نعم .. ولكن حين يحتاج ذلك منك أن تمتنع عن رغبة من رغباتك ، أو تغير إلفك وعادتك ، أو تقاليد المجتمع الذي تعيش فيه ؟! حين يحتاج منك أن تقف في وجه الناس تحولهم عن انحرافهم ، أو تدفعهم عن طريقك لكي لا يحرفوا خطواتك عن الطريق .. وينالك من ذلك الأذى والألم والحرمان ؟!
حين يحتاج منك أن تواجه الطاغوت - أي أنواع الطاغوت - وتتعرض حياتك للأخطار ؟!
ما موقفك عندئذ ؟ وما الرصيد"الواقعي"للنية الطيبة الكامنة في ضميرك ؟!
حقا .. إنه لا قيمة لشيء ولا لعمل بدون هذه النية الكامنة في النفس . ولكن هي وحدها ما قيمتها إذا لم تتحول إلى قوة ظاهرة تعمل في واقع الحياة ؟
وهل كان تعنتا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول:"ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ، ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل"؟
أم إن الرسول كان واقعيا إلى أقصى درجات الواقعية ؟
إن الرصيد الحقيقي لهذه النية الطيبة ، هو مقدرتها على مقاومة الهوى من داخل النفس ، والطاغوت من خارجها . فإذا لم تتحول إلى المقاومة الواقعية أو لم تقدر عليها .. فهل تزيد على فقاعة جميلة المنظر تنفثئ عند أول لمسة ، وتضيع في الفضاء ؟!
ومن أجل ذلك لم يكتف الإِسلام قط بالنية الطيبة ، ولم يَتَلَهّ بها عن العمل المثمر في واقع الحياة .
ومن أجل ذلك لم يقل القرآن"الذين آمنوا"وإنما قال دائما:"الذين آمنوا وعملوا الصالحات".. ما وقر في القلب وصدقه العمل ..
وكان الإسلام بذلك دين الفطرة ، لأنه يتمشى مع فطرة الكون وناموس الوجود .
وكان ذلك - كما قلنا - بديهية من البديهيات التي فهمها المسلمون الأوائل عن الإسلام .
ومن إدراكهم لهذه البديهية في المفهوم الإِسلامي عملوا في عالم الواقع لتحقيق الفكرة الإِسلامية ، ولم يكتفوا بالأماني الطيبة والمثل المعلقة في الفضاء .
عملوا في السلوك الفردي من ناحية ، وفي الواقع المادي للمجتمع الإسلامي والدولة الإِسلامية من ناحية أخرى .
لم يفهم أحد من المسلمين الأوائل أنه يستطيع أن يكون مسلما - بالنية الطيبة - وهو يخالف الإِسلام في سلوكه الواقعي ، اعتمادا على أن الله"رب قلوب"وأنه مطلع على بواطن النفس ، مدرك للنوايا الطيبة المختفية وراء الأعمال !! وإنما أدركوا أن النية والعمل وجهان لأمر واحد لا دلالة لأحدهما بدون الآخر . النية الطيبة وحدها بدون عمل هي تَمَنٍّ فارغ لا رصيد له من الواقع . والعمل وحده المنقطع عن النية الطيبة ، عمل ضائع في السماء والأرض ، لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه خالصًا - وهذا هو معنى النية الطيبة - ومقاييس الأرض ذاتها تكشف الزيف ولو بعد حين !
لم يفهم أحد من المسلمين الأوائل أنه يستطيع أن يكون مسلما - بالنية الطيبة - وهو ينساق مع هواه الذاتي في أمر من أمور الحياة ، إيثارا لمغنم قريب ، أو راحة متاحة ، أو ضنا بالنفس عن التعب والجهد والأخطار ! أو ينساق مع المجتمع - غير المسلم الذي كان يواجهه أولا - في تقاليده أو انحرافه ، إيثارا لراحة البال ، أو حرصا على المكانة والتقدير والاحترام في ذلك المجتمع ، أو صونا للنفس من أذاه ، سواء كان هذا الأذى هو الغمز واللمز والتحقير والسخرية ، أو كان الأذى المادي الذي يؤذي البدن ويحرم من القوت أو يعرض الحياة نفسها للزوال .
إنما أدركوا إن الإِسلام معناه تنفيذ الإِسلام في عالم الواقع . معناه أن السلوك الشخصي لكل منهم يجب أن يكون إسلاميا مهما ترتب على ذلك من الأخطار . وأن المجتمع الذي يتألف منهم يجب أن يكون إسلاميًا كذلك ، مهما ترتب على ذلك من الأخطار .
وهنا حقيقة نذكرها ..
إن النفس لا تستقيم دائما على النهج ، ولا تقدر دائما على مواجهة الصعاب .
وإنها لتضعف أحيانا عن هذا وذاك: ( وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ) ( )
والله يعلم من عباده ضعفهم ، ويقيل منهم عثرتهم ويقبل توبتهم .. ما داموا لا يصرون على العصيان: ( وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ( ) .
ولكن هناك فرقا بين هذه الحقيقة المقررة في حياة البشرية ، وبين الظن بأن النية الطيبة وحدها تكفي للحياة وتكفي للإِسلام ! .. فإنما قبل الله التوبة عن عباده وكتب على نفسه الرحمة ، للذين يجاهدون في تحويل النية الطيبة إلى عمل واقعي مثمر ، ثم يسقطون من الجهد في الطريق ، ولكنهم لا يصرون على سقطتهم ، إنما يقومون من عثرتهم ، يتوجهون إلى الله أن يقيلهم منها ، ويقبلهم في عباده .. فيمن الله عليهم بالمغفرة والرضوان: ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) ( ) .
ولم يفهم المسلمون الأوائل أنهم يستطيعون ان يكونوا مسلمين - بالنية الطيبة - ثم يتركوا المجتمع غير المسلم على ما هو عليه ، حتى ولو لم يجاروه في انحرافه وينساقوا معه في الانحراف .
وإنما فهموا أن معنى إسلامهم هو تحويل هذا المجتمع المنحرف إلى مجتمع مسلم يؤمن بالله ويلتزم بحدود ما أنزل الله .. وإلا فما هم بمسلمين !
وكان جهادهم كله هو حصيلة هذه الإِدراك البديهي لمعنى الإِسلام .
الإسلام حركة في داخل النفس وفي حقيقة الواقع .. وما كان من الممكن أن تستقر هذه العقيدة في نفوس المسلمين دون ان تتحول منها إلى واقع الحياة . وهذا هو الذي حدث في المجتمع الأول الذي نشأ فيه الإِسلام . فبمجرد أن استقرت حقيقة الإِيمان في نفوس المسلمين القلائل الذين رباهم الرسول صلى الله عليه وسلم وصنعهم على عينه ، أخذت الحركة تمتد من نفوسهم إلى المجتمع الخارجي المنحرف يريدون تقويمه ، وإلى النفوس الضالة يريدون هدايتها ، وإلى التقاليد المنتكسة يريدون رفعها إلى المستوى اللائق ببني الإِنسان ، مهتدين في ذلك كله بهدي الله ورسوله ، والقدوة العملية المتمثلة في تصرفات الرسول .
ونجحوا .. لأنهم أرادوا ، وعملوا لتحقيق إرادتهم في عالم الواقع بعد أن حققوها في عالم الضمير ، وعندئذ كانوا مسلمين !
وكان من البديهيات التي أدركها المسلمون الأوائل أن هذا المجتمع - المسلم - ينبغي أن يقوم على شريعة الله ، وأنه لا يمكن أن يكون مسلما بمعزل عن شريعة الله .
وعلى هذه البديهية قام المجتمع الإِسلامي فترة طويلة جدا من الوقت ، وكانت هذه سمته المتفردة التي يعرف بها ، ويتميز بها عن غيره من المجتمعات .
وقد أدرك هذه السمة المميزة في تاريخ الإِسلام - القائمة على تلك البديهية - كل باحث في هذا التاريخ ، حتى المستشرقون ، الذين نصبوا أنفسهم - كما سيجيء في فصول الكتاب - لهدم هذه الركيزة الكبرى ، ومحاولة فصل المجتمع عن الشريعة في حياة المسلمين . حتى هؤلاء المستشرقون أنفسهم أدركوا قوة هذه السمة المميزة ، وعمقها في بنية المجتمع الإِسلامي وشدة رسوخها فيه .
يقول جب Gibb في كتابه"الاتجاهات الإِسلامية المعاصرة Modern Trends in Islam":