فهرس الكتاب

الصفحة 1318 من 3028

تقسيم لآيات القرآن:

ونستطيع أننقسم الآيات القرآنية المتعلقة بهذا الجانب إلي نوعين:

الأول: ما عرف عنه الإنسان-حني ذلك العصر- أمورا جانبية وسطحية.

والثاني: ما لم يعرف عنه ذلك الإنسان شيئا مطلقا.

عن هنالك أشياء كثيرة كان الأقدمون يعرفون عنها بعض المعارف الجزئية وكانت معرفتهم هذه ناقصة جدا بالنسبة إلي المعرفة التي أتيحت للإنسان اليوم ، بفضل الاختراعات الحديثة. وقد واجه القرآن في هذا الصدد مشكلة كبري ، فهو لم يكن كتابا في العلوم والهندسة ، ولذلك لو أنه كان بدأ يكشف عن أسرار الطبيعة لاختلف الناس فيما بينهم حول ما جاء في القرآن ، ولاستحال عندئذ بلوغ الهدف الحقيقي من نزول القرآن ، وهو إصلاح العقل الإنساني وتزكيته. فمن إعجاز القرآن أنه تكلم في لغة العلم قبل كشفه كما أنها ستعمل كلمات وتعبيرات لم يستوحشها أذواق الأقدمين ولا معارفهم علي حين أحاطت بكشوف العصر الحديث!

النوع الأول:

(أ ) ذكر القرآن الكريم قانونا خاصا بالماء في سورتين: هما الفرقان والرحمن.

وجاء في السورة الأولي:

(وهو الذي مرج البحرين. هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج. وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا(161 ) ) .

وأما الآية التي وردت في السورة الأخرى فهي تقول:

(مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان(162 ) ) .

إن الظاهرة الطبيعية التي يذكرها القرآن في هذه الآيات معروفة عند الإنسان منذ أقدم العصور ؛ وهي أنه إذا ما التقي نهران في ممر مائي واحد فماء أحدهما لا يدخل (أي لا يذوب) في الآخر. وهناك علي سبيل المثال نهران يسيران في (تشاتغام) بباكستان الشرقية إلي مدينة (أركان) في (بورما) ويمكن مشاهدة النهرين مستقلا أحدهما عن الآخر ويبدو أن خيطا يمر بينهما حدا فاصلا ؛ والماء عذب في جانب وملح في جانب آخر. وهذا هو شأن الأنهار القريبة من السواحل فماء البحر يدخل ماء النهر عند حدوث (المد البحري) ولكنهما لا يختلطان ويبقي الماء عذبا تحت الماء الأجاج. وهكذا شاهدت عند لتقي نهري الكنج والجامونا في مدينة (الله آباد) فهما رغم التقائهما لم تختلط مياههما ويبدو أن خيطا فاصلا يميز أحدهما من الآخر (163) .

إن هذه الظاهرة كما قلت كانت معروفة لدي الإنسان القديم. . ولكنا لم نكشف قانونها إلا منذ بضع عشرات من السنين. فقد أكدت المشاهدات والتجارب أن هناك قانونا ضابطا للأشياء السائلة ، يسمي (قانون المط السطحي) Surface Tension وهو يفصل بين السائلين ، لأن (تجاذب) الجزئيات يختلف من سائل لآخر ، ولذا يحتفظ كل سائل باستقلاله في مجاله. وقدا ستفاد العلم الحديث كثيرا من هذا القانون الذي عبر عنه القرآن الكريم بقوله سبحانه: (بينهما برزخ لا يبغيان) . وملاحظة هذا البرزخ لم تخف عن أعين القدماء كما لم تتعارض مع المشاهدة الحديثة ، ونستطيع بكل ثقة أن نقول: إن المراد من (البرزخ) إنما هو (المط أو التمدد السطحي) الذي يوجد في المائين والذي يفصل أحدهما عن الآخر.

ويمكن فهم هذا المط السطحي بمثال بسيط وهو: أنك لو ملأت كوبا بالماء فإنه لن يفيض إلا إذا ارتفع عن سطح الكوب قدرا معينا. . والسبب في ذلك أن (جزئيات) السوائل عندما لا تجد شيئا تتصل به فوق سطح الكوب تتحول إلي ما هو تحتها ، وعندئذ توجد (غشاوة مرنة) Elastic Film علي سطح الماء ؛ وهذه الغشاوة هي التي تمنع الماء من الخروج عن الكوب لمسافة معينة وهي غشاوة قوية لدرجة أنك لو وضعت عليها إبرة من حديد فإنها لن تغوص! وهذه الظاهرة هي ما يسمي بالمط السطحي ، الذي يحول دون اختلاط الماء والزيت والذي يفصل بين الماء العذب والملح.

(ب) وجاءت في القرآن بيانات مماثلة وعلي سبيل المثال:

(الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها(164 ) )

وهذه الآية مطابقة لما كان يراه الرجل القديم ؛ فإنه كان يشاهد عالما كبيرا قائما بذاته في الفضاء مكونا من الشمس والقمر والنجوم ، ولكنه لم ير لها أية ساريات أو أعمدة ، والرجل الجديد يجد في هذه الآية تفسيرا لمشاهدته ، التي تثبت أن الأجرام السماوية قائمة دون عمد في الفضاء اللانهائي ، بيد أن هنالك (عمدا غير مرئية) ؛ تتمثل في قانون (الجاذبية) Gravitation Pull وهي التي تساعد كل هذه الأجرام علي البقاء في أمكنتها المحددة.

(ج) وقد قال القرآن عن الشمس والنجوم:

(وكل في فلك يسبحون(165 ) )

وكان الإنسان في العصر الغابر يشاهد أن النجوم تتحرك وتبتعد عن أمكنتها بعد وقت معين. ولذلك لم يكن هذا التعبير القرآني موضع دهشتهم واستغرابهم ، ولكن البحوث الحديثة قد خلعت علي هذه التعبيرات ثوبا جديدا ؛ فليس هنالك تعبير أروع ولا أدق من (السباحة) لدوران الأجرام السماوية في الفضاء البسيط اللطيف!

(د) وقال القرآن الكريم عن الليل والنهار:

(يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا(166) .

إن هذه الآية الكريمة تشرح للإنسان القديم سر مجئ الليل بعد النهار. . ولكنها تحوي إشارة رائعة إلي دوران الأرض محوريا ، وهو الدوران الذي يعتبر سبب مجئ الليل والنهار طبقا لمعلوماتنا الحديثة.

وسوف أذكر القراء-هنا-بأن من بين المشاهدات التي أدلي بها رجل الفضاء الروسي (جاجارين) بعد دورانه في الفضاء حول الأرض: أنه شاهد (تعاقبا سريعا) Rapid Succession للظلام والنور علي سطح الأرض بسب دورانها المحوري حول الشمس.

وهناك بيانات كثيرة جدا من هذا القبيل في القرآن الكريم. .

النوع الثاني من الآيات:

وأما النوع الثاني من الآيات القرآنية المتعلقة بالموضوع ، فلم يعرف عنها الرجل القديم شيئا ما علي الإطلاق. وقد تناول القرآن تلك الموضوعات كاشفا الغطاء عن أسرار بالغة الأهمية ، ثبت صدقها بعد الدراسات الحديثة وسوف أعرض في الصفحات التالية بعض الأمثلة من مختلف فروع العلوم الحديثة.

أولا: علم الفلك:

يطرح القرآن الكريم فكرة معينة ومحدودة المعالم حول بداية الكون المادي ونهايته ، وكانت هذه الفكرة غير معروفة لدي الإنسان الجديد قبل قرن من الزمان. . أما الإنسان القديم فلا مجال للقول بأنه كان من الممكن أن يتطرق عقله الصغير إلي هذه الفكرة أو أجزائها ، وجاء العلم الجديد ليشهد علي ما جاء في القرآن الكريم.

يعبر القرآن عن بداية الكون علي النحو التالي:

(أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما(167 ) ) .

أما عن نهاية الكون فهو يقول:

(يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب) (168) .

فالكون بناء علي تفسير هذه الآيات كان منضما ومتماسكا (الرتق: منضم الأجزاء) ثم بدأ يتمدد في الفضاء ، ويمكن رغم هذا التمدد تجميعه مرة أخري في حيز صغير.

وهذه هي الفكرة العلمية الجديدة عن الكون ؛ فقد توصل العلماء ، خلال أبحاثهم ومشاهدتهم لمظاهر الكون ، إلي أن (المادة) كانت جامدة وساكنة في أول الأمر ؛ وكانت في صورة غاز ساخن ، كثيف متماسك. وقد حدث انفجار شديد في هذه المادة قبل5,000,000,000,000 سنة علي الأقل ، فبدأت المادة تتمدد وتتباعد أطرافها.

ونتيجة لهذا أصبح تحرك المادة أمرا حتميا لابد من استمراره طبقا لقوانين الطبيعة التي تقول: إن قوة (الجاذبية) في هذه الأجزاء من المادة تقل تدريجيا بسبب تباعدها (ومن ثم تتسع بينها بصورة ملحوظة) .

ويعتقد العلماء أن دائرة المادة كانت 1,000 مليون سنة ضوئية في أول الأمر. وقد أصبحت هذه الدائرة الآن كما يقول البروفيسور (إيدنجتون) : عشرة أمثال بالنسبة إلي الدائرة الحقيقية. وهذه العملية من التوسع والامتداد مستمرة دون ما توقف. وكما يقول البروفيسور (إيدنجتون) :

(إن مثال النجوم والمجرات: كنقوش مطبوعة علي سطح بالون من المطاط ، وهو ينتفخ باستمرار ؛ وهكذا تتباعد جميع الكرات الفضائية عن أخواتها بحركاتها الذاتية في عملية التوسع الكوني(169 ) ) .

وأما الأمر الآخر فقد ثبت لنا صدقه كما ورد في القرآن. فكان الإنسان القديم يري أن النجوم يبتعد بعضها عن بعض رأي العين ؛ ولكننا نراها متقاربة لبعدها الهائل عن الأرض وهي في حقيقة الأمر متباعدة بمسافات قياسية.

ولم يقف الأمر بنا عند هذا الحد ، بل عرفنا أيضا أن تلك الأجسام والأجرام التي كنا نشاهدها في قديم الزمن ، وكنا نحسبها كاملة وسالمة ، أكثرها يحتوي علي فضاء خال.

وقد عرفنا أن كل جسم مادي يدور حول نظام له ، مثل النظام الشمسي الذي تدور حوله نجوم وسيارات كثيرة. ومن أمثلته نظام (الذرة) . فنحن نشاهد الفضاء الخالي في (النظام الشمسي) ولكننا نعجز عن مشاهدة فضاء (النظام النووي) لصغر حجمه المتناهي. . حني إنه يستحيل مجرد مشاهدة هذا النظام (170) . ومعني ذلك أن كل شيء حني لو بدا متماسكا-يحوي حيزا من الفضاء في داخله. ومثاله: أننا لو جردنا الفضاء أو المكانSpace من الذرات المادية في الجسم الإنساني ذات الستة الأمتار ، فلن نجد إلا كمية قليلة جدا من المادة تكاد تكون متناهية الوجود.

وهكذا يري علماء الطبيعة الفلكية (Astro- Physicists) أننا لو طوينا كل شيء في الكون بدون أن نترك للفضاء مكانا ، فسيكون حجم الكون كله ثلاثين ضعفا من حجم الشمس! ! ويمكن قياس سعة الكون من أن أبعد مجرة استطاع الإنسان الكشف عنها تبعد بضعة ملايين من السنين الضوئية عن النظام الشمسي.

3-لقد توصل العلماء خلال أبحاثهم إلي أنه لابد في المستقبل القريب- وطبقا لقانون دوران الأجرام السماوية- ا، يقترب القمر من الأرض ، حني ينشق من شدة الجاذبية وتتناثر أجزاؤه (171) . وسوف تحدث عملية انشقاق القمر هذه بناء علي نفس القانون الذي يحكم المد والجزر في البحار. فالقمر هو أقرب جيراننا في الفضاء ، ولا يبعد عن الأرض غير240.000 ميلا ، وهذا القرب يؤثر علي البحار مرتين يوميا ، حيث ترتفع فيها أحيانا أمواج يبلغ طولها ستين مترا ، وأما تأثير هذه الجاذبية علي سطح الأرض فيبلغ عدة بوصات! !

إن المسافة الفاصلة بين الأرض والقمر تماما لصالح أهل الأرض. ولو نقص هذا الفاصل إلي خمسين ألفا من الأميال-علي سبيل المثال- فسوف يحدث طوفان شديد في البحار ، وسوف تغطي أمواجها أكثر مناطق الأرض المأهولة ، وسوف يغرق كل شيء ، حني لتتحطم الجبال من شدة تموج البحار ، وسوف تحدث شقوق مروعة علي سطح الأرض من وطأة الجاذبية! !

ويري علماء الفلك أيضا أن الأرض قد مرت بكل هذه الأدوار أثناء عملية التكوين حني وصلت إلي بعدها الحالي من القمر بناء علي قانون الفلك ، وهذا القانون هو نفسه سوف يأتي بالقمر قريبا من الأرض مرة أخري. . ويرون أن من المتوقع حدوث هذا قبل بليون سنة (172) . وعندئذ سوف يتناثر حول فضاء الأرض في صورة حلقة.

أليست هذه النظرية من أعظم موافقات العلم لتلك النبوءة الواردة في القرآن الكريم ، حول انشقاق القمر حين تقترب القيامة (173) ؟

اقرأوا قوله تعالي:

(اقتربت الساعة وانشق القمر ، وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر(174 ) ) .

ثانيا علم طبقات الأرض:

1-جاء في القرآن الكريم غير مرة أن الجبال أرسيت في الأرض حفاظا علي توازنها ومن ذلك قوله تعالي:

(وألقي في الأرض رواسي أن تميد بكم(175 ) ) .

ولقد ظل العلم جاهلا بهذه الحقيقة طوال القرون الثلاثة عشر الماضية ولكن دارسي الجغرافيا الحديثة يعرفونها جيدا تحت اسم (قانون التوازن) Isostasy. ولا يزال العلم الحديث في مراحله البدائية بالنسبة إلي أسرار هذا القانون ، ويقول الأستاذ إنجلن:

(من المفهوم الآن أن المادة- الأقل وزنا- ارتفعت علي سطح الأرض ، علي حين أصبحت أمكنة المادة الثقيلة خنادق هاوية ، وهي التي نراها في شكل البحار. وهكذا استطاع الارتفاع والانخفاض أن يحافظا علي توازن الأرض(176 ) ) .

ويري عالم آخر من باحثي الجغرافيا:

(وفي البحار أيضا توجد وديان البر. ولكن وديان البحر أكثر غورا وأبعد عمقا من تلك التي توجد في البر ؛ كما أنها بعيدة عن المجال التجريبي للإنسان. ويبدو أنه قد حدثت مغارات عميقة في البحار. (ويبلغ عمق بعض هذه الوديان35ألأف قدم عن سطح البحر ؛ وهذا العمق أعلي من أعظم جبال العالم ارتفاعا. ويبلغ من عمق هذه الوديان البحرية أحيانا أنه لو وضعت فيها قمة(إيفرست) من سلسلة جبال (الهملايا) والتي يبلغ طولها29,002 فسيكون سطح البحر فوقها بمسافة ميل كامل)!

(ومن الظواهر المحيرة أن هذه الخنادق البحرية توجد قرب السواحل البرية بدل أن توجد في أعالي البحار. ولكن قرب هذه الوديان من الجزر والبراكين يدل علي أن هناك علاقة بين طول الجبال والخنادق البحرية. . وهو أن الأرض يقوم توازنها علي أساس الارتفاع والعمق(في أجزائها المختلفة) . ويري بعض كبار علماء الجغرافيا ألأنه من الممكن أن تكون الأغوار البحرية علامات علي جزر قد تظهر في المستقبل. وسببه أن الرواسب والمخلفات لكل من البر والبحر تترسب في هذه الوديان وقد سويت مناطق كبيرة من هذه الوديان بعد أم ملأتها هذه الرواسب. ولهذا من الممكن-بناء علي عدم التوازن الذي يحدث عن هذه العملية- أن تبرز جبال جديد في أي وقت ، أو تظهر سلسلة جديدة من الجزر ومما يؤكد ذلك أنه قد وجدت آثار الرواسب البحرية في بعض الجبال الساحلية.

وعلي كل حال ، لا توجد نظرية- في ضوء المعلومات الحالية للإنسان- لتقوم بتفسير الوديان البحرية ، وهذه المغارات الدائمة البرودة والتي توجد في ظلام حالك ، وتحت ضغط قدره سبعة أطنان علي كل بوصة- لا زال ذلك كله لغزا أمام الإنسان كألغاز البحر الأخرى (177) ! ! )

2-وقد جاء في القرآن الكريم أنه قد مضي علي الأرض زمن طويل سواها الله خلاله ؛

قال تعالي:

(والأرض بعد ذلك دحاها.أخرج منها ماءها ومرعاها(178 ) ) .

وهذه الآية الكريمة تطابق مطابقة عجيبة أحدث الكشوف العلمية ؛ وهو: (نظرية تباعد القارات) أو انتشارها (Theory of Drifting Continents) . ومغزى هذه النظرية: أن جميع القارات كانت في وقت من الأوقات أجزاء متصلة ، ثم انشقت وبدأت (تنقذف) أو تنتشر من تلقاء نفسها ، وهكذا وجدت قارات تحول دونها بحار واسعة.

وقد طرحت هذه النظرية في العالم عام1915 ، لأول مرة حين أعلن خبير طبقات طبقات الأرض الألماني الأستاذ (الفريد واجنر) أنه لو قربت القارات جميعا ، فسوف تتماسك ببعضها كما يحدث في ألعالب الألغاز التي تسمي Jigsaw Puzzle. ويمكن مشاهدتها في الأشكال الثلاثة التي تبين هذه النظرية (انظر ص150) .

وهناك شبه كبير يوجد علي سواحل البحار المختلفة ، كأن نجد جبالا متماثلة عمرها الأرضي (واحد) ؛ وكأن نجد فيها دواب وأسماكا ونباتات متماثلة أيضا! وهذا هو ما دفع عالم النباتات البروفيسور رونالد جود (Rand Good) في كتابه: جغرافية نباتات الزهور (Geography of Flowering Plants) - إلي أن نقول:

(لقد اتفق علماء النباتات علي النظرية القائلة بأنه لا يمكن تفسير ظاهرة وجود نباتات متماثلة في مختلف قارات العالم إلا إذا سلمنا بأن أجزاء الأرض هذه كانت متصلا بعضها ببعض في وقت من الأوقات) .

وقد أصبحت هذه النظرية علمية تماما بعد تصديق (الجاذبية الحجرية) لها (Fossil Magnetism) ، فإن العلماء اليوم-بعد دراسة اتجاهات ذرات الحجارة- يستطيعون تحديد موقع أي بلد وجدت به هضبة تلك الحجارة في الزمن القديم. وقد أكدت هذه الدراسة في (الجاذبية الأرضية) أن أجزاء الأرض لم تكن موجودة في القديم بالأمكنة التي توجد بها اليوم ، وإنما كانت في ذلك المكان الذي تحدده (نظرية تباعد القارات ) ، وفي هذا الأمر يقول البروفيسور بلاكيت (179) :

(إن دراسة أحجار الهند تبين أنها كانت توجد في جنوب خط الاستواء قبل سبعين مليون سنة ؛ وهكذا تثبت دراسة جبال جنوب إفريقيا أن القارة الإفريقية انشقت عن القطب الجنوبي قبل ثلاثمائة مليون سنة(180 ) ) .

لقد ورد في الآية المذكورة آنفا لفظة (الدحو) ومعناه تسوية الشئ ونثره كما يقال: (دحا المطر الحصى عن وجه الأرض) وهذا هو نفس مفهوم الكلمة الإنجليزيةDrift) التي استخدمت في التعبير عن النظرية الجغرافية الحديثة.

لسنا نملك أمام هذا التوافق المدهش بين ما ورد في الماضي البعيد وما اكتشف بالأمس القريب- إلا أن نؤمن بأن هذا الكلام صادر عن موجود يحيط علمه بالماضي ، والحال ، والمستقبل علي السواء.

ثالثا- علم الأغذية:

إن قائمة الأغذية التي يقررها القرآن الكريم تحرم (الدم) ، وكان الإنسان غافلا عن أهمية هذا التحريم ، ولكن التحليلات التي أجريت للدم قد أكدت أن هذا القانون كان مبنيا علي أهمية خاصة بالنسبة إلي الصحة. فالتحليل يثبت أن (الدم) يحتوي كمية كبيرة من (حمض البوليك) Uric Acid، وهو مادة سامة تضر بالصحة لو استعملت غذاء. وهذا هو السر في الطريقة الخاصة التي أمر بها القرآن في ذبح الحيوانات. والمراد من (الذبح) في المصطلح الإسلامي هو الذبح بطريقة معينة حني يخرج سائر الدم من جسم الحيوان ، وهي أن نقطع الوريد الرئيسي. الذي يوجد في العنق فقط. وأن نمتنع عن قطع الأوردة الأخرى ، حني يمكن استمرار علاقة المخ بالقلب إلي أن يموت الحيوان ، لكيلا يكون سبب الموت الصدمة العنيفة التي وجهت إلي أحد أعضاء الحيوان الرئيسية ، كالدماغ أو القلب أو الكبد ، والمقصود من هذا هو أن الدماء تتجمد في العروق وتسري إلي أجزاء الجسم لو مات الحيوان في الحال-علي إثر صدمة عنيفة- وهكذا يتسمم اللحم كله ، نتيجة سريان (حمض البوليك) في أنحائه.

ولقد حرم القرآن لحم (الخنزير) ولم يعرف الإنسان في الماضي شيئا عن أسرار هذا التحريم ، ولكنه يعرف اليوم أن لحم الخنزير يسبب أمراضا كثيرة ، لأنه يحتوي أكبر كمية من (حمض البوليك) بين سائر الحيوانات علي ظهر الأرض أما الحيوانات الأخرى غير الخنزير فهي تفرز هذه المادة بصفة مستمرة عن طريق البول. وجسم الإنسان يفرز90% من هذه المادة بمساعدة (الكليتين) . ولكن الخنزير لا يتمكن من إخراج (حمض البوليك) إلا بنسبة اثنين في المائة (2%) ، والكمية الباقية تصبح جزءا من لحمه ولذلك يشكو الخنزير من آلام المفاصل ، والذين يأكلون لحمه هم الآخرون يشكون من آلام المفاصل والروماتيزم (181) ، وما إلي ذلك من الأمراض المماثلة (182) .

إن الباحث في القرآن الكريم يجد أمثلة لا حصر لها من هذا القبيل الذي أشرنا إلي بعضه في الصفحات الماضية ، وهي دليل قطعي علي أ، القرآن صادر عن عقل غير إنساني. وتؤكد البحوث التي اضطلع بها العلماء في العصر الحاضر بطريقة مدهشة صدق تكلم النبوءة التي وردت في القرآن الكريم:

(سنريهم آياتنا في الآفاق ، وفي أنفسهم حني يتبين لهم أنه الحق(183 ) ) .

وسوف أختم هذا الباب بواقعة رواها العالم الهندي المغفور له الدكتور عناية الله المشرقي وهو يقول:

(كان ذلك يوم أحد من أيام سنة1909 ، وكانت السماء تمطر بغزارة وخرجت من بيتي لقضاء حاجة ما ، فإذا بي أري الفلكي المشهور السير جيمس جينز-الأستاذ بجامعة كمبردج-ذاهبا إلي الكنيسة ، والإنجيل والشمسية تحت إبطه فدنوت منه وسلمت عليه فلم يرد علي فسلمت عليه مرة أخري فسألني(ماذا تريد مني؟) فقلت له: (أمرين يا سيدي! الأول هو: أن شمسيتك تحت إبطك رغم شدة المطر!) فابتسم السير جيمس وفتح شمسيته علي الف5ور. فقلت له: ( وأما الأمر الآخر فهو: ما الذي يدفع رجلا ذائع الصيت في العالم-مثلك- أن يتوجه إلي الكنيسة؟) وأمام هذا السؤال توقف السير جيمس لحظة ثم قال: (عليك اليوم أن تأخذ شاي المساء عندي) . وعندما وصلت إلي داره في المساء خرجت (ليدي جيمس) في تمام الساعة الرابعة بالضبط وأخبرتني أن السير جيمس ينتظرني. وعندما دخلت عليه في غرفته ، وجدت أمامه منضدة صغيرة موضوعة عليها أدوات الشاي. وكان البروفيسور منهمكا في أفكاره. وعندما شعر بوجودي سألني: (ماذا كان سؤالك؟) ، ودون أ، ينتظر ردي بدأ يلقي محاضرة عن تكوين الأجرام السماوية ونظامها المدهش وأبعادها وفواصلها اللامتناهية وطرقها ومداراتها وجاذبيتها وطوفان أنوارها المذهلة حني إنني شعرت بقلبي يهتز بهيبة الله وجلاله. وأما (السير جيمس) فوجدت شعر رأسه قائما والدموع تنهمر من عينيه ويداه ترتعدان من خشية الله ، وتوقف فجأة ثم بدأ يقول: (يا عناية الله ! عندما ألقي نظرة علي روائع خلق الله يبدأ وجودي يرتعش من الجلال الإلهي ، وعندما أركع أمام الله وأقول له:(إنك لعظيم!) أجد أن كل جزء من كياني يؤيدني في هذا الدعاء وأشعر بسكون وسعادة عظيمين. وأحس بسعادة تفوق سعادة الآخرين ألأف مرة أفهمت يا عناية الله خان ، لماذا أذهب إلي الكنيسة؟).

ويضيف العلامة عناية الله قائلا: لقد أحدثت هذه المحاضرة طوفانا في عقلي وقلت له: (يا سيدي لقد أثرت جدا بالتفاصيل العلمية التي رويتموها لي وتذكرت بهذه المناسبة آية من آي كتابي المقدس فلو سمحتم لي لقرأتها عليكم) فهز رأسه قائلا: (بكل سرور) فقرأت عليه الآية التالية:

(ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود . ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك. إنما يخشى الله من عباده العلماء) . . (184)

فصرخ السير جيمس قائلا:

ماذا قلت؟-إنما يخشى الله من عباده العلماء؟ !مدهش! وغريب وعجيب جدا! ! إن الأمر الذي كشف عنه دراسة ومشاهدة استمرت خمسين سنة من أنبأ محمد به؟ هل هذه الآية موجودة في القرآن حقيقة؟ لو كان الأمر كذلك فاكتب شهادة مني أن القرآن، كتاب موحي من عند الله.

ويستطرد السير جيمس جينز قائلا:

لقد كان محمد أميا ولا يمكنه أن يكشف عن هذا السر بنفسه ولكن الله هو الذي أخبره بهذا السر. .مدهش. .! وغريب وعجيب جدا (185) ! !)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت