فهرس الكتاب

الصفحة 2999 من 3028

لم يفهم المسلمون من شهادة: أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، أنها كلمة تقال باللسان دون أن يكون لها مدلول مستقر في أعماق النفس وفي واقع الحياة .

وإنما فهموا من شهادة: أن لا إله إلا الله ، أن الله هو المالك الوحيد لهذا الكون ، والمدبر الوحيد لكل ما يقع فيه من أحداث . وأنه هو وحده الذي ينبغي أن يعبد ، وأن تتوجه إليه القلوب بالخشية والتقوى . وأنه هو وحده واهب الحياة ومقدر الموت ، وهو وحده الرزاق ذو القوة المتين . وأن التوجه إلى غيره بالعبادة أو الخشية ، والظن بأن أحدًا غيره أو أية قوة من قوى السماوات والأرض تملك للناس نفعًا أو ضرًا هو لون من الشرك يستعيذون منه بالله .

وفهموا فوق ذلك من معنى لا إله إلا الله أنه وحده الذي يملك ويحكم . هو الذي يشرّع للبشر ويضع لهم قوانين حياتهم ودستور معيشتهم ، وليس أحد غيره أو أية قوة من قوى السماوات والأرض . وأن هذا الأمر قديم قدم البشرية كلها ، فقد نزل مع آدم منذ هبط آدم إلى الأرض: ( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ( ) فهو أمر ملازم للبشرية في تاريخها كله: أن يلتزموا هدى الله ويتصرفوا بمقتضاه .. وإلا فما هم بمسلمين .

كما فهموا من شهادة أن محمدا رسول الله ، أنه - صلى الله عليه وسلم - هو الرسول المعتمد لتبليغ هذه الرسالة: هذا الهدي الذي يلتزم البشر بطاعته واتباعه ، وأنه هو المبلّغ عن ربه الذي تنبغي طاعته مع طاعة الله: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) ( ) ، ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) ( ) .

وأنه - صلى الله عليه وسلم - هو التطبيق العملي الحي لرسالة السماء ، فهو القدوة في كل عمل وكل تصرف ، وهو قائد الجماعة المسلمة ومربيها ، وأستاذها ومعلمها ، والنور الذي تستضيء به في الظلمات .

ذلك كان المفهوم العام - أو الإجمالي - لشهادة ألا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله . المفهوم الذي كان الإِنسان يعتبر مسلما بمجرد أن يستقر في خلده ، لأنه في حقيقته يمثل حقيقة الإسلام ، الكفيلة - وحدها - بمجرد استقرارها في ضمير إنسان أن تحول حياته ، وتوجهه إلى الطريق السويّ .. الطريق إلى الله .

وقد تفرعت عن هذا المفهوم الإِجمالي - أو انبسطت معه بتوجيهات القرآن المفصلة وسلوك الرسول العملي - عدة مفاهيم أخرى ، كانت عميقة الغور في نفوس المسلمين الأوائل ، تنعكس في مشاعرهم وأفكارهم وتصرفاتهم ، وإن لم"يفلسفوها"كما نفلسفها نحن ، ويكتبوا فيها الكتب والمجلدات !

فهم المسلمون - بداهة - أن النية وحدها المضمرة في القلب لا يمكن أن تكون إسلاما ! وأنه ما لم تتحقق هذه النية في أعمال محسوسة وسلوك واقعي ، فهي لا تساوي شيئًا في ميزان الواقع وميزان الله . والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"ليس الإِيمان بالتمني ولا بالتحلي . ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل" ( ) .

ونحن - بعد أن تفلسفنا وتوسعنا في المعرفة السيكلوجية خاصة - ندرك صدق هذه البديهية وعمق دلالتها في حياة الإِنسان .

إن الإِنسان كثيرا ما يخيل إليه أنه مقتنع بفكرة ما تمام الاقتناع ، وأنه ممتلئ بها إلى حد التشبع ، وأنه ليس في حاجة إلى أن يحدث نفسه فيها أو يحدثه أحد غيره ، فهي مقررة في أعماق نفسه ، مستقرة فيها ، لا شك في أمرها ولا جدال .

ثم يكون هذا كله خداعا لا رصيد له من الواقع .. أو هو رصيد ضئيل لا يكفي لتحريك عجلة الحياة .

إنك وأنت جالس تحلم يخيل إليك أنك بدفعة صغيرة قد تستطيع أن تحرك الكون !! ثم تحاول تحريك منضدة من مكانها فإذا هي تثقل عليك ، وإذا أنت محتاج - لكي تزحزحها من مكانها - أن تزيد من قوتك الدافعة ، أو أن تنمي الرصيد الواقعي للرغبة الكامنة في نفسك ، حتى تتعادل مع المقاومة أولا ، ثم تأخذ في الزيادة بعد ذلك . وبقدر ما تزيد ، تكون الحركة المحسوسة في عالم الواقع ؛ وتكون الحركة هي المقياس الحقيقي للرصيد .

وليست هذه حقيقة خاصة بعالم الإِنسان وحده ، ولكنها حقيقة من حقائق الكون الأكبر ، وجزء من ناموس الوجود .

وقد أدرك كل مخترع لآلة متحركة ، أن القوة الكامنة وحدها لا تكفي . وأنها ينبغي أولا أن تتحول من قوة كامنة إلى قوة ظاهرة - أي تتحول من النية إلى العمل - ثم تكون بالقدر الذي يكفي لا لمعادلة المقاومة فحسب ، بل للزيادة عليها ، حتى تنتج الحركة الحقيقية المطلوبة في واقع الحياة .

والحركة - قانون الوجود الأكبر - قائمة على هذه الحقيقة: تحويل القوة الكامنة إلى قوة ظاهرة ، وزيادة هذه القوة بحيث تتغلب على المقاومة ثم تتحرك في الاتجاه المطلوب .

والنفس الإِنسانية - وهي طاقة كونية - تسير على القانون ذاته ، فلا فرق في طاقات الكون العظمى بين الماديات والمعنويات ! والمادة والطاقة شيء واحد في عرف العلم الحديث !

النية وحدها لا تكفي .. لأنها قوة كامنة لم تتحول إلى حركة وعمل ، ولم تجرب نفسها أمام العقبات !

والآن فلننظر: ما المعوقات"الطبيعية"في حياة الإنسان ، التي لا تكفي"النية"لمقاومتها .. والتي ينبغي تحويل هذه النية إلى قوة حقيقية لتعادلها أولا ، ثم تزيد عليها لتنتج الحركة الحقيقية في واقع الحياة ؟!

معوقات كثيرة كامنة في داخل النفس ، وموجودة كذلك في واقع الحياة .

فمن داخل النفس: الإِلف .. والعادة .. والتقليد .. والرغبة في الحياة السهلة .. وكراهة الجهد .. وكراهة التعرض للتعب والأخطار ..

والعنوان العام الذي يجمعها هو"الهوى"أي الرغبة في الاستجابة لما تهواه النفس من نزعات .

وفي الواقع الخارجي: العرف الاجتماعي الظالم والقوى المنحرفة التي قد توجد في المجتمع وتسيطر عليه .

والعنوان العام الذي يجمعها هو"الطاغوت"أي كل قوة طغت عن حدها وتجاوزت خطها المستقيم .

الهوى من داخل النفس ، والطاغوت من خارجها ، هما"المقاومة"التي ينبغي أن تتحول النية إلى قوة حقيقية لتعادلهما أولا ، ثم تزيد عليهما لتنتج الحركة المستقيمة المتمشية مع ناموس الكون وإرادة الله .

والهوى من داخل النفس ، والطاغوت من خارجها قوى"حقيقية"واقعة متحركة ذات ضغط وثقل واندفاع . ومن ثم فالنية وحدها لا تكفي لمقاومتها ، فضلا عن التغلب عليها لإِحداث الحركة المستقيمة في الطريق الصحيح .

وتلك بديهية من بديهيات النفس وبديهيات الحياة ، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدركها حق إدراكها وهو يقول:"ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ، ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل". كما كان يدركها أصحابه الأوائل وهم يجاهدون ويجهدون ليقيموا أنفسهم على النهج ، ويقيموا المجتمع على قواعد الإِسلام .

ما قيمة النية الطيبة المخلصة في واقع الحياة ؟!

أو - من جانب آخر - ما عيبها ؟

عيبها أنها خداع ! أنها تخيِّل إليك - وأنت تحلم - أنك بدفعة صغيرة قد تستيطع أن تحرك الكون !

ولكنك لم تجرب كم يحتاج من الجهد أن تحرك المنضدة من الأرض !

أنت مقتنع - بإِخلاص - أنك نظيف القلب نقي السريرة مستقيم الطباع ، متصل بالله عامل بما يرضاه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت