وما تزال معركة المصلحين مع مسألة «الإرهاب الفكري» قائمة لا يهدأ سُعارها، ولا يخبو شررها؛ ذلك لأن «الإرهاب الفكري» شديد الصلف، كثير السرف، نزق طائش؛ فما من وسيلة قذرة إلا استعملها؛ فها هو ذا يجيِّش جيوشه، ويجمع جموعه من المتملقين والمتمصلحين والغوغاء والرعاع لقمع الرأي الذي لا يراه، ولقطع اللسان الذي لا يعجبه، حتى يخيل للبسطاء السذج أن الناس قد أجمعوا على قوله، وما هو صنيعة إرهابه، وثمرة مكره؛ وذلك مثل ما وقع في «فتنة القول بخلق القرآن» تحت دعوى «تنزيه الخالق» وما تفعله أمريكا الآن باسم «مكافحة الإرهاب» وما سيقع مستقبلًا تحت شعارات مبهمة مجملة لا خطام لها ولا زمام.
وإذا أخفق الإرهاب الفكري في تلك الوسيلة القذرة جرّب وسيلة السجن والتهجير والإبعاد والنفي، وما له ألاَّ يفعل وهو المطاول المختال البذَّاخ الشمَّاخ؟! وهذا عين ما حصل لبعض من قاومه من أئمة المسلمين المجاهدين: كابن تيمية، وابن حزم، وابن الوزير، وأمثالهم ممن قبع في سجون «الإرهاب الفكري» ومعتقلاته.
فإذا كبرت غلظته وعظمت شراسته، وضاقت به حيله جرب وسيلة للقمع بالغة الحقارة والدناءة، وسيلة القتل والتصفية الجسدية، وما له ألاَّ يفعل وهو الكريه النفس، الغليظ الطبع، القاسي القلب؟! فالقتل آخر وسائله الدنيئة وأحقرها، القتل بأي كيفية وعلى أي صفة إما رجمًا كما هُدد به نوح عليه السلام، وإما صلبًا كما هُدد به سحرة فرعون المؤمنون، وإما حرقًا كما أُريد بإبراهيم عليه السلام.
إن العلماء الأحرار والمصلحين الأبرار هم من يتصدى لهذا الطوفان الهائج، والشيطان المارد، مستندين في ذلك إلى موقف الإسلام من الفكر الحر؛ فلقد كان أُسّه وأساسه تحرير العقول والنفوس من عبودية غير الله، وبناءً على هذا الأساس مع أتباعه بالحرية في كل قول، وفي كل فكر بنَّاء؛ فقواعده تقرر أصالة الإباحة في كل شيء، ومقاصده تؤكد على حرية الإنسان في فكره، ما لم يصادم ضرورة من ضرورات الإسلام القطعية، وهذا القيد قيد عادل؛ لأنه من لوازم العقد المبرم بين المسلم وربه، المتمثل في شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ؛ فالعدالة تحتم علينا الوفاء لهذا القيد، وعدم تجاوزه ما دمنا مسلمين؛ ولذلك جاءت السنَّة المطهرة مؤيدة لتلك الحرية الفكرية بقول النبي صلى الله عليه وسلم -: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر» (2) .
وقد استنبط العلماء من هذا الحديث قاعدة فقهية جليلة ترسخ مفهوم الحرية الفكرية بقولهم: «الاجتهاد لا يُنقَض بالاجتهاد» (3) .
ولبشاعة «الإرهاب الفكري» في التعاليم الإسلامية نفَّر منه الإسلام، حتى مع المخالفين له جذريًا، وهذا القرآن الكريم مليء بالمناظرات العلمية مع خصومه في جو تسوده الحرية والأمن الفكري؛ إذ يقول الله ـ تعالى ـ: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] .
بل نهى الله المؤمنين عن أدنى درجات «الإرهاب الفكري» في مناظراتهم لأهل الكتاب؛ إذ يقول: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إلَيْنَا وَأُنزِلَ إلَيْكُمْ وَإلَهُنَا وَإلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46] .
وهكذا سيرة المصلحين مع خصومهم، كما هي سيرة علي ـ رضي الله عنه ـ مع الخوارج لما ناظرهم بنفسه، وبواسطة عبد الله بن عباس مناظرة تبعث الطمأنينة في النفوس على قاعدة «الأمن الفكري» ، وهذا مع شدة صلف الخوارج وعنادهم، وحاشا أمير المؤمنين عليًا أن يستعمل في حقهم وسيلة من وسائل «الإرهاب الفكري» فلم يقاتلهم لأجل فكرهم، بل قاتلهم لأجل اعتدائهم على المسلمين.
وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ الموصوف بالشدة في الحق يناظر (قدامة بن مظعون) في مسألة قطعية ضرورية، مناظرة هادئة مسامحة؛ ذلك لما استباح قدامة شرب الخمر مستدلًا بقوله ـ تعالى ـ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إذَا مَا اتَّقَوْا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93] .
فقال له عمر: «إنك أخطأت التأويل يا قدامة! إذا اتقيتَ الله اجتنبتَ ما حرم الله! » (4) . هكذا بكل طمأنينة وهدوء.
وقد ضرب الإمام مالك ـ رحمه الله ـ أروع الأمثلة في نبذ «الإرهاب الفكري» لما رغب أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس على العمل بكتابه (الموطأ) ، عندها قال الإمام مالك: «يا أمير المؤمنين! لا تفعل! فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم ما سبق إليهم... » (5) . وهذا موقف من إمام دار الهجرة يمثل صورة مشرقة في التعامل الحضاري الرفيع.
ويبلغ «الإرهاب الفكري» مداه حينما تحتضنه قوة التحالف المكونة من الاستبداد السياسي والديني، ذاك التحالف المشؤوم الذي أخاف السبيل، وهتك حرمة الدليل، وانتهك المحارم، وارتكَب العظائم، كل ذلك من أجل مصالحه الشخصية ومآربه الضيقة.
وكما كان في الغرب ممثلًا في الكنيسة والإقطاعيين؛ فهو اليوم عندنا ممثل في بعض العلماء، والحكومات المستبدة التي لا يقيدها قانون ولا يلجمها نظام؛ ففقهاء من ذلك القبيل يمثلون القوة التشريعية لـ «الإرهاب الفكري» وحكام الاستبداد يمثلون القوة التنفيذية له، حتى أصبح «الإرهاب الفكري» إحدى الأيدي الباطشة لأخطبوط الاستبداد، ولطالما طالت تلك اليد الغاشمة المجاهدين من العلماء والمصلحين، وما بروز مصطلح «الوشاية» في ثقافتنا العربية إلا من أثر هذا التحالف المقيت، بل أصبح هذا المصطلح محفورًا في ذاكرة تاريخ سير هؤلاء العلماء والمصلحين؛ فهذا الإمام مالك ـ رحمه الله ـ أحد ضحايا لطمات تلك اليد القاسية، وذلك لما وُشِيَ به إلى أبي جعفر المنصور أنه لا يرى صحة إيمان بيعة السلطان بالإكراه، فجُرِّدَ من ثيابه، وضُرِب بالسياط، ومُدَّتْ يده حتى انخلعت كتفه (6) .
وقد يكون الجهل المركّب حليفًا لهذا التحالف الظالم، فيلتقي معه في كراهية الدليل والبرهان والحجة، ويفترق معه في درجات الشيطنة؛ فشيطان «الإرهاب الفكري» قابع في أغوار نفس الجاهل جهلًا مركبًا، يهيج عندما يُذَمُّ التقليد أمامه، ويُزْعَج عندما تحاول أن ترتقي به فكريًا بأسلوب العلم الرفيع، عندها يثور ذاك الشيطان من قمقمه، كما ثار على المجاهد المصلح المظلوم محمد بن إبراهيم الوزير، فاعتزل قومه وفي ذلك يقول:
أعاذل دعني أرى مهجتي *** أزوف الرحيل ولبس الكفن
وأدفن نفسيَ قبل الممات *** في البيت أو كهوف القنن (7)