فهرس الكتاب

الصفحة 3002 من 3028

وقد فهم المسلمون الأوائل من التشريع الإِلهي أنه المصدر الدائم للحياة . وأنه لا مصدر سواه - ولا يمكن أن يكون مصدر سواه - لتنظيم الحياة البشرية على الأرض .

وكان هذا بديهية من بديهيات الإيمان الجاد بالله .. وإلا فما معنى هذا الإيمان - حين يكون جادًا ومستقرًا في أعماق النفس - إذا لم يكن معناه التصديق بما يقوله الله للناس في كتابه ، من أنه - سبحانه - أراد لهم الخير بما شرع لهم ، وأنه ألزمهم - إلزامًا جادًا - بتنفيذ ما شرع لهم ، وأنه يعتبرهم كافرين وظالمين وفاسقين إذا لم يحكموا بما أنزل الله ؟!

وما معنى الإِيمان الجاد بالله إذا لم يصدق المسلم ما يقوله الله في كتابه ، من أن كل شرع غير شرع الله هو"هوى"لطائفة من البشر ، منحرف عن الحق ، وأن شرع الله وحده هو الحق ، لأنه صادر عن الحق الذي لا يظلم ولا يتبع الأهواء ؟

وما معنى الإِيمان الجاد بالله إذا دار في خلد المسلم أن علم الله محدود ، وأن علم البشر وتجربتهم أفضل من علم الله وأصدق ، وأولى بالاتباع ؟!

وما معنى الإِيمان الجاد بالله إذا دار في خلد المسلم أن هذا التشريع المفصل كله ، الموصول بناموس الكون وقوانين الوجود ، قد كان من أجل تلك الحفنة من العرب في شبه الجزيرة ، وفي فترة محدودة من حياتهم ، هي الفترة القصيرة التي قضاها الرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم ، والله سبحانه وتعالى يقول له في كتابه إن هذا الدين للناس جميعًا:"للعالمين": ( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ) ( ) ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) ( ) وإن القرآن - بكل ما يحوي من تشريعات وتوجيهات - هو الحق: ( وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ) ( ) وهذا الحق موصول بناموس الوجود الأكبر: ( وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) ( ) فهذا التشريع الحق ، الذي بمقتضاه تجزى كل نفس بما كسبت ، هو من نفس الحق الذي خلق الله به السماوات والأرض ، وليس إذن حقًا جزئيا من أجل تلك الحفنة من العرب في شبه الجزيرة ، ولا موقوتًا بالفترة المحدودة التي قضاها الرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم ، والله يقول للبشرية كافة - للعالمين - في آخر ما نزل من القرآن: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا ) ( ) .

ما معنى الإِيمان الجاد بالله إذا دار في خلد المسلم شيء من ذلك كله ، أو ارتاب في"الحق"الذي يحمله هذا الدين ، بكل ما فيه من تشريع وتوجيه ؟

إنه تناقض مع حقيقة الإِيمان بالله .. لا يقدم عليه مسلم صحيح الإيمان صحيح التفكير .

وقد مرت أربعة عشر قرنًا منذ نزل هذا التشريع ، ومرت بالبشرية في أقطار الأرض تجارب شتى ، وتفلسف الناس وتعلموا ، ودرسوا في العلوم السياسية ما درسوا ، فإذا الخلاصة التي انتهوا إليها من هذا العلم كله: أن كل تشريع أرضي هو تعبير عن"الطبقة"التي تملك وتحكم ، وأنه يمثل مصالحها هي على حساب بقية الطبقات . فالإِقطاع مرة يحكم ، فيشرع لحساب طبقة الإقطاعيين ولحماية مصالحهم على حساب بقية"الشعب". ورأس المال مرة يحكم ، فيشرح لحساب طبقة الرأسماليين ولحماية مصالحهم على حساب العمال . ودكتاتورية البروليتاريا مرة تحكم ، فتشرع لحساب طبقة العمال ( نظريًا على الأقل ) على حساب بقية الآدميين .. ولم يحدث غير ذلك في التاريخ .

وهذا هو الذي قرره الله في كتابه ، من أن كل شرع غير شرع الله"هوى"يميل مع أصحابه حيث يميلون .

ثم .. لقد مرت أربعة عشر قرنًا منذ نزل هذا التشريع ، ومرت بالبشرية في أقطار الأرض تجارب شتى ، فإذا هذه التجارب ذاتها تثبت أن كل ما انحرف به الناس عن شريعة الله قد سبب لهم شقوة مريرة لا تكاد تطاق ، وهدد أمنهم وراحتهم ، ومزقهم شيعًا ، وأذاق بعضهم بأس بعض ، فضلا عن الشقاء العالمي الشامل الذي أنتج في التاريخ المعاصر حربين متتاليتين في ربع قرن ، والثالثة على الأبواب تهدد بأفظع دمار عرفه التاريخ . وفضلا عن تفتت الأسرة وتحلل الأخلاق وتمزق أعصاب الفرد بين شتى الاتجاهات ، مما تشهد به أمراض الجنون والاضطرابات النفسية والعصبية وضغط الدم وحوادث الانتحار التي شهدت منها البشرية في هذا الجيل ما لم تشهده مجتمعًا في أجيال !

وقد أدرك المسلمون الأوائل مع ذلك - وإن لم يفلسفوا علمهم كما نفعل نحن في هذه الأيام - أن في الطبيعة البشرية عنصرًا ثابتًا وعنصرًا متغيرًا على الدوام ، وإن ارتبط العنصران ارتباطًا كاملا في كيان الإنسان . وأدركوا كذلك أن تشريع الله الدائم للبشرية في جميع عصورها وأجيالها ، قد كفل العنصر الثابت والعنصر المتغير معًا ، وربطهما ربطًا محكمًا برباط الدين ورباط العقيدة في الله .

"في الإنسان عنصر ثابت مستمد من حقائق أزلية في تكوينه لا يغيرها تغير الأحوال والظروف:"

"أنه صدر عن إرادة الله: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) ( ) ."

"وأن البشر جميعهم من نفس واحدة: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) ( ) ."

"وأن من هذا النفس - أي من جنسها - قد خلق"الزوج"الذي يلتقي بها ويوائمها: ( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا( ) ) ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) ( ) ."

"وأن من هذه النفس وزوجها انبث الخلق كلهم والشعوب: ( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً( ) ) . ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ( ) ) ."

"وقد ترتب على هذه الحقائق الأزلية حقائق أخرى فصارت مثلها دائمة لا تتغير:"

"ترتب عليها أن يحس الخلق - بفطرتهم ما دامت سليمة - يحسوا بعظمة الله بالقياس إلى ضآلتهم فيعبدوه ، ويستمدوا منه العون في الحياة ."

"وترتب عليها أن يحس الزوجان - اللذان خلقهما الله من نفس واحدة - بحنين والتصاق بعضهما ببعض ، وأن وجودهما لا يتكامل إلا متحدين متوادين متراحمين"

"وترتب عليها أن يحس الناس - حين تصفو سريرتهم وتنظف نفوسهم - بالأخوة في الإِنسانية ، إذ هم من نفس واحدة ذات رحم مع الجميع ، فيتعاونوا ويتشاركوا في الخير ."

"تلك عناصر دائمة لأنها ترتكز على أسس دائمة ."

"وثمت عناصر أخرى تجدّ كل يوم ، نتيجة تطور المعلومات البشرية ، والتفاعل الدائم بين العقل والكون ، يحاول أن يتعرف أسراره ، ويستكنه كنهه ، ويستخرج كنوزه ، ويسخرها لمنفعته ، فتقوم أوضاع جديدة ، وينتقل الناس من بداوة إلى حضارة ، ومن زرع إلى صناعة ، ومن صناعة إلى .. ؟"

"والإِسلام دين الفطرة ، يجاري الفطرة البشرية في جانبيها جميعا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت