فهرس الكتاب

الصفحة 1924 من 3028

والبعد الديني في السياسية الصهيونية تجاه العرب والفلسطينيين يتمثل في منظومتين أساسيتين، المنظومة الأولى هي مقولة شعب الله المختار، والمنظومة الثانية هي مقولة أرض الميعاد، والمقولتان متلازمتان.

أما مقولة شعب الله المختار فهي من أكثر المقولات عنصرية عبر تاريخ البشرية القديم والحديث، وهي أخطر من النازية ومن العنصرية المعاصرة لا لأنها تقول بما تقول به العنصرية من تمييز وتفضيل لجنس من البشر على بقية الأجناس، بل أيضا لأنها تضفي بعدًا دينيًا على هذه العنصرية، إنها مقولة تزعم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي فضل اليهود على غيرهم من الأقوام، ولأنهم شعب الله المختار فيجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم، وبالتالي من حقهم أن لا يلتزموا بما تلتزم به الشعوب الأخرى من قوانين وأعراف، ـ وهذا ما طبقته النازية الهتلرية في مفهومها للمجال الحيوي وفي تبرير احتلالها للدول الأخرى ـ وإذا كان الكيان الصهيوني يقوم اليوم باحتلال أراضي دول عربية ويعتدي على سيادة دول أخرى، ويرفض احترام القوانين الدولية، ويسعى للهيمنة على المنطقة الشرق أوسطية فما ذلك إلا لأن اليهود يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار، والشعوب الأخرى هم [الأغيار ] الذين ذكرتهم التوراة والذين يجوز قتلهم واستباحة عرضهم وأرضهم.

ويرتبط بمقولة شعب الله المختار ويحيل إليها مقولة أرض الميعاد والتي تعني أن [ربهم] وعدهم ـ شعبه المختار ـ بأرض خاصة بهم تمتد من النيل إلى الفرات، وفلسطين هي قاعدة المنطلق وهي المركز الديني لهذه الدولة، وحيث أن رب اليهود وعدهم بهذه الأرض فإن قيام دولتهم على هذا الأساس يصبح عملًا دينيًا والدفاع عنها واجبًا دينيًا والحفاظ عليها واجبًا دينيًا ومن يفرط بجزء من هذه الأرض يعد خارجًا عن الدين، ومن هنا يمكن فهم مقتل رابين والاحترام الذي حظي به قاتله وكل الإرهابيين والمتطرفين اليهود والمكانة المتميزة التي يحتلها المتطرفون الدينيون في النظام السياسي الإسرائيلي.

هذا الإضفاء للبعد الديني على المشروع الصهيوني الاستعماري لا يقتصر على كونه عنصر تعبئة وتحريض ليهود فلسطين بل توظفه الصهيونية العالمية لحشد المسيحيين في أوروبا والأمريكيتين، لتبني هذا التصور، حيث أن الكتاب المقدس عند المسيحيين يشمل العهدين: العهد القديم وهو التوراة والعهد الجديد وهو الإنجيل، بمعنى أن الصهيونية واليهودية العالمية تمارسان عملية ربط وإسقاط لربهم المذكور في التوراة بالله رب العالمين، وبالتالي اعتبار كل ما جاء في التوراة ـ التي وضعها أحبارهم ـ مرجعا لتاريخ البشرية ومرجعًا دينيًا ملزمًا لكل العالم أو على الأقل ملزمًا لليهود والمسيحيين، ومن هنا يمكن فهم هذا التحالف بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية.

العلمانيون المهزومون

بعض العلمانيين وأنصار التطبيع يقولون إن الإسلاميين يريدون لنا أن نعتقد اعتقادا جازما أن كل الحروب العربية ـ الإسرائيلية , وكل النضال الذي خاضه الشعب الفلسطيني بجماعاته المختلفة كان فترة فاشلة من حياتنا حتى جاءت الجماعات المؤمنة لحركات حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله , لكي تخوض معركة جديدة لم تعرفها الأمة من قبل , ومن ثم فإن تحويل الصراع إلى صراع ديني سوف يحمل بشارة النصر الذي غاب كثيرًا عن أمة غاب عنها الإيمان أو علي الأقل غاب عن قادتها وتنظيماتها السياسية .

ويعتبر هؤلاء العلمانيون والتطبيعيون [الذين يعبر عنهم صحفي قيادي بمؤسسة الأهرام، وعضو جماعة كوبنهاجن التطبيعية المشبوهة] أن مقولات الإسلاميين هذه مجرد فرية لا أساس لها في الواقع , فلم يكن الإيمان ناقصا في يوم من أيام الصراع , ولا كان الاستعداد للتضحية غائبا في يوم من أيام المواجهة , ويستمر هؤلاء في التزييف ويقولون: إن الفارق بين المقاتلين المصريين والعرب , والمقاتلين من الجماعات الجهادية المختلفة ليس فارقا لا في الإيمان ولا في الاستعداد للتضحية , وإنما هو فارق ناجم عن أن الجماعات الإسلامية تستهدف في الأساس تغيير مجتمعاتها وعالمها وصنعهما علي صورة بعينها رسمتها وحددتها وطبقتها في مجتمعات ودول , ومن ثم فإن تحويل الصراع لا يعني تحويل المقاتلين فيه من الإلحاد والكفر أو حتى الحياد الديني إلى الإيمان , وإنما يعني وضع الصراع كله في إطار المشروع السياسي لهذه الحركات بكل ما هو معروف من خصائص سياسية واجتماعية وحضارية لهذه الجماعات الإسلامية .

واضح أن العلمانيين التطبيعيين يموتون كمدًا، وهم يرون الإسلاميين هم الفاعل الرئيسي في حركات الجهاد والمقاومة في مختلف أنحاء العالمين العربي والإسلامي.

وباتت شعوبنا العربية والمسلمة تدرك أن العلمانيين، حينما حكوا في الماضي، وحينما يحكمون الآن، كان عملاء للاستعمار، وأذيالًا للغرب على كل المستويات السياسية والثقافية والفكرية والعسكرية، بينما كان الإسلاميون هم المدافعين دائمًا عن الأرض والعرض، ويروون أرض الإسلام من دمائهم تطلعًا إلى الاستقلال ودفاعًا عن الدين والوطن، أما العلمانيون فهم أصحاب سلطة، وباحثون عن مغانم ومصالح.

ويرى هؤلاء العلمانيون التطبيعيون أيضًا أن تحويل الصراع بهذا المعني سوف يعني كارثة للحقوق العربية المشروعة , لأن تاريخ أسلمة الصراعات بالمعني المشار إليه يقول لنا بالنتائج الوخيمة التي تأتي علي الشعب الذي يتبناها حتى ولو تحققت بعض النتائج الأولية الناجحة , ومثال علي ذلك التجربة الأفغانية , فحينما تنافست الجماعات الإسلامية علي أسلمة الصراع , كانت النتيجة أولا إجبار السوفيت علي الرحيل , ومع النصر بدأت الحرب الأهلية فورا بين جماعات جهادية مختلفة الأشكال والألوان حتى تم تسليم البلاد كلها لجماعة طالبان لتحكم بضيق أفق انتهي بأفغانستان المحررة لكي تكون تحت الاحتلال الدولي بأشكاله المتنوعة .

كما حاول صدام حسين أسلمة الصراع مع إيران باعتبارها حربا للعراق مع عبدة النار , وبعد حرب تحرير الكويت أضاف إلى أعلامه عبارة الله أكبر , ولكن أصولية صدام كانت ناعمة , فما إن انتهت حرب الغزو الأمريكي للعراق بالهزيمة حتى جاءت الجماعات الجهادية الخشنة من كل حدب وصوب , وكان هدفها الأول هو قتل الشيعة تعصبا بالجملة , وبسببها تم استنفار الأصوليات الإسلامية الشيعية هي الأخرى , وفيما بينهما بدأت الحرب الأهلية العراقية.

وفي السودان قامت الجبهة الإسلامية بأسلمة الصراع مع الجنوب , وانتهي الأمر بانتظار لحظة التقسيم التي باتت حتمية بعد حرب أهلية ضروس دمرت البلاد وانتهت إلى حروب فرعية في الغرب والشرق السوداني , ولكن مع مسلمين هذه المرة , ولم يختلف الأمر كثيرا لا في فلسطين ولا في لبنان , وما تحرر من أرض أعيد احتلاله من جديد في غزة وفي جنوب لبنان .

أيها العلمانيون التطبيعيون: أين الخجل؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت