ولا يخفى الاتصال الوثيق بين علي يعتة والجالية اليهودية في المغرب؛ فقد ظهر بمناسبة عيد رأس السنة الميلادية لعام 1994م في معبد يهودي مرتديًا طاقية اليهود التقليدية، وهو يستمع إلى الحَبر الكبير الحزّان داخل السنياغوغ (12) .
ونسبة المنخرطين اليهود في الحزب الشيوعي المغربي لم تبلغها أي نسبة أخرى من انخراطاتهم في التكتلات اليسارية والتجمعات النقابية الأخرى كالاتحاد الوطني لطلبة المغرب والاتحاد المغربي للشغل رغم أنها كانت فيها نسبة غير قليلة من المسؤولين اليهود (13) .
كما أن الذين كانوا يشرفون على تعذيب المقاومين المغاربة في السجون في عهد الحماية كان من بينهم اليهود، وكانوا أكثر نشاطًا في التعذيب، وأشد حقدًا عليهم من غيرهم (14) . بل إن من اليهود المغاربة من يعترف بذلك الموقف المشين؛ يقول إسحاق ليفي في مقال له في صحيفة (العلم) المغربية: إن الحقيقة التي لا تخفى على أحد هي أن الأقلية اليهودية بالمغرب عُزلت واعتزلت كثيرًا عن الروح الوطنية، وذلك بفضل جهود الاستعمار من جهة، ومن جهة أخرى بواسطة التعاليم المعطاة لهم من طرف (الميثاق الإسرائيلي العالمي) (15) ومن بين الشيوعيين المغاربة اليهود البارزين: إبراهام السرفاتي أبرز قيادات منظمة (إلى الأمام) الماركسية، والكاتب في مجلة (أنفاس) سابقًا.
من تاريخ الأحزاب الشيوعية العربية ج2
بقلم: د. محمد آمحزون ، مجلة البيان العدد 89 المحرم 1416 - يونيو 1995
وكذلك نبتت الأحزاب الشيوعية العربية الأخرى بغرس ورعاية اليهود في مصر والعراق غير أن المهم في هذا المجال بالذات مواقف الشيوعيين العرب من القضية الفلسطينية، أي: موقفهم من قضية الأمة الإسلامية في معركتها المصيرية، وإذا كان يحق للاتحاد السوفييتي أن يتصرف كدولة، وأن يعمل وفق مصالحه ـ وإن خالفت مصالح الآخرين ـ فكيف يحق لمواطنين عرب أن يصروا على التعامل معه والتبعية له باعتبار أنه عقيدة لا دولة، وأنه يعمل وفق المبادئ لا المصالح، وأن يتبنوا بالتالي مواقف تلك الدولة التي لا تأبه إلا لمصالحها، ولا تعمل إلا لتنفيذ مخططاتها القريبة والبعيدة.
وتجدر الإشارة إلى أن الأحزاب الشيوعية العربية اشتركت في تأييد تقسيم فلسطين، وفي الدفاع عن مبدأ دولة إسرائتيل، وفي الهجوم على الرجعية العربية بوصفها مسعرة نار الخصام بين الشعبين العربي واليهودي!، وعدوة الحق! اليهودي في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين، وبلغ بالشيوعيين العرب التحدي لمشاعر الأمة العربية الإسلامية أن يطالبوا الحكومات في البلاد العربية بالاعتراف بدولة إسرائيل، وأن ينظموا في كل من سورية والعراق وفلسطين ومصر مظاهرات شيوعية هزيلة تؤيد حق الشعب اليهودي في إقامة دولة إسرائيل بعد أن أقرت هيئة الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1947م مشروع تقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية ويهودية (16) .
فهذا (الحزب الشيوعي السوري اللبناني) يعتبر حرب 1948 ضد إسرائيل: مؤامرة رجعية دنيئة استعمارية، هدفها بذر الخصومة والعداء بين الشعبين العربي واليهودي، ورفع شعار (إلى الاتحاد في سبيل سحب الجيوش من فلسطين) (17) .
ودعا (الحزب الشيوعي العراقي) الحكومات العربية الخائنة ـ على حد قوله ـ إلى الاعتراف بإسرائيل مناديًا: فلتسقط الحرب بين الوطنيين والديموقراطيين العرب واليهود لإحباط خطط الاستعمار والرجعية، ولتحيى الصداقة العربية اليهودية! (18) .
وكتب في صحيفته السرية (القاعدة) : إن الشعب العراقي يرفض بإباء أن يحارب الشعب الإسرائيلي الشقيق (19) .
أما الشيوعيون العرب في فلسطين: فقد وقفوا منذ اللحظة الأولى إلى جانب إخوانهم الشيوعيين اليهود مطالبين بحق اليهود في إقامة دولة إسرائيل واستقلالها عن العرب، وطالبوا بإجراء مفاوضات مباشرة ما بين إسرائيل والحكومات العربية، وشددوا على ضرورة سحب القوات العربية المعتدية من إسرائيل (20) .
على أن الحزب الشيوعي المصري قد بلغ نهاية المطاف انغماسًا في حمأة التآمر والخيانة الصريحة؛ فجاء في بيان له: لقد عانى الشعب اليهودي في فلسطين اضطهادًا لمدة طويلة، إن الشعب اليهودي يريد أن يحصل على استقلاله الذاتي، وإن فرض الوحدة مع العرب ـ تلك الوحدة التي يرفضها الشعب اليهودي ـ معناه أولًا: أننا نناقض مبدأ حق تقرير المصير (21) .
وعاد الحزب نفسه ليكتب في بيان آخر له: إن اليهود يكوّنون اليوم شعبًا ديموقراطيًّا! وتزداد سيطرتهم على حكومتهم يومًا بعد يوم، في حين أن الحكومة العربية في فلسطين حكومة فاشية!!... وإن القضاء على الدولة اليهودية وإخضاع اليهود لهذه الحكومة العربية معناه القضاء على واحة الديموقراطية التي يمكن أن تكون ذات تأثير حسن على الجزء العربي في فلسطين، وتلعب دورًا إيجابيًّا في الشرق الأوسط (22) .
أما (المنظمة الشيوعية) فقد عالجت في أواخر عام 1948م النزاع العربي الإسرائيلي في مقال افتتاحي نشرته صحيفة (صوت البروليتاريا) في عددها الثالث، فقالت: في 15 مايو (أيار) 1948م غزت! جيوش البلاد العربية فلسطين، هناك حرب قائمة في الشرق الأوسط منذ ستبعة شهور، ولكننا إذا درسنا هذه الحرب بتعمق لوجدنا أنها ليست سوى حرب عنصرية، لقد أملى الاستعمار البريطاني هذه الحرب وأعد لها منذ سنين طويلة ليدافع عن مركزه في الشرق الأوسط، إن هذه الحرب هي واحدة من مصادر الحرائق الكثيرة التي تشعلها الرجعية العالمية، وذلك بهدف خلق ترسانات من بعض المناطق التي يريدون استخدامها كنقط للهجوم ضد الاتحاد السوفييتي، وأخيرًا فإن هذه الحرب موجهة اليوم ضد الخطر الذي تمثله البروليتاريا الثورية في فلسطين (تعني إسرائيل) (23) .
إن في هذه العبارات من التمويه والمغالطة ما لا تخفى؛ فالاستعمار البريطاني لم يتدخل في الشرق الأوسط إلا لمصلحة إسرائيل، فهو الذي أصدر وعد بلفور، وفتح باب الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وخطط بكل ما يملك من وسائل بتنسيق مع الصهيونية العالمية لإقامة الكيان اليهودي في فلسطين المحتلة، ولسنا ندري أي رجعية عالمية يعني هؤلاء، وقوى الغرب والشرق، اليمين واليسار، أمريكا والاتحاد السوفييتي وأوروبا جمعاء كانت في صف إسرائيل في مؤامرة عالمية استهدفت الوجود العربي الإسلامي في فلسطين.
ذلك كان مجمل مواقف الأحزاب الشيوعية العربية من موضوع فلسطين وإسرائيل، وقد حرصت هذه الأحزاب أن تظل منسجمة مع مواقف الاتحاد السوفييتي في الأمم المتحدة وموافقته على قرار التقسيم.
فكيف يرجى أن تحرر هذه الأحزاب المجتمعات العربية الإسلامية من تركة الجهل والذلة اللذين ورثتهما من الاستعمار الصليبي، وكرسهما شرذمة من الحكام المستبدين الذين بذلوا ولاءهم ومنحوا تأييدهم للغرب؟!.
وكيف يؤمل أن تنهض هذه الأحزاب بالأمة، وهي التي ارتمت في أحضان يهود الشرق، وسلمت لهم مقاليد أمورها بتنفيذ تعليماتهم وخططهم الموجهة لمناصرة إسرائيل؟!، وصدق الشاعر العربي في هذا الصنف من الناس:
ونشحذ من يهود الشرق عدلًا...كمن تَخِذَ الغراب له دليلا
أليس من المخجل زرع استعمار جديد في قلب العالم الإسلامي، وهو الاستعمار الصهيوني ـ العدو اللدود للمسلمين ـ الذي ما فتئ يضع ـ بتنسيق مع الصليبيين ـ كل العراقيل والعقبات التي تحول دون تقدم البلاد الإسلامية ونهضتها.