بالفعل نحن جزء من هذه الحركة؛ إذ إن مجمل أعمال جمعيتنا يتركز على النهوض بالأمازيغية لغة وثقافة وحضارة. ونحن ننطلق من رفض التشدد في الخصوصيات الثقافية لدرجة الانفصال بدعوى التميز، كما أن محاولة إلغاء الخصوصيات بدعوى التجانس والوحدة مرفوض أيضًا، فالمطلوب هو تحقيق معادلة للمحافظة على التنوع والتعدد في إطار الوحدة. وهذه القاعدة بنظري هي مفتاح حل إشكالية التعدد الثقافي بالكثير من بلدان العالم الإسلامي.
كما أننا نعتبر أن هوية المغرب إسلامية لها بعدان كبيران هما البُعد الأمازيغي والبُعد العربي. وبهذا المعنى يكون الإسلام حكمًا على الجميع، وليس مجالًا للصراع بين العناصر المكونة للشعب المغربي. فمن أجل الإسلام عبر طارق بن زياد الأمازيغي البحر المتوسط لفتح الأندلس في القرن الأول الهجري، كما حكم يوسف بن تاشفين الأمازيغي شمال إفريقيا كلها تقريبًا بالإسلام، وانطلق العلامة الأمازيغي، المهدي بن تومرت، من الإسلام ليؤسس أكبر إمبراطورية عرفها تاريخ المغرب، وبالإسلام أيضًا جاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي الاستعماريين الأسباني والفرنسي. الإسلام ليس مكونًا من مكونات الهوية، بل هو الهوية الجامعة، والروافد الأخرى أبعاد لها.
* ما موقفكم من مطالب الحركة الأمازيغية المغربية، خاصة فيما يتعلق بدسترة الأمازيغية وتدريسها؟
نختلف مع بعض الجمعيات الأمازيغية العلمانية في بعض القضايا، لكننا نتفق معها في أخرى. فأنا شخصيًّا أعتبر أن دسترة الأمازيغية هو مدخلها للتطور والنماء، ويجب تعديل الدستور ليضمن اعترافًا صريحًا بالأمازيغية كلغة رسمية (بجانب العربية) وثقافية وحضارية.
* كيف تقيمون تعامل الدولة مع مطالب الأمازيغ في ضوء تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وفي ظل رفض تأسيس الأحزاب ذات الخلفية الأمازيغية؟
في التسعينيات شهد النضال الأمازيغي نشاطًا ملموسًا. وبوصول الملك محمد السادس للسلطة طال الإصلاح عددًا من القطاعات، ولم تكن الأمازيغية بعيدة عن ذلك. فقد مثّل خطابه في 17-10-2001 بأجدير (منطقة أمازيغية شمال البلاد) ثورة حقيقة، سواء من حيث مضامينه التي أنهت عزلة طويلة عانتها الأمازيغية، أو من حيث القرارات الجريئة المتخذة، وأهمها الإعلان عن تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. وعمل المعهد خلال سنواته القليلة المنصرمة على تعزيز مكانة الأمازيغية في المجتمع، سواء بإدراجها ضمن مناهج التربية والتعليم، أو بمختلف مناحي الفعل الثقافي والإعلامي.
وفيما يتعلق بتسييس العمل الأمازيغي فإن الدولة بطبيعتها تتوجس من كل فاعل سياسي جديد قد يقلب التوازنات القائمة، ويعيد رسم الخرائط السياسية، وبهذه العقلية تعاملت الدولة في السابق مع الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية (تم منع حزبي التجديد الوطني، والتنمية بالتسعينيات) . وبالعقلية نفسها تعاملت الدولة مع حزب البديل الحضاري الذي لم يحصل على الترخيص إلا تحت تهديد قيادته بخوض إضراب وطني عن الطعام، والنهج نفسه تكرر مع الحزب الديمقراطي الأمازيغي الذي حصل أخيرًا على الترخيص بعد تسويف وتضييق دام أكثر من سنة ونصف السنة.
إعادة كتابة التاريخ.. لكن!
* تطالب عناصر أمازيغية بإعادة كتابة تاريخ المغرب وشمال إفريقيا، ومحو غبار التزييف والتعتيم عنه. ما هي رؤيتكم الخاصة بهذا الموضوع؟
لسنا مع التشويه المتعمد الذي يطال التاريخ الوطني من قبيل إطلاق مصطلح"الغزو"على الفتح الإسلامي، أو من قبيل إحياء بعض أمجاد ما قبل الفتح الإسلامي للمغرب بغرض خلط الأوراق، وتحقيق أهداف أيديولوجية تحت ستار إعادة كتابة التاريخ الوطني. نعم لإعادة كتابة تاريخنا الوطني لكن بأية رؤية، وإلى أي اتجاه؟ ما معنى مثلًا أن تدعو رموز بالحركة الثقافية الأمازيغية العلمانية لإحياء مقدسات الأمازيغ القدامى؟ ما معنى الحديث عن الإله"أكوش"؟! وما معنى أن يقول آخر"سنتمكن من الاستفادة من دور الأديان السماوية كلها في قارتنا الإفريقية التي تلعب فيها المسيحية خاصة دورًا ثقافيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا لا ينبغي إغفاله"؟... لا علاقة لهذا بالأمازيغية، فهي محاولات توظف الأمازيغية لضرب الإسلام.
كما لا نقبل ما تتعرض له العربية من هجوم عنيف، ليس فقط لأنها لغة القرآن، ولكن لأن التاريخ يخبرنا بأن تعلمها وتعليمها كان اختيارًا ذاتيًّا لأجدادنا الأمازيغ، حتى إن الملك الأمازيغي يوسف بن تاشفين لم يكن يتقن العربية، ومع ذلك أشاع تعليمها وتعلمها، وأقرها لغة رسمية. التهجم على العربية سلوك عنصري لا يقل عما تعرضت له الأمازيغية من تهميش.
انتماء حضاري للمشرق الإسلامي
* هناك امتداد غربي واضح للعمل الفكري والسياسي الأمازيغي المغربي كما يلاحظ في مبادرات الجمعيات الأمازيغية وأدبياتها. كيف ترون ذلك؟
نعتبر العلاقة مع المشرق الإسلامي علاقة انتماء روحي عميق، على عكس بعض رموز الأمازيغية العلمانية الذين يزعمون أن مصالح المغرب ليست مع المشرق العربي، وإنما مع الغرب، وأنه ليس للمغرب ما يستفيده من المشرق العربي سوى الفكر الاستبدادي الأصولي والسلفي. هذا التصور جنوح بالثقافة الأمازيغية نحو التغريب، فالمشرق الإسلامي كان دائما -وسيبقى- الامتداد الحضاري الطبيعي للمغرب.
* وماذا عن العرف الأمازيغي؟ وما هي علاقته بالشرع الإسلامي؟
الأعراف الأمازيغية عبارة عن قوانين وقواعد تشتمل على إجراءات تتعلق بعقوبات مالية يعاقب بها كل من صدرت منه مخالفة ما تمس شرف الإنسان أو ماله أو بدنه، أو عرض الأمن الداخلي أو الخارجي للخطر. وتسمى"الألواح"، وهي كلمة مأخوذة -كما ذهب المؤرخ علي صدقي أزايكو- من القرآن الكريم في قوله تعالى:"وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ" (الأعراف: 145) ، وقوله تعالى:"وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الألْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ" (الأعراف: 154) ، ومن قوله تعالى:"فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ" (البروج: 22) .
العرف كأحد مصادر التشريع لا يخلو منه كتاب من كتب أصول الفقه الإسلامي، واتفق العلماء على اختلاف مذاهبهم على أهمية اعتبار الشارع للعرف، ومراعاته في كثير من الأحكام والفروع الفقهية للعادات والأعراف ودورها بالمجتمع، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما وضع دستور المدينة المنورة، المشهور بـ"الصحيفة"، أبقى على أعراف كان يتعامل العرب على أساسها قبل الإسلام. أي إن نشوء الدولة الإسلامية لم يلغِ تمامًا وظيفة القبيلة الاجتماعية. والدراسات التي تناولت الأعراف الأمازيغية أثبتت أنها لم تكن خارجة عن نطاق الشرع الإسلامي حتى في شكلها وصياغتها، فأحرى أن تكون كذلك في مضمونها ومقاصدها. وفي أسوأ الأحوال يمكن تفهم بعض المسائل المطروحة في بعض الألواح التي قد يبدو أن فيها تعارضًا مع الشرع، يمكن تفسير ذلك بوجود ضرورة مجتمعية وظرفية سياسية فرضت ذلك. أما محاولة التأصيل للعلمانية انطلاقًا من العرف الأمازيغي فليس أكثر من محاولة لتزوير التاريخ وتزييف الوعي.
إشكالية التدخلات الأجنبية
* يؤكد المهتمون أن الولايات المتحدة وأوروبا تستغلان الاختلافات العرقية لإشعال الفتن الطائفية في البلاد الإسلامية؛ كي يسهل لها الضغط على الحكومات المركزية.. ولعل نموذج منطقة"القبائل"بالجزائر خير دليل على ذلك... ما تعليقكم؟