إن تاريخ الحركة الفكرية في الإسلام ينبغي أن يخص بدراسة ناقدة تجلي الإيجابيات والسلبيات، وتعلل ذلك قدر الإمكان. إن الظاهرة السلبية التي أشرت إليها يمكن أن تعلل بصعوبة الاتصال بين العلماء المسلمين في القرون الخالية مما يؤدي إلى عدم معرفتهم بنتاج بعضهم، هذا بالنسبة للمتعاصرين منهم، وصعوبة الوقوف على الكتب في تلك العصور التي لم تتوفر فيها وسائل الطباعة والنشر، بل كان الوراقون ينسخون نسخًا قليلة من كل كتاب، وكانت أسعار الكتب المنسوخة عالية، فلا يتمكن الكثيرون من شرائها، وكان العديد من العلماء ينسخون الكتب لأنفسهم، ربما حرصًا على الإتقان، وربما توفيرًا للمال أيضًا، ولكن كما ذكرت يبقى التقليد والتلخيص والشرح هو الغالب على مؤلفات القرون التي أعقبت عصر ازدهار الحضارة الإسلامية ... ولو كتب للحركة الفكرية الاستمرار في النمو والتكامل، وترسم مسالك الأوائل، لكانت القواعد النقدية، والأشكال الفنية، والمذاهب الأدبية قد تطورت ضمن إطار الحضارة الإسلامية بروحها وعلومها، ولم نقع في هذا التيه والفراغ الذي صرنا نملؤه بمعطيات غريبة.
وضع استراتيجية للبحوث الإسلامية
ومن أجل ذلك لا بد من وضع استراتيجية للبحث في العلوم الإسلامية من أجل نموها ولحاقها بالفكر المعاصر من حيث تناول مشاكل الحياة المعاصرة بشمول وعمق، وإبداع وابتكار، ويحتاج ذلك إلى رسم المسارات، وتحديد الأهداف، وتجنيد الوسائل .
إن عدم وجود هذه الخطة في الوقت الحاضر أضاع جهودًا ضخمة أسهمت في تراكم الكتب التي تكرر الأفكار نفسها، وربما بمستويات متقاربة أيضًا، وقد ولد ذلك استنزافًا لأموال وأوقات القراء المساكين الذين يقبلون على الكتب الإسلامية أكثر من سواها، ولكنهم يصابون بخيبة الأمل في غالب الحالات عندما لا تضيف الكتب الجديدة إلى معلوماتهم جديدًا، ولا تقدم كشافًا قويًا لواقع الجاهلية المعاصرة، ولا تغذيهم بزاد روحي يشبع نفوسهم المتطلعة بشوق ولهفة.
غياب حركة النقد الواعي والحاجة إليها
إن الثقافة الإسلامية تمر بأزمة قوية تتمثل في غياب حركة النقد الواعية التي تحكم على الأعمال الفكرية والأدبية، مما يوضح الإيجابيات والسلبيات أمام المفكرين فضلًا عن جمهور القراء . . إن غياب حركة النقد أدى إلى فوضى فكرية تتمثل في ضياع مقاييس التقويم، وكثرة التكرار في الأشكال والمضامين، وغلبة السطو الأدبي من (( الجدد ) )على (( القدامى ) )ومن (( المبتدئين ) )على (( الراسخين ) ).
واختلطت وسط الركام الضخم من الكتابات التي تملأ المكتبات.. اختلطت الأعمال (( المبدعة ) )الأصيلة بالكتابات الغثة المتهافتة .. وتحكمت المقاييس الكمية، فيقال: فلان كتب عشرين كتابًا، والآخر لم يؤلف سوى كتاب واحد، وقد يكون صاحب الكتاب الواحد أجدر بالتكريم والإكبار لما يتميز به ذهنه من خصوبة، وفكره من أصالة وقلمه من إبداع، وليس لصاحب الكتب العشرين نصيب من ذلك.
إن وجود الحركة النقدية كفيل بمسح الأعمال الفكرية والأدبية بشمول، وتقويمها بدقة ليعطى كل ذي حق حقه .. ولتتضح مقاييس التقويم بدقة، وتستبين معالم الطريق نحو النهضة بوضوح.
ولكن كيف السبيل إلى ذلك؟
إن الإحساس بالحاجة الملحة إلى النقد الواعي سيؤدي إلى احترام كتابات النقاد، ووضع النقاد في المكان اللائق بهم، وتكريمهم اجتماعيًا، ودعمهم ماديًا مع الإعلان عن هذا الاعتزاز ... والنقد ملكة وفن وخلق، فلا بد من وجود الاستعداد، الكافي إلى جانب التشبع بالدراسات النقدية، وبالمقاييس التقويمية، وذلك للقدرة على تذوق العمل الأدبي والفكري ثم الحكم عليه بإنصاف واعتدال دون إفراط أو تفريط، ودون التأثير بالعلاقات الاجتماعية والمجاملات الشخصية منها والعامة، مثل: مجاملة الرأي العام والتجاوب مع اتجاهاته.
إن النقد في مجتمعنا يحتاج إلى النقاد الذي يجمعون بين القدرة الفنية وقوة الشخصية للتمكن من تخطي الظروف الصعبة التي تلوي الأعناق بالترغيب مرة والترهيب أخرى لعدم الجهر بالرأي الحر، والحكم المجرد، والتقويم الدقيق ... وخاصة ونحن في بداية الطريق.
التعليم الإسلامي .. وتكنولوجيا التعليم
لا يزال التعليم الإسلامي يستخدم طرقًا بدائية بعيدة عن الإفادة من تكنولوجيا التعليم التي تستخدمها الجامعات المتقدمة في عالمنا المعاصر، كما تستخدمها مراكز البحث العلمي المرتبطة بالجامعات والمستقلة عنها؟
فما أثر ذلك على مستوى البحوث الإسلامية، ومستوى التعليم الإسلامي؟
إن الطالب في الجامعات الإسلامية يحتاج إلى عدة أشهر ليتمكن من جرد كتاب (( وَفَيَات العيان لابن خلكان ) )للحصول على معلومات معينة، بينما يتمكن باحث آخر في باريس مثلًا من الحصول على المعلومات نفسها خلال خمس دقائق فقط، لأن جهاز الكمبيوتر التابع لمعهد الأبحاث وتاريخ النصوص بباريس قد غذي بكتاب (( وفيات الأعيان لابن خلكان ) )، وصار يتمكن من الإجابة المدونة على أسئلة الباحثين المتنوعة.
(( ويهدف المشروع الذي يتبناه القسم العربي في هذا المعهد، وتشارك فيه عدة دول، إلى تصنيف وفهرسة كل الشخصيات التي برزت في العصور الوسطى للإسلام وذلك في حقل السير الشخصية والتاريخية والجغرافية، بالإضافة إلى ما يتعلق بهذه التراجم من معلومات شخصية ) )وقد بدأوا بتغذية الكمبيوتر منذ بضع سنوات، ولا شك أن ذلك سيعطيهم قدرات هائلة على التأليف السريع والموثق، ويقوي موقفهم العلمي في الدراسات الإسلامية مما يتهدد بزيادة خطر الغزو الفكري في المستقبل، ويعظم من قيمة مؤلفاتهم.
إن وجود مثل هذا الجهاز يمكِّن الباحثين بالإضافة للحصول على المعلومات من صنع الفهارس وغيرها من الإنجازات العلمية بصورة متقنة وسريعة توفر الوقت والجهد، ويلاحظ أن الدول المتقدمة تقنيًا اعتمدت معطيات العصر العلمية في التعليم، مثلًا: الولايات المتحدة لكل أربعمائة طالب في مراحل التعلم الابتدائي والمتوسط والثانوي جهاز كمبيوتر يستخدم في الأغراض التعليمية، وبالطبع فإن النسبة تزداد في المرحلة الجامعية وما بعدها من الدراسات العليا، في حيث أن العديد من جامعاتنا لمّا تبدأ بعد في الإفادة من هذه المعطيات.
وبالطبع لا بد من دراسة خصائص هذه الأجهزة وآثارها على الإنسان في المستقبل من حيث قدرته على استعادة المعلومات من الذاكرة، وهل تتأثر بالاعتماد على الكمبيوتر .. ومرانه الذهني في الرياضيات مثلًا ومدى تأثره بعدم حفظه ربما حتى لجداول الضرب البسيطة خاصة عندما يسمح للطالب بإدخال الآلة الحاسبة إلى الامتحانات .. إذنْ ستتأثر قدرات الذاكرة والمران العقلي، وما هو تأثير ذلك على تدريس العلوم الإسلامية بالذات؟ هنا لابد من الإشارة إلى ضرورة مراعاة خصائص الثقافة الإسلامية ومدى ملاءمة طرق التدريس المعاصرة لها، وهل يمكن أن تفي طرق التدريس المعاصرة باحتياجات الثقافة الإسلامية؟ وإن كانت تفي بذلك فهل نقتصر على طرق التدريس القديمة التي كانت سائدة في عصور ازدهارنا الحضاري واستمر دون تطوير في الفترات التي أعقبت ذلك حتى مطلع القرن العشرين؟
وهل يمكن الإفادة من الجمع بين الأصالة والمعاصرة في طرق التدريس لمواءمة الثقافة الإسلامية بخصائصها المتميزة؟