فهرس الكتاب

الصفحة 2532 من 3028

حين جهر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالدعوة في مكة لم يقف الناس من الدعوة موقفا واحدا . منهم من بادر ولم يتردد ، كمن كانوا في بيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يومها ، زوجته خديجة وغلامه زيد بن حارثة وعلي بن أبي طالب وأم أيمن (1) ،وأصحابه أبو بكر الصديق ومن آمن بدعوة أبي بكر ـ رضى الله عنهم أجمعين .

ـ ومنهم ـ ممن سمع الدعوة في مكة ـ مَن أفحمه خطاب الدعوة وكان عاقلا بيد أن حب الآباء والأجداد أَمْسَكَهُ عن إتباع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثل أبو طالب (2) عم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وكالأعشى الشاعر فقد أقر ورحل من نجد مهاجرا ثم أرجعه المال وحب الخمر . وقصته مشهورة (3) ، ومنهم من أقرَّ وعاند كالوليد بن المغيرة (4) وعتبة بن ربيعة (5) ومنهم من أعرض واستهزأ وسخر ، وهم من نزل فيهم قول الله تعالى (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ) ( فصلت: 5 ) .

ومنهم من جحد واستكبر وهم من نزل فيهم قول الله تعالى: وقول الله تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) (الأنعام: 33 )

وأورد بن جرير الطبري في تفسير الآية 33 من سورة الأنعام ما نصه: ( فالتقى الأخنس(6) بأبي جهل فقال يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب ؟ فإنه ليس ها هنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا ، فقال أبو جهل: ويحك . إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة فماذا يكون لسائر قريش ؟ فذلك قوله: ( فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) (7) وكان هناك قوم لم يظهروا في الأحداث بكثير ولا بقليل ، وهم المعرضون .المنشغلون بدنياهم .

والجاحدون والمعاندون والمستهزئون الساخرون هم من يسميهم القرآن الكريم ( الملأ ) . . . هم من أخذوا على عاتقهم تضليل الناس بتشويه صورة الإسلام ، وإشغال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالشبه والدعاوى الكاذبة التي كانوا يرمونها عليه وحوله ، فيقولون مرة أنه كذّاب ومرة أنه ساحر ، ومرة أنها أساطير الأولين اكتتبها وجاء يحكيها . . . ويكذبون على قومهم تارة وتارة يرهبونهم وتارة يرغبونهم كل ذلك ليبعدوا الناس عن دين الله (8) ومنهم ـ وهم محل الشاهد في دراستي هذه ـ من أقبل بخطى بطيئة وقدمٍ مرتجفة ووقف مهزوزا . صَدَّقَ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم تزل تنازعه أواصر الرحم وعُرف الآباء والأجداد وظلَّ هكذا بين هؤلاء وهؤلاء حتى جاءت الهجرة فقعد إيثارا للأهل والدار ولم يهاجر ، وخرج يوم ( بدر ) في صفوف الكافرين مكرها ـ بزعمه ـ فقتل كافرا . وهم من نزل فيهم قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا) (النساء: 97 )

وأورد الطبري في تفسير هذه الآية رواية عن بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وهي تبين حال هؤلاء النفر من الناس يقول بن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ: عن بن عباس رضي الله عنه قال . ( كان قوم من أهل مكة أسلموا ، وكانوا يَسْتَخْفُون بالإسلام فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم ، فأصيب بعضهم ،فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأُكرهوا ، فاستغفروا لهم فنزلت:(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا) (النساء: 97 ) .

قال: فكُتبَ إلى من بقى بمكة من المسلمين بهذه الآية وأنه لا عذر لهم . قال: فخرجوا ، فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة فنزلت فيهم (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ) (العنكبوت: 10 )

فكَتَبَ المسلمون إليهم بذلك فحزنوا وأَيسوا من كل خير . ثم نزلت فيهم (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النحل: 110 )

فكتبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجا ، فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا مَنْ نجا وقتل من قتل ) (9) وهم أيضا من نزل فيهم قول الله تعالى (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (النساء: 88 )

جاء في تفسير القرطبي عن بن عباس ـ رضى الله عنه ـ أنه قال: أنهم قوم آمنوا بمكة وتركوا الهجرة .

وجاء في تفسير بن كثير عن ابن عباس نزلت في قوم كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم فقالوا إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس وإن المؤمنين لما أُخبروا أنهم قد خرجوا من مكة قالت فئة من المؤمنين اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم: وقالت فئة أخرى من المؤمنين سبحان الله ـ أو كما قالوا ـ أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به ـ يعنون من الشهادتين ـ ، من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم نستحل دماءهم وأموالهم (10) فكانوا كذلك فئتين والرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء فنزلت"فما لكم في المنافقين فئتين".

وجاء في تفسير القرطبي أيضا: أنها نزلت في قوم جاءوا إلى المدينة وأظهروا الإسلام ; فأصابهم وباء المدينة وحماها ؛ فأركسوا فخرجوا من المدينة , فاستقبلهم نفر من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالوا: ما لكم رجعتم ؟ فقالوا: أصابنا وباء المدينة فاجتويناها ; فقالوا: ما لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة ؟! فقال بعضهم: نافقوا . وقال بعضهم: لم ينافقوا , هم مسلمون ; فأنزل الله عز وجل:"فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا"الآية .

والمقصود هنا:

أن كل من رفض الدعوة لم يرفضها تكذيبا للمخبر ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو لِما أخبر به ،بل لا يوجد مَن هو مُكَذِّب أصلا ممن أنصتوا للدعوة ، فقد قامت كل البراهين على صدق المُخبر وصحة الخبر (11) ، نعم قد يوجد شاك ، ولكن لا يستمر الشك إلا إذا صاحبه الإعراض . . . الشكُ لا يستمرُ إلا بالإعراضِ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت