هنا في هذا الكتاب خاصة لا نريد أن نقصر نماذجنا على حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان قدوة المسلمين في كل وقت وكل جيل ، ولا على الصحابة رضوان الله عليهم وإن كانوا دون شك من عمل الإِسلام ، ونتيجة من نتائجه . بل لا نريد أن نقصر هذه النماذج على فترات البطولة الصاعدة في حياة الأفراد العاديين ، التي ترتفع بهم على ذواتهم ، وتجعل منهم أبطالا خالدين في ضمير الكون ، ولو لم يسجل التاريخ العادي منهم إلا مجرد أسماء .. أو أشخاصًا بلا أسماء !
إنما نريد أن نعرض - إلى جانب هذا كله - نماذج من حالات"الضعف البشري"في المجتمع المسلم ، حالات الهبوط عن القمة السامقة المطلوبة أو المرغوبة ، لنعطي صورة واقعية لهذا المجتمع في جميع صوره وحالاته من جهة ، وليعرف الناس من جهة أخرى أن الإِسلام نظام واقعي في مواجهتته للنفس البشرية والواقع البشري ، وأنه لا يحملهم فوق طاقاتهم ، ولا يفترض فيهم الرفعة الدائمة التي لا تسقط أبدًا ولا تهبط أبدًا ، ولا يطلب منهم أن يلغوا بشريتهم ليكونوا مسلمين ، وإنما يعاملهم على أنهم بشر ، ويتطلب منهم ما يقدر عليه البشر . ثم ليرى الناس من جهة ثالثة كيف كان الإِسلام في المجتمع المسلم يواجه لحظات الضعف العارضة ، التي تعرض للناس في حياتهم بسبب ثقلة الأرض وجواذبها ، وكيف كان يسعى إلى علاجها لترتفع النفوس من جديد ، وتصل إلى المستوى المطلوب ثم إلى المستوى المرغوب .
والآن نعرض هذه النماذج كما تعرض لنا بغير ترتيب معين مقصود:
"جاء أعرابي يومًا يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم شيئًا فأعطاه . ثم قال له: أحسنت إليك ؟ قال الأعرابي: لا . ولا أجملت ! فغضب المسلمون ، وقاموا إليه ؛ فأشار إليهم أن كُفُّوا . ثم دخل منزله ، وأرسل إلى الأعرابي وزاده شيئًا ، ثم قال: أحسنت إليك ؟ قال: نعم . فجزاك الله من أهل ومن عشيرة خيرًا . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي شيء من ذلك ، فإذا أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي ، حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك . قال: نعم . فلما كان الغداة جاء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا الأعرابي قال ما قال ، فزدناه ، فزعم أنه رضي . أكذلك ؟ فقال الأعرابي: نعم . فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا . فقال صلى الله عليه وسلم: إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه ، فتبعها الناس ، فلم يزيدوها إِلا نفورا ؛ فناداهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي ، فإني أرفق بها وأعلم . فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها ، فأخذ لها من قمام الأرض ، فردها هونًا هونا ، حتى جاءت واستناخت ، وشد عليها رحلها ، واستوى عليها . وإني لو تركتكم حيق قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار".
أخرج أحمد والبخاري ومسلم من طريق الزهري ، قال أخبرني عبد الرحمن ابن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غوة تبوك ، قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك ... وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة ؛ والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد ، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفاوز ، واستقبل عددًا كثيرًا ، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم ، فأخبرهم بوجههم الذي يريد ، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ ( أي سجل تسجل فيه أسماؤهم ) .
"قال كعب رضي الله عنه: فقلّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ( من كثرة عددهم ) ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل . وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال ، وأنا إليها أصغو ، فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولا أقضي شيئًا ، فأقول لنفسي: أنا قادر على ذلك إن أردت . فلم يزل ذلك يتهادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو ، فهممت أن أرتحل فأدركهم ، وليت أني فعلت ؛ ثم لم يقدر لي ذلك فطفقت إذا خرجت في النس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق ، أو رجلا ممن عذر الله ، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك ، فقال وهو جالس في القوم بتبوك:"ما فعل كعب بن مالك ؟"فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه ( أي الكسل والترف ) فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت ، والله يا رسول الله ما علمنا عنه إلا خيرًا ، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ."
"قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه قافلا من تبوك حضرني بثي فطفقت أتذكر الكذب ، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدًا ؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي . فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادمًا زاح عني الباطل حتى عرفت أني لم أنج منه بشيء أبدًا ، فأجمعت صدقه ؛ وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادمًا ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع ركعتين ثم جلس للناس . فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له . وكانوا بضعا وثمانين رجلا . فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم . ووكل سرائرهم إلى الله ، حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال لي: تعال . فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: ما خلّفك ؟ ألم تكن قد اشتريت ظهرك ( أي راحلتك ) فقلت: يا رسول الله والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر . لقد أعطيت جدلا . ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به ليوشكن الله أن يسخطك عليّ . ولئن حدثتك بحديث صدق تجد فيه علي ( تسخط علي ) وإني لأرجو فيه عقبى من الله . والله ما كان لي عذر . والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال صلى الله عليه وسلم:"أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك"فقمت . وبادرني رجال من بني سلمة وأتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا ؛ لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون . فلقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال: فو الله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي . ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا: نعم . لقيه معك رجلان قالا ما قلت ، وقيل لهما مثل ما قيل لك . فقلت: من هما ؟ قالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية الواقفي ، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدوا بدرا ، لي فيهما أسوة ، فمضيت حين ذكروهما لي ."