فهرس الكتاب

الصفحة 2642 من 3028

وما يقال عن فصل الدين عن الدولة في حيِّزه الغربي ما هو في حقيقته إلا ترجمة شوهاء ومتعمدة لفصل معروف في الفكر السياسي والنظريات السياسية الغربية وهي مسألة الفصل بين الدولة والكنيسة. والتشويه للمقولات الفكرية الغربية عمومًا من الحرف القديمة التي أجادتها العلمانية الوظيفية في رحابنا حتى لا يستقيم الأداء للأفكار في عالمنا وحتى تنعدم المقدرة على التمييز وسط هذه المبهمات المتكاثرة. ولعل هذا من السوانح الطيبة لإيضاح الحقائق فيما يتصل بهذا الأمر.

أولًا: المفهوم أو المدرك السياسي هناك قائم كما ذكرنا على الفصل بين الكنيسة و الدولة في الممارسة والتصرف حدًا لسلطان غير محدود للكنيسة، طال مختلف أوجه الحياة ولم يستثن صغيرة من صغائرها بحيث صارت المؤسسة الكنسية صاحبة الكلمة النهائية في كل ما يتصل بالحياة هناك، و صارت هي وقرينها الإقطاع بعبعًا مخيفًا يقرر مصائر كل شئ، وقد استمر ذلك الوضع طوال العصور الوسطى الأوربية حتى نهايتها. ومع مشارف عصر النهضة الأوربية بدأ الصراع الواضح بين الكنيسة والعلماء والفلاسفة مما لا نحتاج للإسهاب فيه هنا، وغنى عن الذكر الإشارة إلى المضاعفات والنتائج النهائية التي ألزمت الكنيسة حدودها، وأطلقت للحياة الغربية العنان فيما اصطلح عليه بالحركة العلمانية هناك، ولا نود تكرار الحديث عن ذلك وإنما ننوه فقط بتمويه متعمد هو: أن الفصل بين الكنيسة والدولة لم يعن بحال الفصل بين الدين والسياسة أو النصرانية والدولة هناك!! وخصوصًا في عصرنا الحاضر! و إلا فالمؤرخون السياسيون والحضاريون يلفتون الأنظار دومًا إلى كمون القيم النصرانية في كثير من الممارسات اليومية، وعن الأصول النصرانية للنظريات والفلسفات السياسية، وعن الأحزاب السياسية التي انبثقت مباشرة أو تأثرت نوعًا بالأفكار والتصورات النصرانية. وفوق هذا وذاك عن الأثر المحسوس للمؤسسة الكنسية في القرار السياسي في كثير من البلدان الغربية إن لم يكن في كلها، بل نسمع ونري ممارسة اليمين النصراني في أمريكا في أيامنا هذه، وما يمتلكه من آلاف المحطات التلفازية والإذاعية، وعن أثره المتصاعد في الحياة السياسية في أمريكا وعن مساهمته الكبرى في صناعة القرار السياسي الخارجي. ويجدر بالذكر أن كل القرارات الأمريكية السلبية تجاه السودان كان لليمين النصراني فيها نصيب الأسد، بل إن بعض المبعوثين السياسيين للسودان من رجال كهنوت ذلك اليمين النصراني!

وهناك مفارقات عجيبة في هذا السياق فالدول الإسكندنافية المشتطة في علمانيتها والتي يأتي سكانها في ذيل القائمة الغربية للمترددين على الكنائس ولا يكاد الرأي العام فيها يأبه للدين نجد أن قرارها السياسي الخارجي تساهم المؤسسة الكنسية فيه بنصيب الأسد فيما يتصل بالسودان وبعالم الإسلام على عمومه.

ومن الذي يستطيع الزعم بأن الكنائس في السودان وفي غير السودان بعيدة عن السياسة أو لا تتدخل فيها ؟ ومن الذي يستطيع أن يجادل في نفوذ مجلس الكنائس الأفريقي ومجلس الكنائس العالمي في توجهات الكنائس السياسية في السودان؟ بل من الذي يستطيع أن يقلل من الدور النافذ للفاتيكان في الكنائس التابعة له في السودان وفي غير السودان.

وبهذا فالقول بأن العلمانية وتطبيقاتها تعني التحجيم لدور المؤسسة الكنسية في صناعة القرار السياسي قول فيه نظر، لعل ذلك كان في طور محدود من أطوار التاريخ وهو بذلك أمر طاريء! ولكن الأصل في النشأة والتطور التاريخي للكنيسة أنها إن لم تكن مؤسسة سياسية أصلًا فقد عنيت بالسياسة كثيرًا. وعلى أقل تقدير لا يقل اهتمامها بالمسائل السياسية عن المسائل الكهنوتية.

أما الزعم بأن النصرانية كعقيدة ومنظومة قيم لا تعنى بالسياسة فهو من الأقوال التي تحتاج إلى مزيد فحص وإعادة اختبار، فالقيم الأساس التي يتشدق بها الغرب هي في أكثرها قيم نصرانية وما كان لإنسان الغرب أن يعرفها لولا بزوغ شمس النصرانية بدياره، نعم قد تدعى المدارس العقلانية والإلحادية ولادة ما سُمّي بالفلسفات الإنسانية خارج الحرم الكنسي، وتزعم بذلك أنها فلسفات إنسانية محضة لا دخل للديانة النصرانية فيها من قريب أو بعيد، إلا أن هذا ادعاء يفتقر إلى الدليل وهو من ألوان الشطط والافتراء، فالمشهور أن النصرانية هي التي"استانست"الإنسان الغربي بداية من بعد توحش طويل وبداوة عريقة فالشعوب الغربية كانت قبائل متوحشة لا تعرف الحضارة من قريب أو بعيد وللنصرانية القدح المعلى في"أنسنة"الإنسان الغربي بداية وبالأخذ به رويدًا رويدًا إلى عالم المدينة ومدارج الحضارة.

وأجدنا في العالم الإسلامي قد خُدِعنا بمقولات تزييف مركب من جانب العلمانية الوظيفية الخاصة بقطاعنا الحضاري! مرة بتلك المزاعم العريضة المبتورة المفتراة للتطبيقات العلمانية في الحيِّز الغربي وتصويرها معزولة عن الأثر الكنسي أو النصراني جملة. ومرة أخرى بالقفز فوق التاريخ وسنن الاجتماع الإنساني كله بإلزام الإسلام بأن يكون نسخة مكرورة من النصرانية وكنيستها وسلكها الكهنوتي. ومن أعجب ما تضع يدك عليه في هذا المجال تجريم الإسلام في حيزه بجرائر الكنيسة في حيزها!! لا بل وإنزال أحكام حجر مطلق تفوق ما طبق على الكنيسة مرارًا، حجر يطال كل تصرفاته النابعة من حيثيات تكوينه وبدائه وتصوراته ومسلماته! ثم بالإكراه المتعالي والقهر المتمادي لإلزام أمة الإسلام وشعوبه بسنن اجتماعية سياسية ما ولدت في إطاره ولا تتناغم مع مدركاته ولا تؤانس تصوراته ولا تجانس مصالحه. بل تضفى تطبيقات ذلك عليه مزيدًا من الأزمات إضافة إلى ما تخلفه من شعور بالغبن والإحباط وميل إلى اللامبالاة وأهم من ذلك كله: الزهد في الإنجاز أو السعي للمشاركة فيه !!

والقضية الأهم في ذلك كله أن أمة الإسلام تجد نفسها إزاء محنة كبرى، فهي مكرهة مقهورة على اعتناق معنى للدين مغاير لما وعاه ضميرها وشهده تاريخها ومسرح اجتماعها . فلم تعِ أمةٌ دين الإسلام إلا دولة، ولا دولته إلا دينا، ولا ينفصل عندها المحراب وإقامة الصلاة فيه عن المجتمع والدولة وإقامة تشريعات الإسلام وأحكامه فيهما! وبذلك: فالمناداة بفصل الدين عن الدولة لا يعيه العقل والضمير المسلم إلا فصلًا للدين عن الدين!

وهو ليس حلًا لإشكال دنيوي مزعوم بقدر ما أنه إلزام بأزمة مستعارة للضمير المسلم يفارق فيها مسلماته ويناقض فيها بدهيات شرعه ودينه ويخون فيها إيمانه، وعن وعي كامل بكل ذلك!

لقد هتف الناس لفترة من الزمان: الإسلام عقيدة وشريعة وعُني بذلك ـ محاكمة للظرف ـ تأكيد حقيقته التشريعية التي يمارى فيها البعض مقرونة بحقيقته العقدية التي لا يجادل فيها أحد! وأجدنا اليوم ملزمين بالهتاف بأن الشريعة بالنسبة للمسلم عقيدة لا تنفصل في إلزامها ومقتضى تطبيقها ـ المسبوق حتمًا بالاعتقاد ـ عن منظومة عقائده وما تقضيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت