فهرس الكتاب

الصفحة 3004 من 3028

"وأول ما يخطر على البال - من هذا الحديث - هو هذه العجيبة التي تتميز بها الفكرة الإِسلامية: أن طريق الآخرة هو هو طريق الدنيا بلا اختلاف ولا افتراق !"

"إنهما ليسا طريقين منفصلين: أحدهما للدنيا والآخر للآخرة ، وإنما هو طريق واحد يشمل هذه وتلك ، ويربط ما بين هذه وتلك ."

"ليس هناك طريق للآخرة اسمه العبادة . وطريق للدنيا اسمه العمل ."

"وإنما هو طريق واحد أوله في الدنيا وآخره في الآخرة . وهو طريق لا يفترق فيه العمل عن العبادة ولا العبادة عن العمل . كلاهما شيء واحد في نظر الإِسلام . وكلاهما مختلطان ممتزجان . وكلاهما يسير جنبًا إلى جنب في هذا الطريق الواحد الذي لا طريق سواه ."

"العمل إلى آخر لحظة من لحظات العمر . إلى آخر خطوة من خطوات الحياة . يغرس الفسيلة والقيامة تقوم هذه اللحظة . عن يقين !"

"وتوكيد قيمة العمل ، وإبرازه ، والحض عليه ، فكرة واضحة شديدة الوضوح في مفهوم الإِسلام . ولكن الذي يلفت النظر هنا ليس تقدير قيمة العمل فحسب ، وإنما هو إبرازه على أنه الطريق إلى الآخرة الذي لا طريق سواه ."

"وقد مرت على البشرية فترات طويلة في الماضي والحاضر ، كانت تحس فيها بالفُرقة بين الطريقين . كانت تعتقد أن العمل للآخرة يقتضي الانقطاع عن الدنيا ، والعمل للدنيا يزحم وقت الآخرة ."

"وكانت هذه الفرقة بين الدنيا والآخرة عميقة الجذور في نفس البشرية ، لا تقف عند هذا المظهر وحده ، وإنما تتعداه إلى مفاهيم أخرى تتصل بالكيان البشري في مجموعه ."

"فالدنيا والآخرة مفترقتان ."

"والجسم والروح مفترقان ."

"والمادي يفترق عن اللامادي ."

"والفيزيقا - بلغة الفلاسفة - تفترق عن الميتافيزيقا ."

"والحياة العملية تفترق عن الحياة المثالية أو عن مفاهيم الأخلاق ."

"إلى آخر هذه التفرقات التي تنبع كلها من نقطة واحدة ، هي التفرقة بين الدنيا والآخرة ، أو بين الأرض والسماء ."

"والكيان النفسي بحكم فطرته التي فطره الله عليها .. وحدة ."

"وحدة تشمل الجسم والعقل والروح . تشمل"المادة"و"اللامادة". تشمل شهوات الجسد ورغبات النفس وتأملات العقل وسبحات الروح . تشمل نزوات الحس الغليظة وتأملات الفكر الطليقة ورفرفات الروح الطائرة ."

"ولا شك أن جزئيات هذا الكيان متعارضة ، وأن كلا منها جانح في اتجاه ."

"ذلك إذا تركت وشأنها ، ينبت كل نابت منها على هواه !"

"ولكن العجيبة في هذا الكيان البشري ، عجيبة الفطرة التي فطره الله عليها ، أن هذا الشتات النافر المنتثر ، يمكن أن يجتمع ، يمكن أن يتوحد ، يمكن أن يترابط ، ثم يصبح - من عجب - في وحدته تلك وترابطه ، أكبر قوة على الأرض ! ذلك حين تقبس الذرة الفانية من قوة الأزل الخالدة ، فتشتعل وتتوهج ، وتصبح طليقة كالنور .. تمتزج فيها المادة واللامادة فهما سواء ."

"والطريق الأكبر لتوحيد هذا الشتات النافر المنتثر ، وربطه كله في كيان ، هو توحيد الدنيا والآخرة في طريق ."

"عندئذ لا تتوزع الحياة عملا وعبادة منفصلين ، ولا تتوزع النفس جسما وروحا منفصلين ، ولا تتوزع الأهداف عملية ونظرية ، أو واقعية ومثالية لا تلتقيان ."

"حين يلتقي طريق الدنيا بطريق الآخرة ، وينطبقان فهما شيء واحد ، يحدث مثل هذا في داخل النفس ، فتقترب الأهداف المتعارضة ، ويلتقي الشتات المتناثر ، ثم ينطبق الجميع فهو شيء واحد . وتلتقي النفس المفردة - بكيانها الموحد - تلتقي بكيان الحياة الأكبر ، وقد توحدت أهدافه وارتبط شتاته ، فتتلاقى معه وتستريح إليه وتنسجم في إطاره ، وتسبح في فضائه كما يسبح الكوكب المفرد في فضاء الكون ، لا يصطدم بغيره من الأفلاك ، وإنما يربطها جميعًا قانون واحد شامل فسيح ."

"والإسلام يصنع هذه العجيبة . ويصنعها في سهولة ويسر ."

"يصنعها بتوحيد الدنيا والآخرة في نظام: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) . ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ."

"وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم الترجمة الكاملة الصادقة للفكرة الإِسلامية . ومن ثم كانت الدنيا والآخرة في نفسه طريقًا واحدا و"حسبة"واحدة" ( ) .

وأدرك المسلمون كذلك أن"العبادة"في المفهوم الإِسلامي معنى شامل جدًا ، يشمل كل نشاط الحياة:

"من أبرز سمات المنهج الإِسلامي أنه منهج عبادة ، ولكن العبادة في هذا المنهح ليست مقصورة على مناسك التعبد المعروفة من صلاة وصيام وزكاة .. وإنما هي معنى أعمق من ذلك جدًا .. إنها الصلة الدائمة بالله ."

"هذه الصلة في الحقيقة هي منهج التربية كله . تتفرع منه جميع التفريعات وتعود في النهاية إليه ."

"والصلاة والصيام والزكاة والحج ، وسائر الشعائر التعبدية ، إن هي إلا مفاتيح . مجرد مفاتيح للعبادة ، أو"محطات"يقف عندها السائرون في الطريق يتزودون بالزاد . ولكن الطريق كله عبادة . وكل ما يقع فيه من نسك أو عمل ، أو فكر أو شعور ، فهو كذلك عبادة .. ما دامت وجهته إلى الله ."

"والعبادة بهذا المعنى تشمل الحياة ."

"إنها لا تقتصر على اللحظات القصيرة التي تشغلها مناسك التعبد ، وما كان هذا هو القصد من الآية الكريمة: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ( ) . وإلا فما قيمة لحظات عابرة في صفحة الكون ، لا تكاد تترك لها أثرًا وتضيع في الفضاء ؟"

"إنما قيمتها أن تكون منهج حياة يشمل كل الحياة . قيمتها أن تكون خطة سلوك وخطة عمل وخطة فكر وخطة شعور ، قائمة كلها على منهج واضح ، يتبين فيه - كل لحظة - ما ينبغي وما لا ينبغي أن يكون ."

"ومرد الأمور كلها في ذلك هو الله ، هو المرجع الذي يرجع إليه في كل أمر ، ودستوره هو الدستور الذي يستشار في كل لحظة . يستشار في داخل القلب وفي وعي العقل وفي واقع السلوك ."

"وهذه هي العبادة في مفهوم الإِسلام ."

"ليس معناها أن يتزهد الإِنسان ويتنسك ويترهبن ."

"وليس معناها أن تستولي التقوى على قلبه في السجود والركوع ، فإذا ختم صلاته هبت في داخل نفسه نوازع الطمع والجشع والعدوان . أو تخاذل عن القيام بالأمانة . أو ضعف عن نصرة الحق . أو تواكل عن العمل المنتج في عالم الحس ."

"كلا ! فما هو إذن موصول القلب بالله . إنه"متسكع"في"محطة العبادة"لكنه لا يسير في الطريق ."

"والعبادة هي السير في الطريق ، مع التزود بين الحين والحين ؛ السير في الطريق والقلب يحمل الشحنة الحية الواصلة ، التي تدفع للعمل . تدفع دائمًا إلى الأمام ."

"والإِسلام صريح في اعتبار العمل هو العبادة ، ما دام القلب يتجه فيه إلى الله: ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ( ) ) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت