فهرس الكتاب

الصفحة 2639 من 3028

إن الإبقاء على الطرق التقليدية في تدريس العلوم الإسلامية لا يحقق الأهداف التربوية في إيجاد المتعلم الذي يمكنه التكيف لظروف العالم المعاصر المتغيرة بسرعة فائقة، لأنها ترتكز على الحفظ للمتون والانغمار في الشروح بحيث لا يفرغ المتعلم للإحاطة بمشاكل الحياة المعاصرة، ولا تتكون لديه النظرة الشمولية.

ولكن الأخذ بطرق التدريس المعاصرة والقائمة على تعويد المتعلم على التفكير والاستنتاج بدلًا من الحفظ مع إهمال الحفظ لا يتلاءم مع خصائص الثقافة الإسلامية، فلابد للمثقف المسلم من حفظ قدر من القرآن الكريم والأحاديث النبوية، وحفظ بعض القواعد النحوية والأصولية والفقهية وبعض قواعد مصطلح الحديث، وتظهر أهمية الحفظ بصورة خاصة بالطبع في تدريس علم القراءات، فالقراءات لا يمكن لطالبها الحصول عليها إلاَّ عن طريق التلقي من لفظ (( القارئ الشيخ ) )الذي يمتلك إجازة بالقراءات من شيوخه، ولا يمكن التلقي من لفظ الشيخ إلاَّ بعد حفظ القرآن الكريم، وحقًا فإن هذا الأنموذج شاذ، ولكنني اخترته وأبرزته لأنه يوضح خصائص تمتاز بها الثقافة الإسلامية لابد من مراعاتها عند اختيار طرق التدريس الملائمة لها.

ويبدو أنه لا يمكن الاستمرار في طرق تدريس تقليدية تهتم بالحفظ وحده لتكون المثقف المعاصر الذي يستطيع إثبات وجوده في الحياة الحديثة وأخذ مكانة فيها.

ثم لابد من اعتماد أسلوب التعليم الذاتي والموازنة بين التخصيص الدقيق مع الترشيد لضخامة المكتبة وبين الثقافة العامة، إذ ينبغي تجنيب شبابنا الضياع وسط المكتبة الذاتية الضخمة والمليئة بالغث والسمين معًا، ولابد من وضع قائمة معتمدة من المؤلفات العميقة الناضجة يتم انتقاؤها بدقة وذكاء من بين كتب التراث والدراسات المعاصرة لتكوين ثقافة الدارس، وعدم تركه أمام التجارب التي تضيع وقته وتمتص وقته وجهده.

لقد سبق بعض علماء السلف إلى وضع قائمة بالكتب الأساسية أو الأكثر أهمية لطالب العلم كما فعل الخطيب البغدادي في الجامع ( 3 ) ، للتركيز على تكوين ذهنية وملكة لدى الطالب تجعله قادرًا على النقد، متمكنًا من التمييز وفق مقاييس محدودة واضحة، وبذلك يصبح قادرًا على انتقاء الأفكار والكتب، كذلك لابد من إعانته على تحقيق رغباته وعدم إغراقه في جزئيات العلوم وذلك باعتماد أسلوب (( التعليم الذاتي ) )الذي يؤدي فيه المتعلم دورًا كبيرًا.

إنه لابد للمثقف المسلم من التصور الشامل للحياة المعاصرة، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، إذ ينبغي أن يُهيأ ليكون عنصرًا قياديًا في المجتمع، فلا يمكن أن يعزل عن مشاكل وأحداث المجتمع الذي سيحتل موقعًا توجيهيًا فيه، ولا شك أن حصر نشاطه في دراسة مشكلة معينة محدودة أو تحقيق نص لكتاب من التراث لسنوات عديدة قد يؤدي إلى عزله عن التيارات الفكرية المعاصرة والأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتجددة، وهنا يلزم أن يستعان ببرامج مكثفة يُلزم بها لسد النقص في تكوينه الثقافي، وأن يستعان على ذلك بالتعليم الذاتي والتربية المستديمة الذاتية.

ضوابط الانفتاح على الثقافات العالمية

ولا شك أن أعظم نعمة أنعمها الله تعالى على الناس بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن الكريم عليه وبيانه عليه الصلاة والسلام له بسنته، فانتظمت الشريعة الخاتمة أمور الدين والدنيا بأكمل وأدق نظام يكفل سعادة البشر في حياتهم الدنيا وآخرتهم؛ ولا يدرك ذلك إلاَّ المثقف المسلم الذي اعتنى بكتاب الله تعالى وتدارسه، وبسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام وفقهها، فالكتاب والسنة أهم مصدرين لثقافة المسلم، فهما يحددان نظرته إلى الكون والحياة والإنسان، ويمنحانه المقاييس الدقيقة لمعرفة الخير والشر، وعنهما يصدر في كل أعماله وأقواله، وبهما يحكم على الأفكار والنظريات والنظم والقوانين وكل ما ينتجه العقل الإنساني في مراحل تطوره الطويل.

والمسلم المعاصر يقف أمام مكتبة ضخمة هي نتاج العقول المفكرة في مختلف العصور والأماكن، تضم ما خلفته الحضارات العالمية في التاريخ الغابر وما يضيفه المفكرون المعاصرون في مختلف المجالات الفكرية والعلمية، وكثير من هذا النتاج يتعلق بالعقائد والنظم والأفكار والفلسفات .. فلو انغمر المسلم وسط هذا الركام قبل أن ينال قسطًا وافرًا من ثقافة الكتاب والسنة فإن عقله يمتلئ بها، وذهنه يزدحم ويصعب عليه تمييز الحق من الباطل، والخير من الشر، والسمين من الغث، وقد يتبنى أفكارًا باطلة، ويعتنق عقائد فاسدة، وتنطمس شخصيته الإسلامية وينحرف فكرًا وسلوكًا عن الإسلام فيبدل نعمة الله كفرًا.

ومن أجل تجنب الأجيال الإسلامية هذه الأخطار لابد من تمهيد الطريق أمامها، وإنارة دربها ببناء ثقافتها الإسلامية القائمة على فقه الكتاب والسنة أولًا قبل أن تسقط في ركام الفكر الجاهلي، ويصعب تخليصها من آثاره وبلاياه، وقد اهتم الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الأمر، ونبَّه أمته إلى خطورة ذلك، ففي حديث جابر بن عبدالله (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنسخة من التوراة، فقال: يا رسول الله هذه نسخة من التوراة؛ فسكت، فجعل يقرأ ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير، فقال أبو بكر: ثكلتك الثواكل، ما ترى ما بوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فنظر عمر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، رضينا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( والذي نفسي بيده، لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل، لو كان حيًا وأدرك نبوتي لاتبعني ) ) [رواه الدارمي؛ سنن 1/ 115/ ـ 116 وأخرجه ابن حبان في صحيحه ] وعن جابر أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتاه عمر، فقال: (إنَّا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا أَفَتَرى أن نكتب بعضها؟ فقال:(( أَمُتَهَوِّكُون أنتم كما تهوَّكت اليهود والنصارى؟! يعني: أمتحيرون أنتم في الإسلام فتلجؤوا إلى الأخذ من سواه ـ ثم قال عليه الصلاة والسلام: لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيًا ما وسعه إلاَّ اتباعي ) ) [رواه أحمد والبهيقي في شعب الإيمان عن طرق يؤيد بعضها بعضا ً] .

فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى المسلمين أول الإسلام عن الاستقاء من غير الكتاب والسنة موضحًا أنه جاءهم بالشريعة الواضحة الخالصة من الشرك والشبهات، المصونة عن التبديل والتحريف، التي فيها غنىً وكفاية عما سواها من العقائد والأديان، إذ كان لا بد من وضوح الفكرة وصفاء العقيدة واستقرار المقاييس والمفاهيم؛ فلما وعى المسلمون دينهم في صدر الإسلام، وتفتحوا بعد ذلك على ثقافات الأمم وأديانها وعقائدها جعلوا الإسلام حكمًا عليها، فكانت دراسات الأديان المقارنة التي قام بها مؤلفو كتب الفرق، كابن حزم، دليلًا على استعلاء الإسلام على ما سواه.

وعندما يعي المسلمون دينهم ويفقهون كلام الله ورسوله فإن الإسلام يظل مهيمنًا على ما سواه من أفكار ومعتقدات ونظم، وحكمًا عليها لأنه من عند الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه:

(ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه . . . ) ، (آل عمران:85 ) .

وأخيرًا لابد من كلمة عن علاقة التعليم الإسلامي بالتنمية في العالم الإسلامي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت