فهرس الكتاب

الصفحة 2620 من 3028

ومن الأمور الملحة أيضًا في مجال العمل الإسلامي ضرورة إنشاء مؤسسة إسلامية تبشيرية، وأعني بذلك جهاز للدعوة الإسلامية في الخارج: يدعو للإسلام من ناحية، ويرعى المسلمين الجدد من ناحية ثانية، ويحمي المسلمين بالوراثة من ناحية ثالثة. ويتطلب العمل الإسلامي أيضًا إصدار سلسلة كتب إسلامية باللغات العالمية الحية تصحح التصورات الخاطئة عن الإسلام في الأذهان ، وتعرض الإسلام بأسلوب علمي يتناسب مع العقلية المعاصرة، وتقدم الحلول الإسلامية لمشكلات المسلمين العصرية .

ومن الممكن في هذا الصدد الاستفادة بأفكار وخبرات الشخصيات الغربية الواعية التي اعتنقت الإسلام، والاتفاق معها على خطتي عمل إحداهما عاجلة والأخرى طويلة الأمد، لنشر الإسلام والثقافة الإسلامية في الغرب . وقد أشار المفكر الفرنسي ( جارودي ) ـ الذي أسلم حديثًا ـ في محاضرته التي ألقاها في كل من جامعة الملك عبد العزيز بجدة وفي جامعة قطر بالدوحة في أوائل يناير ( كانون الثاني ) 1983م بعنوان ( الإسلام وأزمة الغرب ) ، أشار إلى الحاجة الملحة لنشر الإسلام والثقافة الإسلامية في الغرب، وتحدث عن بعض الأفكار في هذا الصدد في أثناء حديثه عن كشف أساليب التضليل الصهيوني. فكان مما قال: (إن عملنا فيما يتعلق بشرح مفهوم الصهيونية وأهدافها وطرق عملها يجب ألا يقتصر على الجانب السياسي فقط، بل يجب أن يشمل الجانب الروحي أيضًا. فعلينا أن نقاوم العنصرية القبلية بكونية الإسلام، وإن هدفنا هو أن نظهر للغربيين كيف أن الإسلام هو الوحيد اليوم القادر على فتح طريق أمام المستقبل خارج النمطين الأمريكي الرأسمالي والاشتراكي السوفييتي اللذان آلا إلى طريق مسدود، وأن يجنبنا حربًا نووية قد تؤدي بالكون إلى الهلاك المحقق .. إنني أعتقد أن وعيي بأن هذا الضلال الغربي المؤدي بالعالم إلى الهلاك وفي الوقت نفسه شعوري بإمكانات الإسلام قد هداني إلى تأليف كتابي الأخير( تباشير الإسلام ) ، وأن أضع في الخط الأول المعركة ضد التضليل الصهيوني وأن أعتنق الإسلام).

ويرى ( جارودي ) ضرورة الاستعانة في هذا الصدد بالعديد من الوسائل عن طريق الحضور المستمر في وسائل الإعلام الغربية، ونشر الكتب المبسطة التي تكون في متناول الجميع، أو تنظيم المعارض وإقامة المهرجانات وغيرها مما يساهم في انتشار الإيمان وثقافة الإسلام . ويرى أيضًا تحويل الجمعية الإسلامية بجنيف إلى مركز للإشعاع الديني والثقافي، وإقامة مركز إسلامي في المنطقة الباريسية .

ويقول أيضًا: ( نحن بصدد إعداد كتاب عنوانه:( في الإسلام كل الفنون تؤدي إلى المسجد، وكل المساجد تؤدي إلى الصلاة ) .. وعن طريق تنوع الثقافات والفنون التي استوعبها الإسلام نحاول إبراز معاني وحدة وشمولية الإيمان . وأعتقد أن هذا يمثل بالنسبة لمسلمي الغرب ـ الذي أعد واحدًا منهم ـ عملًا لا بد من إنجازه .

إن في مقدور الإسلام مرة ثانية أن يحيي من جديد الأمل في مجتمعاتنا الغربية التي حطمتها الانفرادية وأنموذج النمو الكمي الذي يقود العالم إلى الانتحار ) .

وقد أشرت هنا إلى جارودي كأحد الأمثلة للشخصيات الغربية التي يمكن التعاون معها على أساس أن الغربي المسلم الذي ولد ونما وعاش في الغرب وتثقف بالثقافة الغربية أقدر من غيره على فهم نفسية الغربيين وما يشعرون به من أزمات روحية، وما يتطلعون إليه من حلول، وأقدر أيضًا على معرفة الأساليب التي يمكن أن يكون لها تأثير في نفوسهم وعقولهم .

والموضوع في حاجة إلى بحث مستفيض ودراسة واعية وتخطيط سليم . ولعلنا نتخذ العبرة من النشاطات السرية والمكشوفة لمؤسسات التنصير في شتى أنحاء العالم والتي توجه معظم نشاطها إلى تنصير المسلمين، مستغلة ما يعانيه كثير من التجمعات الإسلامية في أماكن كثيرة من بلاد العالم الإسلامي من جوع وحرمان ومرض وجهل . فهل نترك هؤلاء المسلمين يسقطون يومًا بعد يوم في أيدي بعثات التنصير ونحن نتفرج مكتفين بأضعف الإيمان ؟

لقد صادفت في أثناء إقامتي في ألمانيا في أواسط الستينات أنموذجين مؤلمين لكل نفس مسلمة: الأنموذج الأول كان قسيسًا إندونيسيا ذكر لي أن جده كان مسلمًا ومات مسلمًا. ومن الواضح أن هذا القسيس كان من نتاج التبشير النصراني النشط في ذلك البلد المسلم: إندونيسيا . أما الأنموذج الثاني فقد كان أحد الأشخاص الأوروبيين الذين كانوا يعدون لمهمة التنصير في باكستان. وقد ذكر لي صراحة وبلا مواربة أنه سيكون أسعد الناس عندما يستطيع تحويل مسلم إلى النصرانية في هذا البلد المسلم .

إن وراء هذه النماذج الفردية مؤسسات تنصيرية ضخمة. وتقوم هذه المؤسسات بين الحين والحين بعقد المؤتمرات التنصيرية العالمية لدراسة أفضل الخطط وأنجع الوسائل لإنجاح مشروعات تنصير المسلمين في شتى بلاد العالم الإسلامي، وتتلقى الدعم المالي الهائل من مختلف الطوائف النصرانية ورجال الأعمال النصارى في أوروبا وأمريكا. وقد كان أحدث هذه المؤتمرات مؤتمر أمريكا الشمالية لتنصير المسلمين الذي عقد في ( كلورادو) عام 1978م .

[5] ترجمة إسلامية لمعاني القرآن الكريم:

إنه لأمر يدعو إلى الدهشة والغرابة أن يترك المسلمون كتابهم المقدس نهبًا لكل من هب ودب لترجمته ولا يحركون ساكنًا أمام عشرات الترجمات للقرآن في كل لغات العالم. وفي كل لغة من اللغات الأوروبية نجد العديد من الترجمات القديمة والحديثة .

وفي الجانب الآخر يهتم النصارى بترجمة كتابهم إلى كل لغات البشر. وقد اطلعت على ورقة عمل مقدمة من ( وليم د. رايبيرن William D. Reryburn ) إلى مؤتمر كلورادو ـ الذي أشرنا إليه ـ عن ترجمات الكتاب المقدس إلى لغات العالم المختلفة، وعن الترجمات الموجهة على وجه الخصوص للمسلمين في شتى لغاتهم .

ويتضح من هذه الورقة مدى الجهد الكبير الذي يبذل في سبيل توصيل تعاليم الكتاب المقدس إلى كل الناس عن طريق مئات الترجمات التي قامت بإنجازها الهيئات النصرانية التبشيرية. ولم نسمع عن ترجمات للكتاب المقدس قام بها أناس من غير النصارى .

أما نحن فقرآننا كلأ مباح لكل من يريد ترجمته وتحريفه ، وشغلنا عن ذلك بمناقشات أضعنا فيها الكثير من الوقت حول جواز أو عدم جواز ترجمة القرآن. وقد كان الشيخ محمد مصطفى المراغي من أشد المتحمسين لموضوع ترجمة معاني القرآن عندما كان شيخًا للأزهر . وتقدم بمذكرة إلى مجلس الوزراء المصري في عام 1936 يقترح فيها ترجمة رسمية يقوم بها الأزهر بمساعدة وزارة المعارف، وذلك حتى يمكن أن تقف هذه الترجمة الرسمية في وجه الترجمات العديدة المنتشرة في العالم شرقًا وغربًا ، والمليئة بالأخطاء . وقد وافق مجلس الوزراء على ذلك في 16 أبريل ( نيسان ) 1936م.

ولكن الشيخ الظواهري وقف على رأس المناهضين لهذا المشروع ورأى ( أن الطريق السليم لمناهضة هذه الترجمات غير الصحيحة هو مصادرة هذه الترجمات وطلب جمعها وإتلافها من جميع حكومات العالم(157) .

وهذا مطلب غريب لا يمكن تحقيقه بأي حال من الأحوال. وهكذا وئدت الفكرة في مهدها، ولم نفعل شيئًا من أجل المسلمين في شتى أنحاء العالم من غير الناطقين بالعربية، والذين يتحدثون مئات اللغات المختلفة في كل قارات العالم .

إن العرب لا يشكلون اكثر من نسبة 15% من تعداد المسلمين في العالم، فهل يترك باقي المسلمين من غير العرب تحت رحمة ترجمات فاسدة للقرآن قام بها أناس غرباء عن دينهم ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت