فهرس الكتاب

الصفحة 3006 من 3028

ومن هذه المفاهيم كلها التي استوحوها من القرآن ، واستوحوها من جهاد الرسول الواقعي في مكافحة الشر ونشر الهدى ، ومن واقعهم الذي عاشوه في مواجهة جاهليتهم الأولى في شبه الجزيرة وبقية الجاهليات في الأرض .. أدركوا أن عليهم هم أن يعملوا بأنفسهم في واقع الأرض . وأن الدين الذي يؤمنون به ويؤمنون بأنه الخير كله ، لا يقوم بذاته ، ولا ينتشر من تلقاء نفسه - وإن كان الله قادرًا على ذلك - إنما يقوم بمجهودهم هم ، وعلى قدر مجهودهم ، ويقوم بمحافظتهم هم عليه ، وعلى قدر محافظتهم . وأنهم إن وهنوا أو تهاونوا في صغيرة أو كبيرة من أمر هذا الدين ، فسيصاب الدين بقدر ما يهنون أو يتهاونون . وأن عليهم من أجل ذلك أن يظلوا في يقظة دائمة لذات أنفسهم وللمجتمع المسلم الذي يعيشون فيه وللعالم من حولهم . وإلا فلا نصر ولا قوة ولا استعلاء ولا سلطان . لأن هذا كله لا يتحقق إلا بالإيمان الصحيح .. وذلك هو معنى الإِيمان . وهذا معنى قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ( ) .

يقول ولفرد كانتول سميث الذي سبق أن أشرنا إليه ، في مقارنة طويلة معجِبة بين نظرة الهندوكي والمسيحي والمسلم والماركسي لفكرة التاريخ ، ص 32 من كتابه"الإِسلام في التاريخ المعاصر":

"يرى المسلم ، مثل الماركسي ، وعلى غير ما يرى الهندوكي ، أن ما يحدث هنا في هذه الأرض ذو دلالة باقية ولا مفر منها . إن بناء حياة الجماعة في الأرض على أسس سليمة هو الأمر الحتمي الأسمى . ولا شك أن المحاولة الإِسلامية بالنسبة لكل المحاولات التي بذلت لنشر العدالة بين الناس كانت وما تزال إلى هذه اللحظة أشدها جدًا وأكثرها جهدًا . وإلى ما قبل قيام الماركسية كانت كذلك أكبرها وأشدها طموحًا . ومع ذلك فهي تفترق عن الماركسية في أن الإِسلام يرى أن كل حدث دنيوي له مرجعان ، ويُنظر إليه في ضوءين معًا . فكل حركة يتحركها إنسان تتوافق ( مع غيرها ) في عالم الخلد وفي العالم الموقوت معًا . وخط السير المستمر للأمور الدنيوية هو مسرحية جماعية تعرض ما تنجزه الجماعة من عمل .. وفي ذات الوقت هو مجموعة من الأعمال المفردة المتميزة بعضها عن بعض ، يُسأل كل فرد بمفرده يوم القيامة عن نصيبه الذاتي فيها . أي أن كل عمل له نتائج من نوع معين في هذه الدنيا ، ونتائج من نوع آخر في العالم الآخر . وبعبارة أخرى فإن كل عمل ينبغي أن يوزن في ذاته ، كما يوزن من حيث صلته بالتطور التاريخي ."

"ويستطيع الميتافيزيقي أن يقول إن هذا اللون من الحكم ( على الأعمال ) أقرب إلى الحقيقة الموضوعية لهذا العالم الذي نعيش فيه ، ولهذا الكائن ( البشري ) الذي يتكون منه البشر ، وللحياة التي يتكون منها تاريخ معيشتنا ، من أية نظرة ذات جانب واحد تنكر وجود قيم خلقية أسمى من الواقع الأرضي المستمر في الجريان . فالتاريخ ذو دلالة ، ذو معنى مطلق ، ولكن معناه لا ينتهي في ذاته . بل الأحرى أن هناك معايير ومقاييس ، أعلى من موكب الحوادث التي يتكون منها التاريخ ، وبهذه المعايير والمقاييس يمكن ، وينبغي ، الحكم على هذه الأحداث التاريخية ، وهي تُحكم بمقتضاها بالفعل ( في الفكرة الإسسلامية ) ".

كذلك كان مفهوم الإِسلام في نفوس المسلمين .

وكانت حصيلة هذا المفهوم بأصوله وتفريعاته سمات معينة اتسم بها المجتمع الإِسلامي ، وسلوكا معينا اتخذه المسلمون ، تميزوا به عن المجتمعات الأخرى كلها من قبلهم ومن بعدهم ، كما سجل ذلك المؤرخون جميعًا ، يستوي في ذلك المسلمون منهم ، والمستشرقون .

تميز هذا المجتمع بالطاعة لله وللرسول . طاعة جادة لا تتلكأ ولا ترتاب ..

وتظل الفروق الفردية بين الناس في مدى طاعتهم قائمة . ويظل الضعف البشري الذي يقعد بالنفس عن بلوغ المستوى السامق والاستواء عليه قائمًا كذلك . ولكن هذا وذلك لا يغيران شيئًا من الحقيقة الواقعة التي تبلغ أن تكون سمة للمجتمع كله ، يسجلها من يعيشون فيها ومن يطلعون عليها من الخارج ، كما يسجلها الباحثون في غضون التاريخ .. سمة الطاعة الجادة لله ولرسوله ، بلا تلكؤ ولا ارتياب .

لم يحدث - في غير المجتمع الإسلامي - أن قام مجتمع بأسره يحاول تنفيذ أوامر الله ، ويحاول إقامة المجتمع كله على أساس تعليماته ، نتيجة الإِيمان الجاد بها ، الإِيمان الذي يرسخ في أعماق النفس ، ويستقر في أعماق الضمير .

كل فرد في هذا المجتمع يحس - بطبيعة إسلامه - أنه مكلف . مكلف بتبعات معينة لا فكاك منها ، ولا محاولة للجدال فيها ، حتى حين تضعف عنها النفس ، وتنزوي عن القيام بالأمانة ، فهو ضعف يقرّ به صاحبه ولا يتبجح ، ولا يقول إن حكمه هو في الأمر خير أو أصح من حكم الله ورسوله .

كل فرد يحس أنه مكلف بطاعة الله وتنفيذ أوامر الله .

مكلف أن يكون هو في ذات نفسه مسلمًا ، منفذًا لتعاليم الإِسلام .

مكلف أن يكون سلوكه الشخصي مطابقا للصورة التي يريدها الله ورسوله للفرد المسلم ، لا في الكليات فحسب ، بل في أدق التفصيلات ؛ حتى طريقة السلام ، حتى طريقة الجلوس والمشي ، حتى طريق تنظيف الفم والأسنان .

ويحس - في أعماق ضميره - أنه لا يوجد صغير وكبير في هذه التكاليف . لا يوجد مهم وتافه . لا يوجد ضروري وغير ضروري .. إلا ما أباح الله ورسوله الخيار فيه بين الرخصة والعزيمة ، فهو عندئذ وما يستطيع . أما التكاليف المنصوص عليها فهي للطاعة والتنفيذ . التنفيذ الجاد المقترن بالإِيمان بالله . والإِيمان بأن الإنسان لا يكون مسلما إذا لم ينفذها بحذافيرها ، وبالصورة التي عينها الله ورسوله . يستوي في ذلك سواك الأسنان والجهاد في المعركة . حتى ليربط المسلمون بين هذه وتلك ، ويفسرون إبطاء النصر عليهم في إحدى المعارك بأنهم قد أهملوا السواك ! فينبه بعضهم بعضًا إلى الواجب المتروك ليستحقوا نصر الله !

ذلك أن مصدر السواك واحد في الأمرين: الطاعة لله وللرسول .

ويحس كل فرد مسلم أن عليه واجبا في ذات نفسه وواجبا في المجتمع الذي يعيش فيه .

واجبه في ذات نفسه - كما أسلفنا - أن يصنع من نفسه: من شعوره وتفكيره وسلوكه العملي جميعًا صورة مسلمة ، مطابقة - بقدر ما تطيق طبيعته - للصورة الإسلامية الصحيحة التي بينها القرآن وسنة الرسول . فيحب الناس ، ولا يحقد عليهم ، ولا يغتابهم ولا يلمزهم ، ولا يؤذيهم في كرامتهم ، كما لا تمتد يده بالأذى إلى أموالهم وأعراضهم ودمائهم ، ويخلص لهم النصيحة والمودة والإِخاء . ويرعى الله في عمله فلا يغش ولا يخدع ولا يسلب ولا يغتصب . ولا يتقاعد عن العمل وهو قادر عليه . ويؤدي أماناته لله ، وهي أمانات شتى تبدأ بأمانة الإِيمان بالله والاعتقاد بربوبيته والطاعة له ، وتتفرع عنها كل الأمانات الأخرى من عبادات ومعاملات .

وواجبه في المجتمع الذي يعيش فيه أن يعينه ويشترك معه ويحمل نصيبه من التبعة في إقامة هذا المجتمع على الأسس الإسلامية النظيفة القويمة . فلا يكفي أن يكون هو ذاته في سلوكه صورة من الفرد المسلم . وإنما ينبغي - لكي يتم إسلامه ويصح - أن يسعى لأن يكون المجتمع كله هو الصورة الإِسلامية . وأن يحتمل في سبيل ذلك ما يكلفه إياه من الجهد والمشقة والجهاد .

أحس كل فرد مسلم وكل مسلمة أن هذا واجبهما في ذات نفسهما وفي مجتمعهما . لا فكاك ولا نكوص ولا تلكؤ ولا ارتياب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت