سبق بنا الحديث عن مكر الإعلام الغربي ومن ورائه الأفعى اليهودية التي تحركه وتديره لتشويه الإسلام وإظهار المسلمين بمظهر الوحشية والمعاداة للمدنية والحضارة والتقدم . وبينَّا أساليبهم في تحريف وتزييف قضايا المسلمين المحقة . ولم يكتف القومُ بالتشويه والتحريف والتزييف بل غزو بلاد المسلمين غزوًا إعلاميًا مدروسًا ومخططًا له بهدف لتغريب المسلمين وتذويب هويتهم وطمس ثقافتهم . واليوم نسوق أثر هذا الغزو الإعلامي الوحشي على عقول شبابنا وأفئدة أطفالنا وشخصية نسائنا وتفكير كهولنا وشيوخنا ممن جعلوا أنفسهم كالإسفنجة التي تمتص وتتشرب كل ما يلقى إليها ، وسمحوا للدخلاء من القنوات والفضائيات والانترنت أن يدخلوا بيوتهم وأن يتطفلوا على موائدهم الفكرية وأن يربوا أبناءهم وبناتهم على النمط الأمريكي والنموذج الأوروبي . وإنه لمن جلل المصاب وعِظم الرزية أن جعل هذا الغزو فئامًا كبيرة من شباب المسلمين يعيشون بلا ضوابط ، وحياتهم بلا أهداف طموحة ولا معاني سامية . وتسبب في نشوء جيلٍ مشوه الأفكار ، مركوس الفطرة ، يتبع الشهوات ويغوص في المنكرات ويجعل من الفنانين والرياضيين قدوة يحاكيها في كل شيء ، حفِظ أسماءهم وأسماء آبائهم عن ظهر قلب ، في حين لا يكاد يعرف من هم الخلفاء الراشدون الأربعة . هذا الغزو هو إيدز العصر وأخطر تحدي للأمة المسلمة ، لم يقتصر على الاختراق السياسي وتشويه الحقائق وإلصاق التهم بل امتد إلى اختراق عقول الأمة والتشكيك في دينها وعقيدتها . { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره } . لقد بدأت بعض الدول الكافرة بدأت تحذَر من الغزو الإعلامي وتعمل على تجنب آثاره ومضاره ، فعلى الرغم من اتجاه دول أوروبا إلى التقارب السياسي والاقتصادي والإعلامي فيما بينها ، إلا أن كل دولة من هذه الدول لا زالت تبذل جهودًا كبيرة للحفاظ على هويتها الثقافية المتميزة، وتحاول الوقوف في مواجهة الغزو الثقافي القادم مع البث المباشر من دول أخرى في القارة نفسها أو من خارجها. وهذا ما فعلته اليابان حفاظًا على ثقافتها وفكر وسلوكيات أبنائها، وهو أيضًا ما فعلته فرنسا وكندا اللتان ضاقتا بالغزو الثقافي الأمريكي في وسائل الاتصال . وإذا كان ذلك التخوف وتلك الإجراءات تتخذ من جانب دول كافرة ملحدة وذات قوة اقتصادية وإعلامية في مواجهة غزو إعلامي من دول كافرة مثلها ، فالحاجة أشدُّ في دولنا الإسلامية إلى مثل هذه الحماية وهذه الحيطة ، سيما وأن التأثير ليس فقط في عقول الأمة بل وفي شخصيتها وأخلاقها ودينها. لقد واجه العالم تطورًا علميًّا هائلًا منذ سنة 1971م ( أي قبل حوالي 31 سنة ) يتمثل في توظيف الأقمار الصناعية في خدمة الإرسال التلفزيوني المباشر، دون حاجة إلى محطات أرضية ، وأصبح الإرسال يصل إلى المنازل مباشرة دون إمكان تدخل الأجهزة الرقابية في الدول، وأصبح هذا التطور بشكِّل سلبيات تعاني منها الدول لعدم قدرتها على إيقاف البث أو السيطرة عليه، وقد استخدمت هذه القنوات من جانب دول الغرب ، سواء من خلال قنواتها المباشرة، أو من خلال إنتاجها الذي يمثل حوالي 50% من الإنتاج الذي تبثه كثير من القنوات في العالم الإسلامي في خدمة تسويق أخلاقهم ومجونهم وأساليب حياتهم وطرق التفكير والعلاقات السائدة في مجتمعاتهم ، هذا إلى جانب تسويق منتجاتهم الاقتصادية ، والسيطرة على عقول أبناء المجتمعات الإسلامية، وتحقيق ما يطلق عليه: الاختراق الإعلامي للدول، الذي يعتبر مدخلًا لكل الاختراقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية... . لقد أصبحت الثقافة صناعة وسلعة تُنتج وتُباع وتُشترى ويتم تبادلها، وتسيطر عليها الشركات المتعددة الجنسيات، وتَحوَّل الجمهور إلى سوق واسعة يجب استثمارها، وظهرت أسواق تجارية لمحاصيل ثقافية وفيرة وجاهزة . ففي 1991م بلغت قيمة صادرات بريطانيا من المواد الثقافية 25 مليار دولار محتلةً بذلك المرتبة الثانية في الدخل القومي بعد السياحة ، بينما تحتل الصناعة المرتبة الخامسة. وفي العام نفسه بلغت قيمة الصادرات الأمريكية 60 مليار دولار، وهو رقم قريب من صادرات السلاح. لقد ارتبط البث المباشر وتزايد القنوات الفضائية بالتقدم الضخم الذي تم إنجازه في مجال تقنية الاتصالات الفضائية، وبخاصة فيما يتصل بتنامي قوة الأقمار الصناعية وصغر حجم الهوائيات ورخص ثمنها بحيث أصبح من الصعب جدًّا ـ إن لم يكن مستحيلًا ـ السيطرة على هذا البث من خلال التشويش أو الإلغاء، فضلًا عن تكاليف ذلك التي لا تستطيع كثير من الدول الإسلامية تحملها. ومما زاد من حجم الكارثة أن موقع الدول العربية الجغرافي مكَّن المشاهدين من استقبال العديد من قنوات البث المباشر من آسيا وأوروبا وأمريكا والدول العربية الأخرى دون حاجة إلى هوائيات إضافية. ولقد تعاظم تأثير القنوات في حياة المسلمين حتى وصل إلى مرحلة الإدمان ، ويُعرف هذا الأثر بعدد ساعات المشاهدة اليومية التي يقضيها المشاهدون وبخاصة الأطفال والشباب. ففي تقرير لمنظمة اليونسكو العالمية ، رقم (33) تبين أن المراهقين ، في البلاد العربية ، يقضون ما بين اثنتي عشرة ساعة إلى ستين ساعة أمام الشاشات أسبوعيًا، وأن الأطفال في سن الخامسة حتى السابعة يُبدون أقصى اهتمام بمشاهدة التلفزيون، وفي المرحلة التي تسبق هذه الفترة فإن الطفل في سن الثلاث سنوات يقضي ( 45) دقيقة يوميًا أمام التلفزيون، وفي سن أربع سنوات ينفق ساعة ونصف الساعة يوميًا. ويظهر التأثير السلبي الهائل للقنوات على الأطفال بشكل واضح في تبدل تكوينهم الشخصي والنفسي ، ويستطيع المراقب إدراك ذلك من خلال نشوء اهتمامات جديدة لدى الأبناء وأنماط من السلوك تحاكي سلوك الممثلين أو الشخصيات الخرافية الوهمية . أما الأطفال الذين يولدون والدُّش في بيوتهم فإنه يغدو بعد حينٍ: أهمَّ موجِّه لتفكيرهم وسلوكهم وذوقهم واهتماماتهم، وقد لا يلاحظ ذلك كثير من الآباء والأمهات، وخاصة أولئك الذين لا يهمهم إلى أين تسير السفينة أو من يوجِّه الدفة. يقول أحد الباحثين:"إن تأثير الإعلام على الأطفال تأثير ثابت، ولا ينبغي للمسؤولين أن يقللوا من خطره، أو يهوِّنوا من أمره، ولاشك في أن طريقة معالجة التلفزيون للأحداث ، وخاصة أسلوب استخدام الكاميرا يجعل التلفزيون مصنعًا للخوف والرعب بالنسبة للموضوعات العنيفة، وعندما يخلط الأطفال بين الواقع والخيال، ويتعرضون للتأثير الضار باستمرار، ويرون المجرم بطلًا خفيف الظل ، والقانون لا ينتصر إلا في النهاية، ورجل الشرطة موضع تهكم وسخرية، والقاضي إنسانًا مترددًا ومضحكًا، ورجل الدين رجلًا معقدًا متخلفًا ، فإن احتمال عدم التأثير بذلك كله أمر جِدُّ عسير"أ . هـ. وقبل حوالي خمسة وعشرين سنة ظهر كتاب بالغ الآثار والأهمية وهو الكتاب الوحيد الذي ناقش تجربة التلفزيون ومشاهدته في ذلك الوقت اسمه ( المخدر الكهربائي ) وكان سببًا لضجة كبيرة عند الآباء القلقين، وعلماء النفس والمربين، ولقد أكد الكتاب أن مشاهدة الأطفال للتلفزيون تسبب عندهم نوعًا من الإدمان، وأنها تحول جيلًا كاملًا منهم إلى أشخاص يتميزون بالسلبية، وعدم التجاوب، ولا يستطيعون اللعب والابتكار، ولا يستطيعون حتى التفكير بوضوح ، فكيف يتسنى لمثل هؤلاء الأطفال استيعاب الدروس في المدرسة وتركيز اهتمامهم فيما يلقى عليهم أو يطلب منهم التفكير فيه إذا كانت معظم أوقاتهم تستنفد أمام الشاشة الصغيرة؟. وجاء في استطلاع