"ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى ، وليلتهم حتى أصبح ، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس . ثم نزل بالناس ، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما ، وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشغل الناس عن الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبيّ ."
قال ابن اسحق: ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين ، في ابن أبيّ ومن كان على مثل أمره ، فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد بن أرقم ثم قال:"هذا الذي أوفى إلى الله بإذنه".. وبلغ عبد الله بن أبيّ الذي كان من أمر أبيه .
قال ابن اسحق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عبد الله أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبيّ فيما بلغك عنه . فإن كنت لا بد فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه . فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبرّ بوالده مني . وإني أخشى أن تأمر غيري فيقتله ، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبيّ يمشي في الناس ، فأقتله ، فأقتل مؤمنا بكافر ، فأدخل النار . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا".
"وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم"كيف ترى يا عمر ؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له أنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته"قال: قال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري".
وذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد الله بن عبد الله بن أبيّ على باب المدينة واستل سيفه ، فجعل الناس يمرون عليه ، فلما جاء أبوه عبد الله بن أبيّ قال له ابنه: وراءك ! فقال: ما بك ؟ ويلك ! فقال: والله لا تجور من ها هنا حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه العزيز وأنت الذليل ! فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إنما يسير ساقة ( أي في مؤخرة الجيش ينظر المتخلف والضال والمحتاج إلى معونة ) فشكا إليه عبد الله بن أبي ابنه . فقال ابنه عبد الله: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له . فإذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما إذ أذن لك رسول الله صلى الله عليه سولم فَجُز الآن !
"وهذا عبد الله ( ابن عبد الله بن أبيّ ) رضي الله عنه وأرضاه نموذج رفيع للمسلم المتجرد الطائع: يشقى بأبيه ويضيق بأفاعيله ويخجل من مواقفه ، ولكنه يكن له ما يكنه الولد البار العطوف . ويسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يقتل أباه هذا . فيختلج قلبه بعواطف ومشاعر متباينة ، يواجهها هو في صراحة وفي قوة وفي نصاعة . إنه يحب الإِسلام ويحب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحب أن ينفذ أمره ولو في أبيه . ولكنه لا يطيق أن يتقدم أحد فيضرب عنق أبيه ويظل يمشي على الأرض بعده أمام ناظريه . وهو يخشى أن تخونه نفسه ، وألا يقدر على مغالبة شيطان العصبية ، وهتاف الثأر . وهنا يلجأ إلى نبيه وقائده ليعينه على خلجات قلبه ، ويرفع عنه هذا العنت الذي يلاقيه . فيطلب منه إن كان لا بد فاعلا أن يأمره هو بقتل أبيه . وهو لا بد مطيع . وهو يأتيه برأسه . كي لا يتولى ذلك غيره ، فلا يطيق أن يرى قاتل أبيه يمشي على الأرض ، فيقتله ، فيقتل مؤمنًا بكافر .. فيدخل النار .."
"وإنها لروعة تواجه القلب أينما اتجه وأينما قلّب في هذا الموقف الكريم . روعة الإيمان في قلب إنسان وهو يعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكل إليه أشق عمل على النفس البشرية - أن يقتل أباه - وهو صادق النية فيما يعرض . يتقي به ما هو أكبر في نظره وأشق .. وهو أن تضطره نوازعه البشرية إلى قتل مؤمن بكافر ، فيدخل النار .. وروعة الصدق والصراحة وهو يواجه ضعفه البشري تجاه أبيه وهو يقول:"فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبرّ بوالده مني . وهو يطلب من نبيه وقائده أن يعينه على هذا الضعف ويخرجه من هذا الحرج ، لا بأن يرد أمره أو يغيره - فالأمر مطاع والإِشارة نافذة - ولكن بأن يكل إليه هو أن يأتيه برأسه !
" والرسول الكريم يرى هذه النفس المؤمنة المتحرجة ، فيمسح عنها الحرج في سماحة وكرامة:"بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا".. ومن قبل هذا يكف عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رأيه: " فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه"؟"
"ثم تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم في الحادث تصرف القائد الحكيم .. وأمره بالسير في غير أوان ، ومتابعة السير حتى الإِعياء ، ليصرف الناس عن العصبية المنتنة التي أثارها صياح الرجلين المتقاتلين: يا للأنصار ! يا للمهاجرين ! وليصرفهم كذلك عن الفتنة التي أطلقها المنافق عبد الله بن أبي بن سلول ، وأرادها أن تحرق ما بين الأنصار والمهاجرين من مودة وإخاء فريدين في تاريخ العقائد وفي تاريخ الإنسان .."
"وأخيرًا نقف أمام المشهد الرائع الأخير: مشهد الرجل المؤمن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ ، وهو يأخذ بسيفه مدخل المدينة على أبيه فلا يدعه يدخل ، تصديقًا لمقاله هو:"ليخرجن الأعز منها الأذل"ليعلم أن رسول الله هو الأعز ، وأنه هو الأذل . ويظل يقفه حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأذن له . فيدخلها بإذنه . ويتقرر بالتجربة الواقعة من هو الأعز ومن هو الأذل . في نفس الواقعة . وفي ذات الأوان ."
"ألا إنها لقمة سامقة تلك التي رفع الإيمان إليها أولئك الرجال . رفعهم إلى هذه القمة وهم بعد بشر بهم ضعف البشر ، وخوالج البشر . وهذا هو أجمل وأصدق ما في هذه العقيدة ، حين يدركها الناس على حقيقتها ، وحين يصبحون هم حقيقتها التي تدب على الأرض في صورة أناسي تأكل الطعام وتمشي في الأسواق" ( )
قال أنس بن مالك:"بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة وأبي عبيدة بن الجراح وأبي دجانة ومعاذ بن جبل وسهيل ابن بيضاء حتى مالت رءوسهم من الخمر ، إذ سمعت مناديا ينادي: ألا إن الخمر قد حرّمت . قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتى أهرقنا الشراب وكسرنا القلال . وتوضأ بعضنا ، واغتسل بعضنا ، وأصبنا من طيب أم سليم ثم خرجنا إلى المسجد" ( ) .
وعن أبي بريدة عن أبيه قال:"بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر ، إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه ، وقد نزل تحريم الخمر ، فجئت أصحابي فقرأت الآية عليهم إلى قوله:"فهل أنتم منتهون ؟"قال: وبعض القوم شربته في يده شرب بعضًا وبقي بعض في الإِناء ، فأراقوا ما في كئوسهم ، ثم صبوا ما في باطيتهم وقالوا: انتهينا ربنا . انتهينا ربنا" ( ) .
"وما تكونت عصابات للتهريب ، ولا لجأت الدولة إلى أحكام الإِعدام والسجن ومصادرة الأموال والأملاك ، ولكنها المبادرة إلى التنفيذ في يسر وطاعة امتثالا لأمر القرآن ( ) ".
وعن صفية بنت شيبة قالت: