فهرس الكتاب

الصفحة 3009 من 3028

"قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه ، فاجتنبنا الناس - أو قال: تغيّروا لنا - حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي الأرض التي كنت أعرف . فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما . وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد . وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة وأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ؟ ثم أصلي قريبًا منه وأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ فإذا التفتّ نحوه أعرض عني . حتى إذا طال ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ - فسلمت عليه . فو الله ما رد عليّ السلام . فقلت له يا أبا قتادة أنشدك الله تعالى: هلى تعلم أني أحب الله ورسوله ؟ قال: فسكت . فعدت فنشدته فسكت . فعدت فنشدته . قال: الله ورسوله أعلم . ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار ."

"وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له إليّ حتى جاء فدفع إليّ كتابا من ملك غسان وكنت كاتبًا فقرأته فإذا فيه:"أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ؛ ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة . فالحق بنا نواسك". فقلت حين قرأتها: وهذه أيضًا من البلاء . فتيممت بها التنور فسجرتها . حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذ برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك . فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال: بل اعتزلها ولا تقربنها . وأرسل إلى صاحبيّ مثل ذلك . فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هلالًا شيخ ضائع وليس له خادم فهل تكره أن أخدمه ؟ قال:"لا . ولكن لا يقربنك". فقالت: إنه والله ما به من حركة إلى شيء ، ووالله ما زال يبكي من لدن أن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا . فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك ، فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه . فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدري ما يقول إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب ."

"قال: فلبثنا عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا . قال: ثم صليت الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا ، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا: قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت ، سمعت صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر . فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء الفرج . فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر . فذهب الناس يبشروننا وذهب قِبل صاحبي مبشرون ، وركض إليّ رجل فرسا وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس ، فلما جاء الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ فكسوتهما إياه ببشارته ، والله ما أملك غيرهما يومئذ . فاستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا بعد فوج يهنئونني بالتوبة ويقولون: ليهنك توبة الله عليك . حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس ، فقام إليّ طلحة بن عبيد يهرول حتى صافحني وهنأني . والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره . قال: فكان كعب رضي الله عنه لا ينساها لطلحة ."

"قال كعب رضي الله عنه: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور:"أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك". قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال:"لا بل من عند الله". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر ، وكنا نعرف ذلك منه . فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم . قال:"أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك". فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر . وقلت:"يا رسول الله إنما أنجاني الله بالصدق . وإن من توبتي أن لا أحدّث إلا صدقا ما بقيت". والله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى . والله ما تعمدت كلمة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا . وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي".

قال ابن اسحق في حديثه عن غزوة بني المصطلق سنة ست على المريسيع ( ماء لهم ) :"فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الماء بعد الغزو ، وردت واردة الناس ، ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له جهجاه بن مسعود يقود فرسه ، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عون ابن الخزرج على الماء ، فاقتتلا ، فصرخ الجهني ، يا معشر الأنصار ، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين . فغضب عبد الله بن أبيّ بن سلول ، وعنده رهط من قومه ، فيهم زيد بن أرقم وهو غلام حدث . فقال: أو قد فعلوها ؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا . والله ما أعدّنا وجلابيب قريش ( الجلابيب اسم كان المنافقون يلقبون به المهاجرين ) إلا كما قال الأول: سَمِّنْ كلبك يأكلك ! أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . ثم أقبل على من حضره من قومه فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم: أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ، أما والله لو أمسكتم عنهم بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم . فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب . فقال: مُرْ به عباد بن بشر فليقتله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ؟ لا . ولكن أذن بالرحيل". وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها . فارتحل الناس ؛ وقد مشى عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه ، فحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به . وكان في قومه شريفا عظيما . فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل - حدبا على ابن أبي بن سلول ودفعا عنه ."

قال ابن إسحق: فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة وسلم عليه . ثم قال: يا نبي الله والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أو ما بلغك ما قال صاحبكم ؟"قال: وأي صاحب يا رسول الله ؟ قال:"عبد الله بن أبي". قال: وما قال ؟ قال:"زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل". قال: فأنت يا رسول الله والله لتخرجنه منها إن شئت . هو والله الذليل وأنت العزيز . ثم قال: يا رسول الله ارفق به . فو الله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه . فإنه ليرى أنك استلبته ملكا !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت