فهرس الكتاب

الصفحة 2621 من 3028

لقد آن الأوان لإعداد ترجمات إسلامية مقبولة لمعاني القرآن الكريم باللغات الحية، نسد بها الطريق أمام عشرات الترجمات المنتشرة الآن بشتى اللغات والتي قام بإعدادها بعض المستشرقين والمنصرين وصدورها في غالب الأحيان بمقدمات مملوءة بالطعن على الإسلام .

ومن واجبنا أيضًا أن نقوم باختيار مجموعة كافية ومناسبة من الأحاديث النبوية الصحيحة وترجمتها إلى اللغات الحية لتكون مع ترجمة معاني القرآن الكريم في متناول المسلمين غير الناطقين بالعربية، وفي متناول غير المسلمين الذين يريدون فهم الإسلام من منابعه الأصلية .

[6] تنقية التراث الإسلامي ..

تراثنا العربي الإسلامي يعد أغنى تراث في العالم، وهو تراث نعتز به ولا يجوز لنا أن نفرط فيه. ونعني بالتراث كل إنتاج بشري للمسلمين في شتى مجالات الأدب أو اللغة أو الفكر أو الدين أو العلوم بصفة عامة أو الفنون المختلفة. وتنبع أهمية هذا التراث من أنه يمثل الإطار الذي يحدد للعرب والمسلمين هوية معينة وصبغة متميزة، ويمثل الخلفية الفكرية لتصوراتهم وأفهامهم لكل مجالات الحياة. ويعطي لهم الركيزة الأساسية للأيديولوجية الخاصة التي يتميزون بها بين الأمم. وكل ذلك مرتكز بطبيعة الحال على أسس إسلامية راسخة .

والاهتمام بهذا التراث لا يعني مجرد التغني بالأمجاد أو اجترار الذكريات وإنما يعني البحث عن الجذور الحقيقية للشخصية العربية الإسلامية واستعادة الأمة العربية الإسلامية للثقة بنفسها وأمجادها وقدرتها على البناء والتطور الحضاري، حتى تسير بخطى ثابتة على أرض صلبة مستندة على رصيد حضاري ضخم .

وهكذا لا يعني الاهتمام بالتراث التقوقع والانعزال عن التطورات العلمية والحضارية في عالم اليوم. فالتراث نفسه يعطينا المثل الواضح . فالمسلمون عندما بنوا حضاراتهم لم ينعزلوا وإنما انتفعوا بكل ما كان قائمًا في ذلك الزمان من علوم ومعارف على اختلاف أنواعها. فالتراث يجدد نفسه بصفة مستمرة عن طريق مواكبته لروح العصر والاستفادة إلى أقصى حد من كل الوسائل والأساليب الحديثة التي تفيد في تنميته وتطويره. وكل ذلك بما لا يتعارض مع مقوماته الأساسية .

ولكن تراثنا العربي الإسلامي ـ شأنه شأن كل جهد بشري ـ يشتمل على الغث والسمين ويتضمن جوانب إيجابية وأخرى سلبية، الأمر الذي يعطي الفرصة لبعضهم في تغليب الجانب السلبي على الجانب الإيجابي في بعض الأحوال .

والواجب الإسلامي يقتضينا أن نعمل على تنقية هذا التراث العظيم وغربلته وإزالة الغيوم التي تحجب عنا إشراق شمسه، حتى يكون غذاءً فكريًا صالحًا يمد المسلم بأسباب القوة التي تعينه على النهوض مرة أخرى بعزم جديد وتصميم أكيد .

وكلنا يعلم أن هذا التراث يشتمل على الكثير من الخرافات والأوهام والإسرائيليات. وعلى الرغم من أن الإسلام لا يتحمل وزر ذلك كله، فإن المستشرقين يستخدمون تراثنا بكل ما فيه، ويعمد الكثيرون منهم إلى البحث عن تلك الجوانب السلبية والتركيز عليها وتفصيل القول فيها، ظنًا منهم أنهم بذلك قد عثروا على نقاط الضعف في الإسلام ذاته. ويكفي في هذا الصدد أن نشير إلى مثال واحد ـ من بين أمثلة عديدة لا تحصى ـ وهو قصة الغرانيق المذكورة في بعض كتب التراث، وهي قصة يعلم الله أن الإسلام برئ منها. ولكن المستشرقين قد ركزوا عليها وسلطوا عليها الأضواء من كل جانب واعتبروها نقطة ضعف في التوحيد الإسلامي الذي كان ـ في زعمهم ـ على استعداد، ولو للحظة واحدة، أن يتخلى عن تشدده مجاملة لمشركي مكة فإذا اتهمنا المستشرقين بالتجني وهم متجنون بالفعل ـ حق لهم أن يردوا الاتهام قائلين: نحن لم نخترع شيئًا من عندياتنا ، أليست القصة ورادة في بعض مصادركم المعتمدة ؟

وتنقية التراث يمكن أن يوكل أمرها إلى المؤسسة العلمية الإسلامية التي سبق أن أشرنا إليها ، على أن يكون لديها في هذا الصدد خطة عمل تراعي أيضًا الأولويات الملحة، فيما يتعلق بتحقيق كتب التراث ونشرها

[7] الحضور الإسلامي في الغرب..

من الملاحظ أن الحضور الإسلامي في المؤسسات العلمية في الغرب ضعيف جدًا إن لم يكن معدومًا، وليست هناك أهمية إسلامية كبيرة للكثيرين من أبناء العالم الإسلامي الذين يساعدون في التدريس في تلك المؤسسات نظرًا لأنهم لا يستطيعون ـ إلا فيما ندر ـ أن يصرحوا بوجهات نظر تتعارض مع وجهات النظر الاستشراقية حول الإسلام . والغالبية منهم يجارون التيار السائد وإن لم يفعلوا فقدوا عملهم .. فهم مكبلون بقيود الوظيفة هناك . وعلى الرغم من كثرة عددهم مثلًا في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية فإنه ليس لهم نفوذ يذكر ( فإن القوة ضمن النظام( في الجامعات والمؤسسات وما إليها ) هي حصرًا تقريبًا في أيدي غير الشرقيين، رغم أن نسبة الشرقيين إلى غير الشرقيين بين الأساتذة المقيمين لا تعطي الأفضلية لغير الشرقيين إلى هذه الدرجة الجارفة ) (158) .

ولسنا هنا نريد أن نقلل من شأنهم أو نغض من أقدارهم، ولكننا نعبر فقط عن الموقف الصعب والوضع الحرج الذي يتحركون في حدوده.

ومن أجل ذلك نقترح سبيلًا آخر لتقوية الحضور الإسلامي في المؤسسات الأكاديمية في الغرب، وذلك بمحاولة اقتحام مجالات تدريس العلوم العربية والإسلامية في الغرب عن طريق الاتفاقيات الثقافية التي تعقد بين بلدان العالم الإسلامي ودول أوروبا وأمريكا، وذلك بإرسال أساتذة أكفاء من الأقطار الإسلامية إلى معاقل الاستشراق للتدريس فيها. وبذلك يمكن بالتدريج تصحيح التصورات الغربية عن الإسلام بالعمل العلمي الدؤوب وليس عن طريق الشعارات الجوفاء. وأعتقد أن هناك الآن بعض الجامعات في أوروبا وأمريكا لديها الاستعداد للاستجابة بذلك (159) .

ومن ناحية أخرى يمكن إنشاء معاهد أو مراكز بحوث إسلامية في أوروبا وأمريكا على غرار المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت، على أن يكون لهذه المراكز منشورات علمية مثل معهد بيروت المشار إليه . وتستطيع هذه المعاهد أن تزود الجهات العلمية في الغرب بالمعلومات الصحيحة وتسهم بما تنشره من بحوث علمية رصينة بلغات تلك البلاد، وما تقيمه من ندوات ولقاءات ومحاضرات ـ تسهم في تصحيح التصورات الخاطئة ـ عن الإسلام في أوروبا وأمريكا والتخفيف من غلواء العداوة للإسلام في الغرب بصفة عامة .

[8] الحوار مع المستشرقين المعتدلين ..

من المفيد جدًا أن يكون للمؤسسات العلمية الإسلامية صلات بالمستشرقين المعتدلين إلى إجراء حوار مستمر معهم وعقد لقاءات وندوات تجمع بينهم وبين العلماء المسلمين .

وليس هناك شك في أن مثل هذا الحوار سيكون له أثره الإيجابي على كلا الجانبين. فمن ناحية سيكون دعمًا لمواقف هؤلاء المستشرقين وتقوية لجانبهم وتشجيعًا لاتجاهاتهم بهدف أن تصبح هذه الاتجاهات المعتدلة في يوم من الأيام تيارًا عامًا في الغرب يكون له تأثيره الفعال في تصحيح الصورة الخاطئة عن الإسلام في العالم الغربي .

ومن ناحية أخرى سيكون من نتائج هذا الحوار ترشيد المثقفين المسلمين المتأثرين بأفكار استشراقية سلبية والتخفيف من حدة اندفاعهم وتقليدهم لهذه الأفكار وإعادتهم إلى المواقف الإسلامية الصحيحة .

[9] دار نشر إسلامية عالمية..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت