فهرس الكتاب

الصفحة 2632 من 3028

وقد تكون المخطوطتان المحققتان للمرحلتين من نمط واحد، وتتناولان موضوعًا واحدًا لن يأخذ وقت الأستاذ وهو يحاضر سوى دقائق ليغطيه، وينتقل إلى ما سواه من موضوعات المادة التي يتخصص فيها؛ فما هو أثر عمله عدة سنوات في مرحلتي الماجستير والدكتوراه على تدريسه الجامعي؟

إن هذا الانفصال بين تحصيل العلم، والعطاء العلمي جدير بالدراسة والمعالجة ..

وأنا لا أدعو إلى إهمال تحقيق كتب التراث وإسقاطها من الحساب في تسجيل الرسائل الجامعية … ولكن ينبغي ألاَّ تمثل كل متطلبات الماجستير والدكتوراه .. بل توضع مقررات دراسية للمرحلتين، وينصب الاهتمام على كتابة البحوث الصغيرة المتنوعة في مصادرها وموضوعاتها، وتلقى محاضرات في مادة التخصص لتوسيع مدارك الطالب، وتفتيح آفاق المعرفة بتخصصه من ناحية وبمجمل الثقافة العامة من ناحية أخرى .. فليس الفكر في لزوم ترابط جوانبه مثل العملية الإنتاجية المادية، إذ يمكن أن يتخصص العامل في إنتاج وحدة مكملة لوحدات الآخرين ، ولا يمكن للمثقف أن يحصر معلوماته في قضية واحدة من قضايا الفكر؛ إذا أراد أن يبقى مثقفًا.

إن الوضع الحالي للمناهج وطرق التدريس والبحث لا يكفي لتكوين شخصية الأستاذ الجامعي، ومن هنا وجدنا أساتذة لا يتمكنون من إلقاء محاضرة كاملة متصلة .. وآخرين يوصلون المعلومات بلغة عامية أو عربية ركيكة؛ مما يؤدي إلى ملء أسماع طلبتهم وذاكرتهم بالعجمة، وباللحن الذي ينشرونه في أوساط المؤسسات التعليمية.

ومن المسلم به أن مهمة الأستاذ الجامعي لا تقتصر على القُدرة على توصيل المعلومات للطلبة بصورة صحيحة، بل تتعدى إلى القدرة على البحث العلمي في مجال تخصصه، والتمكن من الإضافة إلى المعرفة؛ بحيث لا ينقطع عن التحصيل والعطاء طيلة حياته، وبذلك وحده يكون قادرًا على التجديد في محاضراته والإضافة إلى معلوماته.

ولا يعني ذلك أن مهمة الأستاذ الجامعي تعليمية بحتة؛ بل هي مهمة تربوية تسعى لإضفاء المسحة الثقافية على الطلبة، والتأثير في سلوكهم، وعاداتهم، وطرق تفكيرهم؛ فتكسبهم النافع وتحذف منهم الضار، وتقومهم فكرًا وسلوكًا وهذا يتطلب أن يكون الأستاذ مؤهلًا تربويًا إلى جانب تأهيله العلمي الأكاديمي.

حقوق المفكرين الأدبية والمادية

وإذ أردنا الإنصاف فلا بد من التأكيد على حقوق الأساتذة وحمايتها، وحماية إنتاجهم العلمي، وعدم الاكتفاء بمطالبتهم بالواجبات، كما ينبغي أيضًا عدم تحميلهم وحدهم مسؤولية الركود العلمي ... فما يحدث من سرقات علمية في الرسائل الجامعية، فضلًا عن السرقات الأدبية الأخرى التي تملأ المكتبات المخصصة لبيع الكتب بالاعتماد على ضعف الحماية للمؤلف قانونًا، مما أضاع حقوق المؤلفين وعرَّض حياتنا الفكرية للخطر.

وإلاَّ فما هو شعور العالم الذي أمضى سنوات طويلة في تحقيق كتاب من كتب التراث، عندما يجد كتابه وقد انتحله آخر بتغيير طفيف في المقدمة والحواشي؟! وهل يستمر العالم في متابعة الإنتاج وهو يعلم مصير منجزاته وأعماله العلمية؟

إن حقوق التأليف في بلدان العالم المتقدمة محفوظة، ومحترمة إلى حد كبير، والعالم يفرغ للبحث والتأليف والتحقيق وهو مطمئن إلى ضمان حقوقه الأدبية والمادية، وهذا عامل هام في إيجاد الأجواء الصالحة للبحث العلمي.

ولا يكفي أن نعتمد على (( النية ) )وحدها في التأليف والتحقيق، فلماذا لا يسري ذلك على أجور المعلمين ومحاضرات الأساتذة، ويسري على حقوق التأليف وحدها؟. مع أن أجور المعلمين دفعتها الدولة منذ صدر الإسلام، بل وجعلت التعليم مقابل المال في مفاداة أسرى بدر.

إنه إذا أردنا أن تسري الروح في حياتنا الفكرية؛ فلا بد أن نحافظ على الحقوق المادية والأدبية للمؤلف وللمحقق؛ بوضع اللوائح التنظيمية، ودعم المؤسسات الرسمية المتخصصة، وتشريع العقوبات المناسبة لسرقة الأفكار والمؤلفات.

إن الأجواء الفكرية الراكدة جعلت لصوص الفكر آمنين حتى من النقد والتعريض بهم فضلًا عن أمنهم العقوبة؛ فالروح الفردية وعدم المبالاة أدى إلى ألاَّ يرتفع قلم إلاَّ ليدافع صاحبه عن حقوقه، وليس عن حقوق المؤلفين عامة.

أين المعارك الأدبية؟ وأين النقد الأدبي يقوَّم النتاج ويُعَرِّف به ويحميه؟ وكم تصدر من دراسات وتحقيقات لا تحظى باهتمام أحد لعدم وجود النقاد؟

وكيف تنتعش حياتنا الثقافية في مثل هذا الأجواء الراكدة؟

إننا نعاني من فوضى في النشر لا نجد لها مثيلًا لدى الأمم الأخرى ... ومنذ عدة عقود، وعندما بدأت حركة إحياء التراث وساهم فيها عدد من العلماء في بداية الأمر، ظهرت مشكلة تكرار الأعمال لعدم وجود مركز يُوَحِّدُ المعلومات عن الكتب المطبوعة والمخطوطة؛ يمكِّن العالم من تسجيل حقه في العمل بكتاب معين، ويعلن ذلك ويلتزم به أدبيًا، فلا يزاحمه أحد ولا يقلقه طفيلي، ومقابل ذلك يلتزم بإخراجه ولا يُسمح لعالم واحد باحتكار مجموعة كتب لا ينشر إلا مقدماتها ثم ينتقل إلى رحمة الله!

لقد تضخمت هذه المشكلة بتوسع الدراسات العليا، وإقبال طلبتها على تسجيل رسائلهم العلمية في تحقيق التراث.

أعمال مكررة .. وجهود ضائعة

وهنا تطالعنا صورة أليمة عن ضياع الجهود الكثيرة في الأعمال المكررة، وأحيانًا يعمل ثلاثة أو أربعة من الباحثين في نشر كتاب واحد، وفي الغالب يكون مستواهم متقاربًا، ونسخهم متشابهة . . . في الوقت الذي نحن بحاجة فيه إلى كل جهد لإنجاز مهمة تحقيق التراث في مدة زمنية مناسبة.

ولو نُسِّقَت الطاقات فربما وصلنا إلى (( مكتبة عربية تراثية متكاملة ) )خلال ربع قرن من الزمان، إن بعضهم لا يرى بأسًا في صدور عدة نشرات من الكتاب الواحد؛ فالنسخ تكثر وتغطي حاجة العالم الإسلامي؟؟ ولكنه ينسى أمرًا أهم وهو تبديد الجهود وضياع الطاقات لفئة من المتخصصين نحن بأشد الحاجة إليها.

والمشكلة ليست من المعضلات، ولا تحتاج سوى الاتفاق بين الجامعات ومراكز التحقيق المختلفة على ترشيح جهة معينة مثل: معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، أو وحدة المعلومات التابِعة للندوة العالمية للأنشطة العلمية الإسلامية، أو غيرهما تقوم بجمع المعلومات في جهاز (( كمبيوتر ) )وتنظيمها وجعلها في متناول الجامعات والمراكز العلمية الأخرى، فلا تسجل رسالة إلاَّ بعد الرد الإيجابي من قبل تلك الجهة.

فهل تعجز مؤسساتنا عن ذلك في عصر الاتصالات السريعة؟ وكثير منها تمتلك (( التلكس ) )وسائر وسائل الاتصال، فلماذا نهدر طاقاتنا ونضيع جهودنا بسبب الإهمال وعدم المبالاة وحدهما؟!.

إن إلقاء نظرة سريعة على نشرة (( أخبار التراث العربي ) )التي يصدرها معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، أو (( النشرة الإخبارية ) )التي تصدرها وحدة المعلومات التابعة للندوة العالمية للأنشطة الإسلامية، توضح مدى تفاقم المشكلة وآثارها السلبية على حياتنا الفكرية، إذ قلما يخلو عدد منهما من ذكر الازدواجية في الأعمال الفكرية، فمحقق يعلن عن اشتغاله بتحقيق نص، ويتعقبه ثان بأنه يعمل في تحقيق النص نفسه، وقد يقوم ثالث بإخراج النص دون الاثنين، ودون إعلان؛ عملًا بحديث (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان ) !!

إن دراسة تاريخ الحركة الفكرية في الإسلام تفتح بصيرة الإنسان المعاصر على أبعاد الالتزام الأدبي، وانكشاف السرقات الأدبية ولو بعد حين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت