فهرس الكتاب

الصفحة 3003 من 3028

"الجانب الأول يعطيه شرائع ثابتة . والجانب الآخر يعطيه أسسا ثابتة ، ثم يترك له مجال التطور الدائم في إطار تلك الأسس الثابتة ، متمشيا في ذلك مع فطرة الكون وفطرة الحياة ."

"الجانب الأول يعطيه العقيدة . والعقيدة في الله واحدة لا تتغير ، لأن الأساس الذي تقوم عليه ثابت لا يتغير ."

"وإلى جانب العقيدة يعطيه كذلك تشريعات الزواج والطلاق والحدود وتشريعات مدنية ودولية مختلفة ."

"الزواج والطلاق - أو العلاقة بين الرجل والمرأة عامة - عنصر ثابت له تشريع ثابت ، لأنه يرتكز على أسس لا تتغير . هي الرجل من جهة ، والمرأة من جهة ، والعلاقة الشديدة التي تجذب كلا منهما للآخر وتشده إليه ."

"والحياة تتغير ظروفها: المجتمع يتغير ، والاقتصاد يتغير ، ونظم التعليم تتغير . والسياسة تتغير . ولكن ذلك لا يغير شيئا من الحقيقة الثابتة التي تحكمها الفطرة بفسيولوجيتها وبيولوجيتها ، وغددها وكيماوياتها ، وهي أن الرجل رجل والمرأة إمرأة . ولا غنى لأحدهما عن الآخر ولا انفصال ولا استقلال ( ) "

"والحدود - أي العقوبات المفروضة على الجرائم - عنصر ثابت كذلك لأنه يرتكز على شيء ثابت: هو علاقة الإِنسان بأَخيه الإِنسان - أو علاقة الفرد بالمجتمع - وحرمة كل إنسان التي لا يجوز أن يعتدي عليها الآخرون ."

"والحياة تتغير ظروفها: ارتباطات العمل تتغير . وعلاقات الإنتاج تتغير . وعلاقات الإِنسان"بالآلة"تتغير . والنظم السياسية تتغير . ولكن ذلك لا يغير شيئًا من الحقيقة الثابتة التي تحكمها وقائع التاريخ البشري . وهي أن الناس كلهم من نفس واحدة ، وعلاقة الرحم تربط الجميع" ( ) .

"وكذلك بعض التشريعات المدنية لها صفة الثبوت كالبيع والإِجارة والرهن والدين والوكالة .. إلخ . فكانت لها تشريعات ثابتة . ومثلها التشريعات الدولية لتي تحكم علاقات الدول في السلم والحرب ."

"أما الجانب المتطور من الحياة البشرية ، وهو في الوقت ذاته متصل بالجانب الثابت ، فهو سياسة الحكم وسياسة المال ، و"شكل"المجتمع أو شكل البيئة من بدوية إلى زراعية إلى تجارية إلى صناعية .. إلخ"

"وتلك أمور كما قلنا تتطور بتطور العقل البشري وتفاعله مع الكون ، ولكنها في تطورها لا تنفصل عن الأصل الثابت ، ولا يمكن أن تنفصل ، بحكم وحدة الإِنسان وترابطه ، واستحالة تجزئته وتقطيعه ، وفصل بعضه عن بعض ."

"وفي هذه الأمور كان الإِسلام حكيما غاية الحكمة ، مسايرًا للفطرة ملبيًا لحاجتها ، فوضع الخطوط العريضة ولم يضع التفصيلات . أو وضع"الإِطار"الذي يريد للبشرية أن تتطور في حدوده ، وترك لكل جيل من الأجيال المتعاقبة أن يضع"الصورة"التي تناسبه وتعجبه ، وتتفق مع مزاجه وظروفه المادية ومبلغه من العلم والإِنتاج . بشرط واحد . هو أن تكون الصورة على قدر الإِطار ، لا أكبر منه فيتحطم ، ولا أصغر منه قيبدو حولها الفراغ ."

"في سياسة الحكم وضع أساسين: العدل والشورى: ( وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) ( ) ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) ( ) "

"ثم لم يحدد طريق الشورى . وهل يكون مجلس واحد أَو مجلسان . وهل ينتخب المجلس أو يعين . وهل يكون التمثيل شخصيًا أو مهنيًا .. إلخ .. إلخ .. وترك ذلك للتجارب البشرية واجتهادها في التطبيق ."

"وفي سياسة المال وضع مجموعة من الأسس ذات طابع واحد يجمعها في النهاية: هو ضرورة اشتراك الناس في الخير ، بحيث لا يكون منه محروم ."

"قرر القرآن أن المال في الأصل مال الله ، وهو أعطاه للجماعة: ( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ) ( ) . ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) ( ) "

"وقرر أن الجماعة هي صاحبة الحق الأول فيه ، وأن الفرد"موظف"فيه يستحقه بحسن قيامه عليه ، فإذا لم يحسن القيام عليه عاد إلى الجماعة صاحبة الحق الأول فيه: ( وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ) ( ) ."

"وقرر أن الله يكره حبسه في يد فئة قليلة من الناس تتداوله فيما بينها ويحرم فيه مجموع الشعب: ( كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ) ( ) ."

"وقرر فريضة الزكاة على الأموال حقا معلوما للفقراء ، تأخذه لهم الدولة وتعطيه لهم من بيت المال: ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ... ) ( ) ."

"والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار" ( ) ."

ويقول:"لأن يمنح أحدكم أخاه ( أرضه ) خير له من أن يأخذ خرجًا معلوما" ( ) .

"وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:"لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهليها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر" ( ) ."

"ثم لم يحدد طريق اشتراك الناس في مال الله الذي أعطاه للجماعة . وهل تكون بتأميم المرافق العامة . أم تكون بإشراك العمال في رأس المال ، أم تكون بإعطائهم الأجور التي تكفل حاجاتهم الضرورية التي بينها الرسول في حديثه:"من ولي لنا عملا وليس له منزل فليتخذ منزلا ، أو ليست له زوجة فليتخذ زوجة ، أو ليس له خادم فليتخذ خادما ، أو ليست له دابة فليتخذ دابة" ( ) ."

"لم يحدد صورة معينة من هذه الصور ، وترك الأجيال المتعاقبة تفكر لنفسها في الصورة التي تناسبها ، وتتلاءم مع إمكانياتها . ولم يضع - في سياسة المال أو سياسة الحكم - تفصيلات ثابتة جامدة ، لكي لا تصطدم بالنمو المطرد في أحوال الجماعة ، والتطور المستمر فيها . ولكنه مع ذلك لم يدع هذه الأمور تفلت من الأصول الثابتة . ولم يدعها للناس يتصرفون فيها بلا دليل ، بحجة أنهم أعلم بأمور"دنياهم"! فقد كان هذا التصرف الحر - في أوربا ، وفي خارج الإِطار الإِسلامي عامة - شناعة بشعة يندى لها جبين الإنسانية"المتطورة"! كان الإقطاع في أوربا ثم كانت الرأسمالية بكل ما فيهما من مظالم غنية عن الوصف ."

وكلاهما حرام في نظر الإِسلام ، فهما يجعلان المال - سواء في صورة أرض أو رأسمال - دُولة بين الأغنياء وحدهم ، ويحرم منه بقية الشعب . ثم كان الخلاص منهما هو الشيوعية - أي العبودية المطلقة للدولة ، والدكتاتورية المطلقة على الأفراد !

"والإِسلام - كلمة الله لجميع البشر على الأرض ولجميع الأجيال - لم يكن ليترك الناس لمثل هذا"التطور"الذي يرسفون فيه في الأغلال ، وإنما يأخذ بيدهم دائمًا ويرشدهم ، حتى وهو يترك لهم حرية النمو وحرية التكيّف مع ما يجدّ من الأوضاع ، ليكلا يشردوا عن الطريق ، ولكي يحتفظوا بتحررهم الوجداني الدائم في جميع الأوضاع وجميع الأحوال" ( ) .

وقد أدرك المسلمون الأوائل ذلك كله ، وإن لم يفلسفوه كما نصنع نحن ، فكان فقههم كله في الأمور الثابتة هو شرح النصوص وبيان حالات انطباقها مع المحافظة الكاملة عليها ، كما كان فقههم في الأمور المتغيرة - مع المحافظة الدائمة على أصولها - هو قولة عمر بن عبد العزيز:"يجدّ للناس من الأقضية ( من الأحكام ) بقدر ما يجد لهم من القضايا".

وأدرك المسلمون كذلك من مفهوم الإِسلام أن الأرض والسماء حسبة واحدة !

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة ، فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها ، فليغرسها فله بذلك أجر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت