فهرس الكتاب

الصفحة 3005 من 3028

"هذا هو منهج العبادة الذي يرسمه الإِسلام ويقيم عليه أسسه التربوية ، ويشترط فيه الصدق مع الله ، والتقوى لله ، أي الصلة الدائمة بالله ( ) ".

وأدرك المسلمون أن الإِسلام معناه الاستعلاء .

( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ( )

أنتم الأعلون .. إن كنتم مؤمنين . فالاستعلاء صفة المؤمنين . ولكن أداته محددة واضحة لا تحتمل لبسا ، ولا تختلط بغيرها من الأدوات:"إن كنتم مؤمنين"أداته هي الإيمان !

إن الاستعلاء ليس مصدره قوة مادية أو معنوية من قوى الأرض . ليس مصدره المال . ولا الإِنتاج المادي . ولا العصبية القومية . ولا العصبية العنصرية . ولا أي معنى من هذه المعاني التي يستعلي بها الناس في جاهلياتهم المتكررة على مدار التاريخ .

إنما الاستعلاء مصدره الإِيمان .. وحده .

ولم يكن هذا خداعا من الله سبحانه لعبادة المؤمنين !

وإنما كان تربية لهم على الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

فالشخص المؤمن - المهتدي بهدي الله ، والمهتدي - من ثم - إلى ناموس الكون وناموس الحياة - هو فعلا شخص"أعلى"من بقية المخلوقات ."أعلى"لأنه يشرف على الكون من أفق أكبر وأضخم من آفاق البشر الذين لم يفتح الله عليهم بنعمة الإيمان . وفكرته عن الله والكون والحياة أكبر وأضخم من فكرتهم . وفكرته عن الإِنسان خاصة ، وعن الحياة الإنسانية ، هي أوسع وأشمل فكرة يمكن أن تخطر على قلب إنسان .

ثم إن هذه الفكرة الواسعة الشاملة عن الإنسان والحياة والكون ، هي ذاتها التي تحقق لهذا الاستعلاء في عالم الواقع ، رصيده من القوة المادية والمعنوية ، فإذا هو استعلاء متحقق في عالم الواقع كتحققه في عالم النفوس .

وقد أدرك المسلمون الأوائل هذه الحقيقة على أوسع مجالاتها وأعمقها .

فقد كان كل فرد منهم يدخل الإيمان في قلبه يحس من فوره أنه إنسان جديد أعلى من كل ما حوله من جاهليات الأرض .

ولم يكن ذلك - كما يبدو لأول وهلة - لأن الاهتداء إلى فكرة التوحيد ، يكشف للنفس عن تفاهة الأوثان وتفاهة التعبد إليها فيبعث في النفس الاستعلاء عليها . لقد كان هذا حقيقة ، ولكنه لم يكن كل الحقيقة في أمر الاستعلاء .

فلم تكن الوثنية مجرد"عقيدة"يواجهها المسلم بفكره وضميره فيستعلي عليها .

وإنما كانت"قوة"مادية ومعنوية .. قوة تتمثل في الرجال والمال والسلاح .. كما تتمثل في النفوذ والسيطرة والقدرة على الأذى والقدرة على الحيلولة بين الهدى وبين الوصول إلى الناس .

وهذا كله هو الذي استعلى عليه المسلمون الأوائل وهم أفراد ضئيلو العدد ضئيلو القوة ، لا حول لهم ولا طول . وصمدوا للكيد كله حتى انتصروا عليه

فلم يكن استعلاء الفكر والمشاعر وحده . ولكنه استعلاء له رصيد في عالم الواقع يواجه القوة المادية والمعنوية ، المتمثلة في باطل الجاهلية التي تقف في طريق المؤمنين وتحاول تحطيمهم بكل سبيل .

ومرة أخرى استعلى المسلمون على جاهلية تفوقهم في القوة المادية والمعنوية حين جابهوا الفرس والروم .

فحين واجه المسلمون الفرس والروم ولم يستعلوا بعددهم - فقد كانوا قلة بالنسبة لهؤلاء - ولا بالمال فقد كانوا - بعد - أمة فقيرة تعيش على الكفاف ، ولا بالسلاح فقد كان أعداؤهم يفوقونهم لا بنوع السلاح وحده ، ولكن كذلك بالتنظيم الحربي والتمرس بفنون القتال المنظم على نطاق واسع ، غير ما عهده العرب في غاراتهم الصغيرة قبل الإسلام . ولا بعربيتهم - فقد كانوا فخورين بها حقًا ، ولكنها لم تدفعهم من قبل أبدًا إلى مواجهة تلكما الإمبراطوريتين العتيدتين ، بل كانت بعض القبائل العربية تخدم نفوذهما ، وتعمل أجيرة لهما لتصد عنهما هجمات الأعراب . ولا بحضارتهم ، فقد كانت الإِمبراطوريتان دون شك أعلى حضارة بما لا يقاس من سكان شبه الجزيرة في جميع العصور !

وإنما استعلوا بشيء واحد: هو الإيمان . استعلوا بإحساسهم أنهم - وهم مؤمنون - أفضل من كل هذه الخلق ، مهما كان عددها وقوتها وعتادها وحضارتها ونظمها وقوانينها وتشريعاتها .. فكلها انحرافات جاهلية ما دامت لا تهتدي بهدي الله ولا تتبع شريعة الله .

ثم كانت العجيبة التي علم الله أنها لا بد أن تحدث حين يستعلي الناس بالإِيمان على طريقة الإِسلام !

فقد سعت هذه القوة المستعلية بالإِيمان ، إلى تحقيق ذاتها في عالم الواقع - في كل ميدان من ميادين القوة - فتعلمت العلم ، وتعلمت فنون الحرب ، وتزودت بأنواع السلاح ، وتعلمت الحضارة . وتحقق لها في عالم الواقع أن كانت أكبر قوة في تاريخ الأرض ، فاندفعت شرقًا وغربًا بسرعة مذهلة لا مثيل لها في التاريخ ، واندفعت - مستعلية - تنشر الهدى وتدك الباطل دكا ، متغلبة على جميع العوائق المرصودة في الطريق .

وفي كل مرة انتصر فيها المسلمون ، لم يكن مصدر استعلائهم أنهم ذوو رجال أو مال أو جيوش أو علم أو حضارة . وإنما كان مصدر استعلائهم أنهم مؤمنون . أنهم على الحق . والجاهلية من حولهم على الباطل .. ثم بعد ذلك - بعد الانتصار - صارت لهم الرجال والمال والجيوش والعلم والحضارة .. وحققوا من استعلائهم الداخلي بالإيمان استعلاءهم الخارجي بكل أنواع القوة والسلطان .

وأدرك المسلمون كذلك من مفهوم الإسلام أن الإِنسان قوة فاعلة في هذه الأرض .

أدركوا ذلك من توجيهات القرآن وسنة الرسول ، كما أدركوه من"الواقع"الذي عاشوه بتوجيه الله والرسول .

فهموا من قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) ( ) أن الإنسان هو خليفة الله في الأرض ، المكلف بعمارتها وتنمية الحياة فيها بجهده وكدحه: ( يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ) ( ) وأن الله قد سخر للإِنسان - من أجل القيام بمهمة الخلافة هذه - كل ما في السماوات والأرض: ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ) ( ) ولكن عليه أن يسعى بكدحه الخاص لاستخلاص ما سخر له الله من أرزاق وطاقات: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ) ( ) .

كما فهموا من قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) ( ) أن أحداث الحياة لا تحدث جزافًا . صحيح أن كل شيء يحدث بإرادة الله ، وأن لله علم ما في السماوات والأرض ، وأن عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو .. ولكن إرادة الله العليا قد اقتضت تكريم الإَِنسان - خليفته على الأرض - بإعطائه هذا الدور الإِيجابي في الحياة ، ويجعل إرادة الله ماضية عن طريق إرادة الإِنسان . وهكذا تصبح إرادة الإِنسان - وأعماله - هي التي تصنع التاريخ وتصنع الأحداث . لأن الله - مع قدرته المطلقة سبحانه - لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، ولا يحدث لهم غير ما يحدثونه هم بأنفسهم لأنفسهم .

كما فهموا كذلك من قوله تعالى: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ) ( ) أن الفساد ليس قدرًا غيبيًا ينزل بالأرض وهي غافلة عن أسبابه ، وإنما ينزل بالأرض بما كسبت أيدي الناس . فالناس هم القوة الفاعلة في حياة الأرض ، وحسبما يعملوا تكن نتيجة عملهم في الخير أو الشر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت