فهرس الكتاب

الصفحة 3011 من 3028

"بينما نحن عند عائشة ، قالت: فذكرن نساء قريش وفضلهن ، فقالت عائشة: إن لنساء قريش لفضلا ، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار ولا أشد تصديقا لكتاب الله ، ولا إيمانا بالتنزيل . لما نزلت في سورة النور: ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم منها ، يتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته ، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرجّل فاعتجرت به ( ) تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتاب" ( ) .

"كان المشركون في مكة قد منعوا عددا من المؤمنين من الهجرة وحبسوهم بها وقيدوهم بالأغلال وعذبوهم ليفتنوهم عن دينهم ، فلما كان عهد الحديبية ، نص فيه على أن من يهرب منهم ويأتي المدينة يرده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة . وقد استطاع أبو بصير"عتبة بن أسيد"أن ينفلت من محبسه ، وسار على قدميه سبع ليال حتى وصل المدينة ، فبعث المشركون في إثره برجلين ليتسلماه وفاء بعهد الحديبية ، وكان موقفا عنيفا على المؤمنين أن يردوا شابا مؤمنا إلى المشركين ليعذبوه بعد ما لقي منهم من عذاب وما بذل من جهد ومشقة حتى بلغ المدينة ، وظن أبو بصير أنه قد أمن واستراح من الفتنة والعذاب ، ولم يتصور أن يسلمه الرسول صلى الله عليه وسلم لأعدائه . فلما أمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرجع ، ودفعه إلى سفيري قريش ، قال: يا رسول الله تردني إلى المشركين يفتنوني في ديني ؟ فقال له:"يا أبا بصير: إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت ، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر ، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجا ومخرجا". فقال أبو بصير متعجبا: يا رسول الله ! تردني إلى المشركين ؟! فقال له:"انطلق يا أبا بصير ، فإن الله سيجعل لك مخرجا". ودفعه إلى الرجلين ليعودا به إلى مكة" ( ) .

"قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله . أرأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه ؟ قال: نعم يا ابن أخي قال: فكيف كنتم تصنعون ؟ قال والله لقد كنا نجهد . فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا . قال ، فقال حذيفة: يا ابن أخي ، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق ، وصلى رسول الله صلى عليه وسلم هويًا من الليل ثم التفت إلينا فقال:"من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة - أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة ؟"فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد ، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني . فقال:"يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يصنعون ، ولا تحدث شيئًا حتى تأتينا"قال: فذهبت ، فدخلت في القوم ، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل ، ولا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء . فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه ... ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام . لقد هلك الكراع والخف ( يعني الخيل والجمال ) وأخلفتنا بنو قريظة ، وبلغنا عنهم الذي نكره ، ولقينا من شدة الريح ما ترون . ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء . فارتحلوا إني مرتحل ... قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط ( أي كساء ) لبعض نسائه مرجل ( من وشي اليمن ) فلما رآني أدخلني إلى رجليه ، وطرح على طرف المرط ، ثم ركع وسجد وإني لفيه . فلما سلم أخبرته الخبر .. وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم".

"... لقد كان الهول الذي واجهه المسلمون في هذا الحادث من الضخامة ، وكان الكرب الذي واجهوه من الشدة ، وكان الفزع الذي لقوه من العنف ، بحيث زلزلهم زلزالا شديدا ، كما قال عنهم أصدق القائلين: ( هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ) .."

"لقد كانوا ناسا من البشر . وللبشر طاقة . لا يكلفهم الله ما فوقها . وعلى الرغم من ثقتهم بنصر الله في النهاية ، وبشارة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم ، تلك البشارة التي تتجاوز الموقف كله إلى فتوح اليمن والشام والمغرب والمشرق . على الرغم من هذا كله ، فإن الهول الذي كان حاضرا يواجههم كان يزلزلهم ويزعجهم ويكرب أنفاسهم ."

"ومما يصور هذه الحالة أبلغ تصوير خبر حذيفة . والرسول صلى الله عليه وسلم يحس حالة أصحابه ، ويرى نفوسهم من داخلها ، فيقول:"من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع ؟"- يشرط له الرسول صلى الله عليه وسلم الرجعة - ومع الدعاء المضمون بالرفقة مع رسول الله في الجنة فإن أحدا لا يلبي النداء . فإذا عين بالاسم حذيفة قال: فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني ! .. ألا إن هذا لا يقع إلا في أقصى درجات الزلزلة .."

"ولكن إلى جانب الزلزلة ، وزوغان الأبصار ، وكرب الأنفاس .. كان إلى جانب هذا كله الصلة التي لا تنقطع بالله ، والإِدراك الذي لا يضل عن سنن الله ، والثقة التي لا تتزعزع بثبات هذه السنن ، وتحقق أواخرها متى تحققت أوائلها . ومن ثم اتخذ المؤمنون من شعورهم بالزلزلة سببا في انتظار النصر . ذلك أنهم صدقوا قول الله سبحانه من قبل: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) .. وها هم أولاء يزلزلون: فنصر الله إذن منهم قريب ! ومن ثم قالوا: ( هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) .. ( وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ) ."

( هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) .. هذ الهول وهذا الكرب وهذه الزلزلة وهذا الضيق ، وعدنا عليه النصر . فلا بد أن يجيء النصر: ( وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) صدق الله ورسوله في الأمارة وصدق الله ورسوله في دلالتها . ومن ثم اطمأنت قلوبهم لنصر الله ووعد الله: ( وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ) .

"لقد كانوا ناسا من البشر ، لا يملكون أن يتخلصوا من مشاعر البشر وضعف البشر . وليس مطلوبا منهم أن يتجاوزوا حدود جنسهم البشري ، ولا أن يخرجوا من إطار هذا الجنس ، ويفقدوا خصائصه وميزاته . فلهذا خلقهم الله . خلقهم ليبقوا بشرا ، ولا يتحولوا جنسا آخر . لا ملائكة ولا شياطين ، ولا بهيمة ولا حجرا .. كانوا ناسا من البشر يفزعون ويضيقون بالشدة . ويزلزلون للخطر الذي يتجاوز الطاقة . ولكنهم كانوا - مع هذا - مرتبطين بالعروة الوثقى التي تشدهم إلى الله ؛ وتمنعهم من السقوط ؛ وتجدد فيهم الأمل وتحرسهم من القنوط . وكانوا بهذا وذاك نموذجا فريدا في تاريخ البشرية لم يعرف له نظير ."

"وعلينا أن ندرك هذا لندرك ذلك النموذج الفريد في تاريخ العصور . علينا أن ندرك أنهم كانوا بشرا لم يتخلوا عن طبيعة البشر ، بما فيها من قوة وضعف . وأن منشأ امتيازهم أنهم بلغوا في بشريتهم هذه أعلى قمة مهيئة لبني الإنسان في الاحتفاظ بخصائص البشر في الأرض مع الاستمساك بعروة السماء" ( ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت