** إن الأمة المسلمة تمتاز بأنها تنهض بعد كل كبوة وتفيق بعد كل غفلة وتتعافى بعد كل وعكة، وهي أمة وإن تجبر على الانحناء فإنها لا تعرف الفناء، وقد محيت شعوب كثيرة وانهارت حضارات وأصبحنا نزور آثار حضارات الفراعنة والآشوريين والفينيقيين والرومان واليونان والأقباط والفرس، وانتهت الإمبراطورية البريطانية، أما هذه الأمة فقد كانت قادرة دائما على النهوض، ولذلك ففي مرحلة جلد الذات ينبغي أن نقول إن هناك عملًا، فقد جاء المد الصليبي من الغرب في عشر حملات خلال قرابة 200 عام، وجاء الغزو التتري من الشرق فعاث فسادًا في بلاد المسلمين، لكن الأمة أخذت بأسباب النصر ولم تيأس وتحركت فيها روح الجهاد واستطاعت أن تقف من جديد شامخة وتهزم عدوها شر هزيمة. وفي هذا المقام أدعو إلى مصالحة عربية عربية، ثم مصالحة عربية إسلامية، ففي وقت ينظر لنا أعداء الأمة على أننا العدو رقم واحد فإنهم ينظرون إلينا مجتمعين لا فرادي، ولذلك يجب فعلًا أن نواجههم بالتوحد الذي يخيفهم ويردعهم.
* من ثقافة العولمة إقامة النظم الديمقراطية بما فيها من أحزاب وتعددية وتداول للسلطة.. فماذا تعني هذه الأمور في المنظور الإسلامي؟
** الاختلاف في الرأي يولد الحقائق بشرط أن يكون هذا الخلاف ضمن مظلة الإسلام، ونحن لا نريد للأمة أن تعتنق نوعا من الأنسجة الفكرية التي تباعد بينها، فكلما كان النسيج الفكري موحدًا كلما كانت الأمة أكثر التقاء. إن التعددية الحزبية تأتي نتيجة اختلاف الأقليات، فإسرائيل مثلًا بها 22 حزبا سياسيا وذلك لأن المجتمع الإسرائيلي يتكون من 90 جنسية ويتكلم مائة لغة، وكذلك الحال بالنسبة لأمريكا وأوروبا، لكننا والحمد لله لا نعاني من هذه الانقسامات، فلماذا نحاول جاهدين أن نقسم أنفسنا؟ ولا يجب أن نعتقد أن النموذج الغربي نموذج سليم، لكن إذا قلنا بأحزاب إسلامية تحت مظلة إسلامية في نظام يطبق الإسلام فهو أمر مشروع، لأنه يعني مدارس فكرية تجتهد داخل الإطار الإسلامي. أما بالنسبة للديمقراطية فلا توجد ديمقراطية إلا في الإسلام. فحينما كان يختلف الخليفة عمر مع المرأة كانت المرجعية هي القرآن. أما حين تختلف أي سلطة مع مواطن فإنها تكون هي الخصم والحكم في آن واحد. إن المرجعية في الإسلام مرجعية إلهية فإذا غابت فإن الحاكم يحكم بمرجعيته هو وهي التسلط.
* ما هو رأيك فيما يجري الآن بين العرب واليهود؟ وما هي رؤيتك لمستقبل عملية السلام؟
** لن يكون بيننا وبين اليهود إلا حوار واحد هو حوار السلاح، وما هو قائم من سلام الآن ليس إلا هدنة مؤقتة تستفيد منها إسرائيل، وإسرائيل تسعى في استراتيجيتها المستقبلة أن تضرب الإسلام . وشيمون بيريز يقول في كتابة"الشرق الأوسط الجديد": إن حربنا إنما هي مع الدشداشة البيضاء والقلسنوة السوداء.. يقصد أن الحرب إنما هي مع الإسلام بفصيليه السنة والشيعة.. وهذا ما قرره القرآن في قوله [لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا] .. اليهود ليسوا أشد الناس عداوة لرواد الملاهي الليلية، ولكنهم أشد الناس عداوة لأولئك الذين يصلون في الحرم الإبراهيمي. ولذلك فإسرائيل مشتبكة الآن فقط مع الفصائل الإسلامية المجاهدة. وللأسف فإن أمريكا تساعد إسرائيل في ذلك، فهي تحاول التضييق على أي من يقترب من الإسلام في أي بلد كان، حتى إذا تم القضاء على المقاومة الإسلامية تأتي الجرافات الصهيونية فتتكفل بالباقي.
* يتحدث الكثيرون عن الجوانب الإيجابية للعولمة، لكن هل لها آثار سلبية على العالم الإسلامي؟
** من أسباب العولمة أن هناك 258 شخصا في العالم يملكون نصف ثروة العالم و 90% من رأس المال في الولايات المتحدة والذي يسيطر عليه اليهود غير مستغل. ومن أجل توظيفه خارج الولايات المتحدة لا بد من تحطيم الأديان والقوميات والتاريخ والقيم الحضارية والثقافية التي تقف سدًا منيعًا في وجه تدفق هذا المال. ولذا جاءت الخصخصة واتفاقيات التجارة الحرة من أجل تحقيق هذه الغايات وتدمير الاقتصاديات الوطنية للشعوب المغلوبة فضلًا عن قهرها. إن الثورة الصناعية في الغرب قضت على الصناعات الحرفية في الوطن العربي، ومن المنتظر أن تقضي الخصخصة على الصناعة العربية. إن مدير البنك الدولي يقول في أحد المؤتمرات الاقتصادية في إحدى الدول العربية: إننا نقدم القروض للدول العربية بثلاثة شروط: الأول القفز فوق التاريخ (أي ألا تدرس الثقافة الإسلامية والقضية الفلسطينية لأن الذي يقاوم اليهود هم المتدينون.. والجامعات الخاصة التي أنشئت في عصر الخصخصة تدرس الكمبيوتر واللغات ولا تدرس الثقافة والتاريخ. والشرط الثاني خصخصة التعليم الجامعي(حتى تفقد الدولة سيطرتها على عملية التنشئة) . والشرط الثالث أن تكون إسرائيل جزء من أي مشروع في المنطقة.
* ما هو تقييمك لأداء الحركة الإسلامية في العالم العربي على المستوى السياسي؟
** لقد واجهت الحركة الإسلامية ثلاثة تحديات رئيسية هي القمع السياسي والأمني من الحكومات، ثم الاختراق من الداخل من جهات أخرى بغرض إفساد الحركة الإسلامية من الداخل، ثم ضعف مستوى القيادة داخل الحركة الإسلامية لأن العلماء لا يملكون مصادر رزق مستقلة كما يملك علماء الشيعة مثلًا. إن العلماء السابقين كان أحدهم عالما وله حرفة فإذا ضاق عليه الأمر كان يقتات من حرفته، أما هذه الأيام فإن العلماء أصبحوا موظفين وأي قطع لأرزاقهم معناه الضياع. ثم إن تشجيع الحركات الصوفية قد يؤدي إلى الاختراق لأن غياب الوعي السياسي فيها يجعل الآخرين يوظفونها كما يريدون رغم جهودها في التربية الدينية. فما ينقصنا هو الوعي، فحينما يزج بالقيادات في السجون فإن الشعوب تكون ليس لها جسور. إن العلماء المخلصين قادرون على صنع الكثير وتغيير الأمم، والأمة تصلح بصلاح علمائها وأمرائها، والأمراء يصلحون بصلاح العلماء، فالعلماء ملح الأمة وإذا فسد الملح فمن يصلحه؟
ومأساة الأمة أن علماءها، بسبب الاضطهاد الفكري والتضييق عليهم والظروف الاقتصادية الصعبة، هربوا إلى الغرب، ففي الولايات المتحدة وحدها هناك 75 ألف عالم مسلم. ولذلك كان عمر بن الخطاب يحرص ألا يخرج الصحابة من المدينة لأنهم يمثلون الذخيرة الفكرية للأمة، وظل الأمر كذلك إلى ما بعد مجيء عثمان بن عفان. أما الآن فصارت الأمة تعلي من شأن الفنانين والرياضيين وترفعهم فوق العلماء، وأنا أقول إن أمة بغير علماء عربة لا يجرها حصان.
* ما هو في رأيك الفرق بين الإعلام العربي والإعلام الصهيوني؟