"إن نوع المجتمع الذي تبنيه جماعة لنفسها يتوقف أساسًا على معتقداتها حول كنه هذا الكون وغايته ، وحول مكان النفس الإِنسانية فيه . وهذه نظرية مألوفة ألفة كافية ، ولا تفتأ منابر الكنيسة ترددها أسبوعا بعد أسبوع . ولكن ربما كان الإِسلام هو الدين الوحيد الذي قصد في ثبات وإلحاح إلى بناء مجتمع وفق هذا المبدأ ، وقد كانت أداته الرئيسية لتحقيق هذا الغرض هي الشريعة".
ويقول جرونيباوم Von Grunebaum في كتابه"الإِسلام Islam" ( الأقواس من عندنا للشرح ) :
"إن الأمر الذي اقتضى عشرات السنين من المسيحيين الأوائل لكي يدركوه قد أدركه محمد ( صلى الله عليه وسلم ) بعد سنوات قليلة: وهو أنه ما دامت إرادة الله قد اقتضت أن تمتد الحياة الدنيا فترة من الوقت طالت أو قصرت ، فإن جماعته ( الجماعة الإسلامية ) ينبغي أن تستقر فيها ، في النقاء كامل مع تعاليم الوحي المنزل . ومن ثم أصبحت مهمة الجماعة أن تنشئ نمطًا شاملا للحياة في ظل الله ( أي في ظل الوحي الإِلهي ) يشمل كل وجه من وجوه الوجود البشري ، من أول التصور إلى الدفن ( أي يشمل الأمور الفكرية والمعنوية - التصورية - كما يشمل الأمور السلوكية والمادية ) ويلغي كل تمييز بين المقدس والدنيوي من مظاهر الحياة ، بجعل كل دقيقة من دقائق هذه الحياة متصلة بعضها ببعض برباط الدين ، ومحتاجة إلى مراسم ( دينية ) لتكملتها عند أداء أي عمل من الأعمال مهما كان نوعه . وبهذه الطريقة توحدت صورة السلوك إلى حد ما ، ولكن الحياة كلها حتى أدق تفصيلاتها أعطيت صورة سامية مستمدة من دلالتها الدينية . ولم تكن حياة الفرد وحده هي التي ينبغي أن تتحول إلى مجموعة متسقة من الأعمال التي يتطلبها الله منه ، بل إن المجتمع الإسلامي في مجموعه كان ينبغي أن يحول بالمثل: فصارت الدولة والجيش والخزانة ( بيت المال ) في اصطلاح المؤمنين الأوائل دولة الله وجيش الله وخزانة ( بيت مال ) الله".
ويقول ولفرد كانتول سميث Wilfed Cantwell Smith في كتابه"الإِسلام في التاريخ المعاصر Islam in Modern History": في المقدمة:"وإذ كانت السمة الأولى المميزة للعالم الإسلامي هي أنه"إسلامي"فإننا نقدم لبحثنا بمحاولة لتوضيح ما تعنيه هذه الحقيقة".
ثم يقول في ص 26 - 27 في فصل"الإِسلام والتاريخ" ( الأقواس الشارحة من عندنا ) .
".. لقد لاحظ الباحثون ( في أمر هذا الدين ) بروز وضع المجتمع في الإِسلام ... ومن البيّن أن المجتمع الإِسلامي ذو تماسك ملحوظ ، وأن ولاء أعضائه وترابطهم عظيم القدر . وقد أدرك كثيرون أن الجماعة ( الإِسلامية ) ليست مجموعة اجتماعية فحسب ، بل مجموعة دينية . وأن"الدين والدولة"أمر واحد إذا استخدمنا تعبيرنا الغربي غير المناسب .. إن المجتمع الإِسلامي لا يترابط بعضه مع بعض - كالمجتمعات الأخرى - بمجموعة من الولاءات والتقاليد فحسب ، وبنظام متقن السبك من القيم والعقائد . ولا هو نتاج مثل أعلى رفيع فحسب ، بل إنه ينبض بالحيوية الناجمة عن اقتناع شخصي عميق ، اقتناع ديني له حرارته ودلالته في نفس كل عضو من أعضائه . ونستطيع أن نقول إن هذا المجتمع - هذه الجماعة - هي التعبير عن المثل الأعلى الديني ، مستخدمين كلمة"ديني"بالمعنى الفردي الذي سبق شرحه . وإذا كانت عقيدة ما أو نظام ثيولوجي ( قائم على أساس ديني ) يمكن أن يكون تعبيرا عن الصورة العقلية للاعتقاد الشخصي - كما هو الشأن في كثير من الحالات ، وفي المسيحية بصفة خاصة - فإن النظام الاجتماعي بما يحويه من ألوان النشاط المختلفة هو التعبير - في صورة عملية - عن الاعتقاد الشخصي للمسلم".
ولا نحتاج أن نمضي طويلا في اقتطاف النصوص أو تتبعها عند المستشرقين ، فقد أبرزوا كلهم هذه السمة الواضحة في المفهوم الإسلامي والتاريخ الإِسلامي: وهي أن المجتمع الإِسلامي منبثق من العقيدة الإِسلامية وقائم عليها ، بحيث لا يمكن فصل المجتمع عن العقيدة ، ممثلة في سلوك عملي مستمد من التشريع الشامل الذي يأخذ كل منحى من مناحي الحياة .
وقد كانت تلك - كما أسلفنا - بديهية من بديهيات المفهوم الإِسلامي عند المسلمين الأوائل ، فلا إسلام بغير مجتمع مسلم ، ولا إسلام بغير جهد واقعي - من كل فرد مسلم - لإقامة المجتمع على أسس مستمدة من شريعة الإسلام .
وكان من بديهيات هذه الإِدراك كذلك ان الشريعة الإِسلامية شيء شامل ، يشمل كل نشاط الإِنسان على وجه الأرض .
لم يفهموا أن التشريع الإِسلامي يقتصر على العبادات وحدها . أو على"الأحوال الشخصية !"من زواج وطلاق وعتاق وإرث فحسب . وإنما فهموا أنه يشمل كذلك كل"المعاملات"التي يمكن أن تنشأ في المجتمع ، ما دام هذا المجتمع مسلما - أي قائما على أسس إسلامية - وما دام هذا المجتمع هو التعبير المباشر أو الانبثاق المباشر للفكرة الإِسلامية في عالم الواقع والعيان .
البيع والشراء والملك والرهن والإجارة والدين .. وكل المعاملات"المدنية"أو"الاقتصادية"بين الفرد والفرد أو بين الفرد والمجتمع أو بين الفرد والدولة ، يشرع لها الإِسلام ، وتقوم على أساس من هذا التشريع . فيحل البيع ويحرم الربا ، ويحرم الاحتكار ، ويحرم الغصب والسلب والنهب والغش والجور ، ويحرم تكديس الأموال في أيدي فئة من الأغنياء وحبسها عن بقية المجتمع ، وتؤدي أموال الزكاة وتنفقها الدولة في مصارفها المنصوص عليها ، وتحدد موارد لبيت المال وقواعد لتوزيع المال بين الناس . وتقوم من ذلك كله قواعد للعدالة الاجتماعية يحددها كتاب الله وسنة رسوله ، وتلتزم بها الدولة لتكون دولة مسلمة .
وسياسة الحكم ، وكل ما يترتب عليها من علاقات الفرد بالدولة والدولة بالفرد ، تحددها نصوص القرآن وروحه ، وتحددها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم تحددها الجماعة المسلمة من وحي هذه وتلك . فَيُنَصّ على مبدإ الشورى . وعلى طاعة الله وطاعة الرسول ، وطاعة أولي الأمر المستمدة من طاعتهم لله والرسول كما حددها الخليفة الأول أبو بكر في صراحة حيث يقول:"أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم"وهو قول مستمد من نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" ( ) .
والتشريع الجنائي له نصوص محدودة واضحة تلتزم الجماعة المسلمة بتنفيذها ، في حد القتل والزنا والسرقة والخمر والردة والإِفساد في الأرض .. وفيما دون الحدود .. ملتزمين كذلك بالشروح النظرية والعملية التي تحتويها السنة ، من مثل:"ادرءوا الحدود بالشبهات"وقبول الفرد المجرم الذي يوقع عليه الحد فردا عاملا في المجتمع المسلم بمجرد توبته وإعلانه الإِقلاع عن جريمته ، وعدم تعبيره بها ولا قفل سبل العيش الشريفة أمامه من أجلها ( ) ...
وتقاليد المجتمع وآداب السلوك وآداب الجنس تحددها كذلك تشريعات الإِسلام وتوجيهاته ، فَيُنَصّ على أن السلام والإخاء والتعاون والمودة والبر هي سمات المجتمع المسلم المتصل بالله . وتُحَدّد طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمع المسلم تحديدًا صريحا واضحًا يشمل كل علاقات الجسد والروح ، ويُبَيّن ما تلبسه المرأة وما لا تلبسه وما تبديه وما تخفيه . وتبين آداب الجنس بما يحفظ نظافة المجتمع في ذات الوقت الذي ترضي فيه الفطرة السليمة وتشبع كل نوازع الحياة المستقيمة ( )
وهكذا وهكذا تشمل الشريعة كل أمر من أمور الحياة .