكبرى . ومن البدهي أن هذا لن يتم وللروح الإسلامي وجود وللتصورات الإسلامية سيادة وللغة العربية سلطان ولقيم الإسلام ومثله ونظمه شوق وتجلَّة وتقديس واحترام !

وأما الهدف الدائم المتجدد والمتصل بالإجهاض الدائم لمشروع النهضة الإسلامي والذي يتم من خلال خنق كل البوادر والمقدمات في رحمها أو مهدها ، فأمر لا يخطئه النظر إلا لمن استفحل فيه داء الغفلة والغباء. وإن من الإذاعات الشهيرة في نهاية القرن الميلادي العشرين ما قاله اليابانى المتأمرك فرانسيس فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ عن خلود وعصمة المنظومة الرأسمالية وعن سيادتها المحتومة لكل العالم، ولا نود الخوض في مقولاته من حيث تحليلها وتفنيدها وإنما نتناولها في إطارها الواقعي من حيث أنها أمنية ومطمح للغرب ولأمريكا على وجه الخصوص تود إنفاذه والإلزام به في العالم الإسلامي . وقد نعلم ويعلم معنا الكثيرون أن موجة العولمة الأمريكية التي صارت تيارًا كاسحًا في المنطقة تضعف مقاومته يومًا بعد يوم لا يتأتى لها التمكين والنفاذ إلا بسيادة ثقافة استهلاكية مغرقة ، وفي رحاب علمانية شاملة فاصلة بين القيم وبين الممارسات الحياتية اليومية، وذلك يعني بالضرورة تبديل الثقافة بكل مكوناتها ومقوماتها. وعلى هذا فنحن في الحقيقة نواجه هجمة العولمة الأمريكية المستصحبة للإرث الغربي الإمبريالي الصليبي والذي إنضافت إليه الأهداف والمطامح الصهيونية. وكل أولئك معنى بالقضاء والتبديد لمقوماتنا العقدية والفكرية والثقافية والتي من خلالها تتوفر لنا الرؤية المتميزة والتوجهات الخاصة والسبل التي قد تكون مغايرة بالضرورة للسبل الغربية.

فالغرب لا يريدنا أن نرى شيئًا إلا من خلال ما يراه هو لنا وتلك الرؤية أو الإراءة بالأحْرى تتصل بمصالحه وأهدافه وهي مصالح وأهداف لا تقوم إلا على أنقاضنا ـ أو هذا ما أقنع نفسه به ـ ومن ثم فالحرب الموازية والتي تستهدف تفريغنا من كل مكونات شخصيتنا، تمهيدًا لصياغتنا وصهرنا لصبنا في القالب المراد، تتصل اتصالًا مباشرًا بالقضاء على مقوماتنا. وفي الحيِّز السوداني من عالم الإسلام يتجسد هذا في الاستمساك بالشريعة الإسلامية. ومن هنا فالدعوة والمناداة بعلمنة العاصمة لا ينفصل بحال عما ذكرناه وبيَّناه.

يحسن بنا في هذا المقام أن نزيل التباسات متعمدة أُحكمت صياغتها من جانب خبراء الصراع الفكري. وأذيعت وروجت حتى اختلط الأمر على أهل الدار أنفسهم فصاروا يتداولون مصطلحها دون إعمال للنظر في المآلات المفاهيمية وما تؤدي به نهاية إلى تشويه وطمس عالم العقيدة والتصور.

نحن والإكراه على فصل الدين عن الدولة:

لقد تحدثت فئات من العلمانيين وتابعيهم عن فصل الدين عن الدولة وروجوا لذلك في أوساط كثيرة. وردد بعضهم عبارات ساذجة مموهة لا تصمد للفحص والاختبار طويلًا مثل المقولة الطنانة: الدين لله والوطن للجميع وظنوها تكون حجة قاطعة لكل دليل ومعطلة لكل برهان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت